الحزب الإسلامي العراقي وخطوات جديدة على طريق الفشل الإخواني

الحزب الإسلامي العراقي وخطوات جديدة على طريق الفشل الإخواني

الحزب الإسلامي العراقي وخطوات جديدة على طريق الفشل الإخواني


12/01/2026

عقب الغزو الأمريكي للعراق في العام 2003 شهدت الساحة السياسية العراقية صعوداً ملحوظاً للتنظيمات ذات الخلفية الإخوانية التي حاولت ملء الفراغ السياسي والاجتماعي في المناطق السنّية. لكن بعد عقدين من الزمن يواجه المشروع الإخواني في العراق أزمة وجودية حقيقية تتمثل في ضعف الأذرع التنظيمية وتصارعها الداخلي وفقدانها الثقة الشعبية.

أطلقت الانتخابات البرلمانية الأخيرة في العراق رصاصة الرحمة على ما تبقى من مشروع الحزب الإسلامي العراقي الذي خرج منها خالي الوفاض، ويبذل حالياً جهوداً مضنية لاستقطاب أيّ أعضاء من أجل تجميل صورته، ورأب الصدع التنظيمي، بعد أن حملت إليه الانتخابات نتيجة بعنوان: "لم ينجح أحد".

الحزب الإسلامي العراقي ذراع الإخوان الذي انهار

يُعدّ الحزب الإسلامي العراقي الذراع الأبرز للإخوان في العراق، وقد نشأ تاريخياً من منظومة الإخوان، وعانى فترات حظر ثم عاد إلى العمل السياسي بعد عام 2003، ليصبح ممثلاً سنّياً أساسياً رأى فيه الاحتلال الأمريكي بديلاً معتدلاً للتيارات السنّية.

اختار الحزب الإسلامي العراقي منذ البداية الانخراط في العملية السياسية، ورفض المقاومة المسلحة، وتواطأ مع الاحتلال الأمريكي، وهو ما أكسبه مناصب عليا مثل رئاسة البرلمان ونائب رئيس الجمهورية، إضافة إلى عدد من الوزارات، لكنّه دفع ثمن ذلك بفقدان ثقة القاعدة الشعبية السنّية، التي رأت في موقفه تقارباً مع الاحتلال وفشلاً في حماية السنّة وتحسين الأمن والخدمات.

بعد عام 2013 أدت صلات الحزب بالإخوان إلى عزله سياسياً وإقليمياً، خاصة مع تبنّي دول مثل، مصر والسعودية والإمارات، خطاً معادياً للإخوان، وهو ما حرمه من الدعم السياسي والمالي العربي. 

انتخابياً، انعكس ذلك في تراجع نتائجه، واضطراره في 2018 إلى الدفع بمرشحين مستقلين بدلاً من خوض الانتخابات باسمه التنظيمي. 

الحزب اعتمد في كثير من الأحيان على الخطاب الطائفي لكسب الأصوات بدلاً من تقديم برامج ملموسة، ممّا جعل الفراغ السياسي فرصة للمتطرفين والقوى الإقليمية للتمدد.

أزمة الاستقالات الجماعية

في العام 2019 ضربت الحزب موجة استقالات واسعة شملت قيادات وأعضاء بارزين، من بينهم بهاء النقشبندي نائب الأمين العام، ونصير العاني عضو المكتب السياسي ورئيس ديوان رئاسة الجمهورية، وصهيب الراوي عضو المكتب السياسي ومحافظ الأنبار السابق، وعمار وجيه زين العابدين رئيس مجلس الشورى، وصباح الكبيسي مسؤول مكتب التنظيم، ومحمد مبارك أحمد الجنابي مسؤول تنظيمات جنوب بغداد، إضافة إلى نواب مثل فيصل العيساوي وعائشة المساري ونهلة الراوي.

هذه الاستقالات لم تكن مجرد خلافات تنظيمية، بل كشفت عن تصدع كامل في الهيكل القيادي وغياب مصداقية الحزب أمام الشارع السنّي، خاصة بعد الفشل الذريع في إدارة المناطق السنّية. فبدلاً من تقديم نموذج إداري لديه الكفاءة، انغمس الحزب في المحاصصة الطائفية والمناصب وإهمال الملفات الخدمية، وسمح غياب الرقابة الداخلية والمساءلة بزيادة الفساد والمحسوبية بين القيادات.

وقد أدى فشل الحزب في الانتخابات البرلمانية الأخيرة إلى خروج قياداته من البرلمان، وهو ما فجّر أزمة شرعية داخلية. 

وبحسب مصادر خاصة بـ (حفريات)، فإنّ المكتب التنفيذي منح إياد السامرائي صلاحيات تنظيمية واسعة لإدارة مرحلة إحلال وتجديد، لكنّ الصراع بين السامرائي وبعض القيادات، مثل عمار حمود، حول التحالفات الانتخابية الفاشلة وغياب الرؤية السياسية، كشف حجم الانقسام داخل القيادة.

أبرز مظاهر الأزمة تمثلت في تضارب القرارات التحالفية، مثلما حدث في محافظات كركوك وصلاح الدين، حيث دخل مسؤول مركز كركوك خالد مولود في تحالف منفرد مع الاتحاد الوطني الكردستاني رغم اعتراضات قيادات الحزب، وهو ما أدى إلى تجميده مؤقتاً. وهذه الأحداث تعكس تراجع سلطة القيادة المركزية وانهيار الانضباط التنظيمي.

الانقسام الإقليمي والارتهان الخارجي

الحزب أصبح الآن منقسماً حول العلاقة مع إيران والحشد الشعبي والأحزاب الكردية الكبرى، وهناك جزء من القيادة يساير النفوذ الإيراني، في حين يسعى آخرون للتقارب مع الاتحاد الإسلامي الكردستاني بدعم تركي غير معلن، وهو محور يقوده حسين الزبيدي، حلقة الوصل مع التنظيم الدولي. هذا الانقسام أضعف موقف الحزب في السياسة المحلية وجعله تابعاً للمحاور الإقليمية.

وتسببت الانتخابات في تفجير توترات عشائرية، خصوصاً في الأنبار، بعد تصريحات استفزازية أطلقها النائب مصطفى الكبيسي، المنشق عن الحزب الإسلامي، واتهاماته المتبادلة مع قيادات الحزب، وهو ما استدعى عقد اجتماع أمني لاحتواء التصعيد. هذه الأحداث كشفت تراجع قدرة الحزب على ضبط قاعدته الاجتماعية، وتحوله من مظلة سياسية جامعة إلى طرف في صراعات محلية.

في محاولة لتفسير الإخفاق، وجّه بعض قيادات الحزب اتهامات مباشرة لطهران بالتدخل لإقصاء الحزب الإسلامي، وبتدخل السفير الإيراني في بغداد لدعم كتل منافسة. غير أنّ هذه الاتهامات لم تُخفِ حقيقة الانهيار التنظيمي الداخلي، وعمق الانقسامات، وغياب استراتيجية انتخابية متماسكة.

مجمل هذه التطورات تكشف أنّ الحزب يمرّ بأزمة مُركّبة، تتداخل فيها عوامل فشل القيادة، وتصارع الأجنحة، وفوضى التحالفات، والانقسام الإقليمي، وتآكل القاعدة الاجتماعية. ومع غياب توافق داخلي على مسار إصلاحي واضح، تبدو محاولات الاحتواء الحالية مؤقتة، ويظل مستقبل الحزب مرهوناً بقدرته على إعادة تعريف هويته السياسية، وتجديد قيادته، واستعادة ثقة الشارع السنّي الذي خسره بصورة لافتة.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية