
علي قاسم
برحيل داود عبدالسيد في ديسمبر 2025، فقدت السينما العربية صوتاً كان يشبه الهمس العميق في زمن ساد فيه الضجيج وعلت الأصوات. لم يكن مجرد مخرج، بل كان حكاءً بصرياً ينسج من خيوط الواقع اليومي أساطير إنسانية، وفيلسوفاً يطرح أسئلة الوجود بلغة الكادر والإضاءة، وشاعراً يرى في تفاصيل الحياة العادية قصائد بصرية تنتظر من يلتقطها.
رحل الرجل الذي جعل من السينما فناً جاداً بلا تعالٍ، عميقاً بلا غموض مصطنع، إنسانياً بلا عاطفية رخيصة.
صانع الأسئلة
وُلد داود عبدالسيد في القاهرة عام 1946، في حقبة كانت مصر تعيش فيها تحولات كبرى على جميع المستويات. تخرّج من المعهد العالي للسينما عام 1967، عام الهزيمة والانكسار، وكأن قدره أن يولد فناناً في زمن الأسئلة الصعبة.
بدأ مسيرته كمساعد مخرج مع عملاقين: يوسف شاهين في فيلم “الأرض”، وكمال الشيخ في “الرجل الذي فقد ظله”. لكنه سرعان ما أدرك أنه لا يريد أن يكون ظلاً لأحد، ولا تابعاً في مدرسة فنية جاهزة. كان يبحث عن صوته الخاص، عن بصمته المميزة، عن طريق ثالث بين الواقعية الاجتماعية لشاهين والتشويق النفسي لكمال الشيخ.
برحيل داود عبدالسيد مؤخرا ندرك أننا لم نفقده فحسب، بل فقدنا معه نوعاً من السينما أصبح نادراً في زمننا
لقد اختار عبدالسيد منذ البداية أن يكون فنان الهامش، صانع أسئلة لا مبتكر أجوبة. لم يهتم بالأضواء الكاشفة ولا بالشخصيات البطولية، بل انحاز إلى أولئك الذين يعيشون في الظل، إلى البسطاء الذين تحكي وجوههم قصصاً لا تحتاج إلى حوار، إلى الشوارع الجانبية التي تخفي في زواياها أسرار المدينة الكبيرة. كان يؤمن أن العظمة تكمن في التفاصيل الصغيرة، وأن الفلسفة الحقيقية تختفي في الحياة اليومية العادية.
الكيت كات
في عام 1991، قدم داود عبدالسيد للعالم تحفته الخالدة “الكيت كات”، المأخوذة عن رواية “مالك الحزين” لإبراهيم أصلان. لكن الفيلم لم يكن مجرد اقتباس سينمائي تقليدي، بل كان إعادة خلق سحرية، حيث تفوقت السينما على الأدب في تصوير عالم الرواية. لقد حول عبدالسيد النص الأدبي إلى تجربة بصرية تشبه الحلم اليقظ، حيث تختلط الواقعية بالسريالية، والضحك بالدموع، والعجز بالقوة.
شخصية الشيخ حسني، التي جسدها الراحل محمود عبدالعزيز ببراعة نادرة، أصبحت أيقونة ثقافية تتجاوز الفيلم نفسه. رجل كفيف يعيش في حي إمبابة الشعبي، لا يملك سوى حانة الكيت كات الصغيرة ومشروباتها الدافئة وزبائنها المتنوعين. لكن هذا الرجل الكفيف يرى بعين البصيرة ما لا يراه المبصرون، ويضحك على قسوة الحياة حتى لا تبكي عليه.
يركب الشيخ حسني “حصان خياله” كما قال في أحد مشاهد الفيلم الخالدة، ليهرب من واقع مرير إلى عالم من الخيال المشرق. في هذا التحول من العجز إلى القدرة، من اليأس إلى الأمل، من الكفاف إلى الخيال، يكمن جوهر فلسفة عبد السيد: الإنسان قادر على صناعة معناه حتى في أحلك الظروف.
الزميل الناقد حكيم مرزوقي (رحل قبل عامين) كتب قبل خمس سنوات شهادة نقدية ثرية عن الفيلم قال فيها: “الكيت كات قصيدة من أجمل ما خطت السينما المصرية… مجتمع يدّعي الانفتاح إلى درجة الانغلاق، وكفيف يبصر أكثر من جميع المبصرين، وبصيرة سينمائية تلامس الإعجاز.”
وأضاف مرزوقي بحق أن الفيلم تفوق على الرواية الأصلية، وأن أداء محمود عبدالعزيز كان “معجزًا إلى حد الإذهال”. هذه القراءة النقدية العميقة تضع الفيلم في مكانته الحقيقية: ليس عملاً ترفيهياً عابراً، بل حدثاً ثقافياً استثنائياً، وعلامة فارقة في تاريخ السينما العربية.
لكن مكانة “الكيت كات” لم تقتصر على النقاد والمتخصصين، بل تجاوزت ذلك إلى الذاكرة الشعبية الجماعية. فكيف لا يكون كذلك وهو الفيلم الذي يلتقط روح مرحلة بأكملها، روح تسعينيات القرن الماضي بكل تناقضاتها: الانفتاح الاقتصادي المصحوب بانغلاق اجتماعي، والحديث عن الديمقراطية مع استمرار القبضة الأمنية، والرغبة في التغيير مع الخوف من المجهول. لقد كان الشيخ حسني هو صوت تلك المرحلة المضطربة، الضاحك على ألمه، المبصر رغم عماياه.
وما يعطي لشهادة الناقد حكيم مرزوقي وزناً أكبر هو أنها تتوافق مع رأي سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة، التي قالت في حوار صحفي عام 1991 إن داود عبدالسيد هو “أخطر مخرج بين أبناء جيله”. كلمة “أخطر” هنا تحمل دلالات عميقة: الخطر على المألوف، على السائد، على السطحية. إنها إشادة من فنانة عظيمة عرفت معنى التجديد وأدركت قيمة الأصالة، لزميل يختلف عنها في الأسلوب لكنه يلتقي معها في الهدف: صناعة سينما جديرة باسم الفن.
سينما عبدالسيد تحترم عقل المشاهد وقلبه في آن واحد، تبحث عن الجمال في القبيح، وعن العمق في السطحي
أعمال مؤثرة
رغم أن “الكيت كات” يظل التحفة الأبرز في مشوار عبدالسيد، إلا أن أعماله الأخرى تشكل معاً فسيفساء مكتملة لرؤيته الفنية والفلسفية. ففيلم “أرض الخوف” (1999) يقدم لنا رحلة داخل النفس البشرية، حيث يتحول رجل الشرطة إلى تاجر مخدرات، ليس بحثاً عن الثراء بل بحثاً عن ذاته، عن هويته الضائعة في زمن الازدواجية الأخلاقية. إنه فيلم عن الخوف الوجودي الذي يعيشه الإنسان المعاصر، الخوف من فقدان المعنى في عالم أصبحت فيه القيم نسبية والهويات هشة.
أما “مواطن ومخبر وحرامي” (2001) فهو مرآة سوداوية لمجتمع يعيش تناقضاته بلا حلول. الفيلم الذي يبدو كوميديا سوداء على السطح، يحمل في أعماقه نقداً لاذعاً لعلاقة الفرد بالسلطة، للمواطن بالدولة، للإنسان بمجتمعه. إنه فيلم عن الازدواجية التي أصبحت نمط حياة، عن التناقض بين المظهر والجوهر، بين القول والفعل.
و”رسائل البحر” (2010) يمثل مرحلة النضج في تجربة عبدالسيد، حيث يقدم عملاً رومانسياً فلسفياً عن العزلة والهوية والحب. الفيلم الذي يدور في الإسكندرية، مدينة الذكريات والأحلام، يبحث عن معنى الانتماء في عالم أصبح القرية العالمية شعاراً يخفي وراءه اغتراباً عميقاً. إنه قصيدة بصرية عن الحنين إلى الماضي والخوف من المستقبل، عن البحث عن الجذور في زمن العولمة الجارف.
هذه الأعمال مجتمعة تثبت أن داود عبدالسيد كان فناناً لا يعرف التكرار، ولا يقبل بالتصنيفات الجاهزة. كان واقعياً لكنه لم يكن سجين الواقع، كان شاعراً لكنه لم يهرب إلى الخيال المجرد، كان فيلسوفاً لكنه تحدث بلغة الشارع. لقد ابتكر لنفسه مساحة فريدة بين كل هذه التيارات، مساحة سماها النقاد “الواقعية الشعرية” أو “الواقعية الفلسفية”.
وعلى المستوى العالمي، حظيت أعمال عبد السيد بتقدير نقدي لافت، حيث نالت جوائز في مهرجانات عربية ودولية، وتمت دراستها في أقسام السينما في جامعات عالمية. لكن الأهم من الجوائز هو ذلك التأثير الخفي الذي تركه على جيل كامل من المخرجين العرب الذين تعلموا منه أن السينما يمكن أن تكون فناً راقياً دون أن تفقد جمهورها، وأنها يمكن أن تطرح أسئلة وجودية دون أن تكون مثقلة أو مملة.
رسالة الفنان الخالد
برحيل داود عبد السيد في ديسمبر 2025، ندرك أننا لم نفقده فحسب، بل فقدنا معه نوعاً من السينما أصبح نادراً في زمننا: السينما التي تحترم عقل المشاهد وقلبه في آن واحد، السينما التي تبحث عن الجمال في القبيح، عن العمق في السطحي، عن الإنساني في اليومي. رحل الرجل لكنه ترك إرثاً سينمائياً سيظل حياً طالما ظل هناك أناس يؤمنون أن الفن ليس ترفاً بل ضرورة، وليس هروباً من الواقع بل طريقة أعمق لفهمه.
وتذكرنا هذه الخسارة الفادحة بفقدان آخرين ارتبطوا بـ”الكيت كات”: إبراهيم أصلان صاحب الرواية الأصلية الذي رحل عام 2012، ومحمود عبدالعزيز بطل الفيلم الخالد الذي رحل عام 2016. وكما كتب حكيم مرزوقي في شهادته: “لا يمكن أن ننسى الكيت كات حتى وإن نسينا مالك الحزين… محمود عبد العزيز الذي أضحك وأبكى ثم مات فخُلّد.” إنها دورة الحياة والموت والإبداع: يموت المبدعون لكن إبداعهم يخلدهم، يرحل الأجساد لكن تبقى الأعمال شاهدة على عبقرية من صنعوها.
في النهاية، يبقى داود عبدالسيد في ذاكرتنا كمخرج جعل من الكاميرا قلم شاعر، ومن الشاشة صفحة فلسفية، ومن ظلام دور السينما منبراً للأسئلة الكبرى. رحل وهو يعلم أن الفنان الحقيقي لا يموت، لأن فنه هو بصمته الخالدة في تاريخ الإبداع. وكما جعل الشيخ حسني الكفيف في “الكيت كات” يبصر أكثر من المبصرين، جعلنا داود عبدالسيد نرى في السينما ما لم نكن نراه، ونشعر بما لم نكن نشعر به، ونفكر فيما كنا نتجنب التفكير فيه. هذه هي هبة الفن العظيم، وهذه هي رسالة الفنان الخالد.
العرب

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85_6_0_0_1_13_1_9.jpg.webp?itok=h5nc3PPx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A_0_0_0_0.jpg.webp?itok=uJwkIJTA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1000009697_0.jpg.webp?itok=JAIdHlpn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Al-Qaeda-and-the-Houthis_1_0.jpg.webp?itok=m3wFK8u4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%83%D9%84%20%D9%83%D8%B1%D9%85%D8%A7%D9%86%20%D8%AA%D8%AB%D9%8A%D8%B1%20%D9%85%D9%88%D8%AC%D8%A9%20%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%87%D8%AC%D8%A7%D9%86%20%D8%B9%D8%A8%D8%B1%20%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%82%D8%B9%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%A7%D8%B5%D9%84_0_0.jpg.webp?itok=-CP5rEqg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862_13_0_5_0_0.jpg.webp?itok=JZzL4Iwa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_7_6_1.jpg.webp?itok=EtF2Zx6c)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/454117_0.jpeg.webp?itok=ATRUKXbk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/banna_9.jpg.webp?itok=7S1FOv5R)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_0_7_2.jpg.webp?itok=_dHBi_th)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%AA_1_8.jpg.webp?itok=rmi9eOjM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86_19_1.jpg.webp?itok=Sr99NZL9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4_133_0_0_0.jpg.webp?itok=XgaEsisb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_11_1_10_2.jpg.webp?itok=IJzNphMU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_5.png.webp?itok=h3R86nbr)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B7%D8%A8_10_1_9.jpg.webp?itok=rD4NPNs8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_101_0_0_0.jpg.webp?itok=urBiYFyt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/zHbVWfETFiJSZxbfHcBlWjcL9E61mEz1IkrAU5YATtBKQPF6Zh_HTjITn7JGMESGy_yk-BTRJUBrKnJCBLPmOiUUj1OHT9bCjvmNRauM-oyj3dxl-jdYEh8Qa9KS8wBHyBywBR2LPn56xv6dNBCxAhd90F8LeQAsl9u0PAPYpSnEgRpeSusFJ0WEyW_TQYS-.jpg.webp?itok=IcfUx6sJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

