
في سياق سياسي وأمني متحوّل يشهد الجنوب اليمني مرحلة جديدة من إعادة تشكيل موازين القوة، على وقع تطورات ميدانية وإدارية متسارعة أنهت عمليًا مساحات واسعة من نفوذ تنظيم الإخوان المسلمين ممثلًا في حزب الإصلاح، ودفعت بالقضية الجنوبية إلى واجهة المشهد الإقليمي والدولي بوصفها واقعًا سياسيًا قائمًا، لا مجرد مطلب مؤجل.
هذه التحولات لم تأتِ كحدث مفاجئ أو نتيجة ظرف طارئ، بل تُعدّ حصيلة مسار طويل من الصراع المفتوح بين مشروعين متناقضين؛ مشروع جنوبي يسعى إلى استعادة دولته وبناء مؤسسات مستقلة، ومشروع إخواني اعتمد لسنوات على استثمار مظلة الوحدة لإدامة نفوذ إداري وعسكري ومالي في محافظات الجنوب، دون تقديم نموذج حكم قادر على تلبية الحد الأدنى من تطلعات السكان.
تحولات ميدانية تُعيد رسم الخارطة
على الأرض، واصلت القوات المسلحة الجنوبية تحقيق تقدم نوعي في تثبيت الأمن وتفكيك بؤر التوتر، مستندة إلى إعادة تنظيم بنيتها العسكرية والأمنية، وتوحيد غرف العمليات، وفرض سيطرة فعلية على عدد من المناطق التي ظلت لسنوات مسرحًا لنشاط جماعات متطرفة مرتبطة بتحالفات حزب الإصلاح.
وتشير مصادر ميدانية إلى أنّ هذه العمليات لم تقتصر على البُعد العسكري فقط، بل رافقها عمل استخباراتي وإداري مكثف استهدف إنهاء حالة الازدواج الوظيفي داخل المؤسسات، وتجفيف شبكات النفوذ التي استخدمت العمل الحكومي كغطاء لنشاط سياسي وأمني خارج إطار الدولة.
النتائج المباشرة لهذه التحركات انعكست على مستوى الاستقرار النسبي في عدد من المحافظات الجنوبية، وعلى تراجع ملموس في قدرة التنظيمات المرتبطة بالإخوان على التحرك بحرية أو إعادة إنتاج أدواتها السابقة، سواء عبر الإعلام أو عبر الضغط الأمني.
التحول الأبرز جاء من داخل الجهاز الإداري للدولة، فقد أعلنت ست عشرة وزارة حكومية، بوزرائها ووكلائها وقياداتها التنفيذية في عدن وعدد من المحافظات الجنوبية، انخراطها الكامل في العمل تحت قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي.
هذا الإعلان شكّل ضربة مباشرة لمحاولات حزب الإصلاح الاحتفاظ بنفوذه عبر مفاصل الدولة، وأعاد تعريف العلاقة بين السلطة التنفيذية والواقع السياسي في الجنوب. فهذه المؤسسات، التي كانت لسنوات ساحة صراع صامت بين ولاءات متناقضة، باتت اليوم تصطفّ علنًا مع المشروع الجنوبي، معتبرة أنّ استمرار الوضع السابق لم يعد قابلًا للاستدامة.
وتؤكد قيادات إدارية جنوبية أنّ هذا التحول جاء نتيجة تراكم طويل من الإقصاء والتهميش، ومن فشل متكرر في إدارة الخدمات والملفات السيادية، وهو ما دفع قطاعات واسعة داخل الجهاز الحكومي إلى تبنّي خيار سياسي ينسجم مع الواقع الميداني ومع المزاج الشعبي.
الشارع الجنوبي واستعادة المبادرة
التحركات الرسمية تزامنت مع زخم شعبي واسع، تجلى في تظاهرات ومليونيات خرجت في أكثر من مدينة جنوبية، رافعة مطالب واضحة بإنهاء ما تصفه بالاحتلال الإداري الذي فُرض منذ حرب 1994، وبالانتقال إلى مرحلة إعلان دولة الجنوب العربي.
هذه الحشود، وفق مراقبين، لم تكن مجرد تعبير عاطفي، بل رسالة سياسية مباشرة للداخل والخارج بأنّ الشارع الجنوبي بات أكثر تنظيمًا ووضوحًا في مطالبه، وأنّ محاولات الالتفاف على إرادته عبر شعارات الوحدة أو التخويف من المجهول لم تعد تلقى الصدى ذاته.
ويشير محللون إلى أنّ الفارق الأساسي في هذه المرحلة يتمثل في التقاء الشارع مع المؤسسات العسكرية والإدارية في مسار واحد، وهو ما لم يكن متوفرًا في محطات سابقة من تاريخ القضية الجنوبية.
على المستوى الدولي، جاء موقف الدكتور أنور قرقاش، مستشار رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، ليضع حدًا لحملات التشكيك التي استهدفت الدور الإقليمي في الجنوب. ففي تصريح واضح أكد قرقاش أنّ بلاده لا تفرض أجندات على أحد، وأنّها تحترم إرادة الشعوب في تقرير مصيرها، وفي مقدمتها إرادة شعب الجنوب.
وأوضح قرقاش أنّ الهجمات الإعلامية التي تستهدف الإمارات تأتي في سياق محاولات الهروب إلى الأمام من قبل أطراف فشلت في إدارة الملفات الداخلية، في إشارة غير مباشرة إلى جماعة الإخوان المسلمين، التي دأبت على تحميل أطراف خارجية مسؤولية إخفاقاتها السياسية والإدارية.
وشدد على أنّ الهدف المشترك يتمثل في الوصول إلى منطقة خالية من التطرف، وهو توصيف ينسجم مع الخطاب الجنوبي الذي يضع اجتثاث فكر الإخوان من المؤسسات ضمن أولوياته الأمنية والسياسية.
فشل نموذج الوحدة وإعادة تقييم المرحلة
تؤكد القيادات السياسية الجنوبية أنّ ما يجري اليوم ليس خروجًا عن التوافقات، بل نتيجة طبيعية لفشل نموذج الوحدة في تحقيق الشراكة المتوازنة. فمنذ عام 1994، بحسب هذه القيادات، تحولت الوحدة إلى أداة إقصاء، وغطاء لهيمنة سياسية وعسكرية، أدت إلى تعطيل التنمية وتفريغ المؤسسات من مضمونها.
ويرى مسؤولون في المجلس الانتقالي الجنوبي أنّ الواقع الحالي يفرض على المجتمع الدولي التعامل مع الجنوب كفاعل سياسي يمتلك أدوات القوة على الأرض، وقادر على إدارة شؤونه، وليس كملف تابع يُدار من خارج إرادة أهله.
في هذا الإطار، وجهت القيادات الإدارية والسياسية الجنوبية دعوات مباشرة إلى المجتمع الدولي والتحالف العربي، دعت فيها إلى احترام تطلعات الشعب الجنوبي، والتعامل مع التطورات الجارية باعتبارها تعبيرًا عن إرادة جماهيرية واسعة، لا مجرد اصطفاف سياسي مرحلي.
وأكدت هذه القيادات أنّ الجنوب، بقواته المسلحة ومؤسساته الإدارية، أصبح اليوم في موقع يسمح له بحماية أرضه، وتأمين حدوده، وإدارة ملفاته السيادية بعيدًا عن هيمنة حزب الإصلاح أو أيّ أجندات عابرة للحدود.
المشهد الجنوبي يدخل، وفق التقديرات، مرحلة إعادة تعريف للعلاقة بين الداخل والخارج، وبين السلطة والشارع. فالتغيرات التي حدثت في بنية المؤسسات، والمواقف الإقليمية الداعمة لاحترام الإرادة الشعبية، تشير إلى أنّ القضية الجنوبية لم تعد ملفًا مؤجلًا، بل أصبحت واقعًا سياسيًا يتطلب مقاربة جديدة من جميع الأطراف.
وفي الوقت الذي تتراجع فيه قدرة تنظيم الإخوان على المناورة، نتيجة خسارته للأرض والإدارة معًا، يبدو الجنوب أكثر تماسكًا في طرح مشروعه، وأكثر وضوحًا في تحديد أولوياته، وفي مقدمتها الأمن، وبناء الدولة، وإنهاء عقود من الصراع المفتوح.
وبينما تتواصل هذه التحولات، يبقى السؤال المطروح ليس حول إمكانية استعادة الدولة الجنوبية، بل حول الكيفية التي سيتعامل بها الإقليم والعالم مع واقع جديد تشكّلت ملامحه بالفعل، وفرض نفسه كأحد أبرز ملفات المرحلة المقبلة في المنطقة.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A5%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A7%D8%AA_1_0.jpg.webp?itok=oxGZ1O9A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1408793_0_1.jpeg.webp?itok=RLtA9JKZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA%20%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A_6_0.jpg.webp?itok=iu2rI4iJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_22_0.jpg.webp?itok=N0UXHX6y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B4%D9%88%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=1nzQWsfi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF_0_0.png.webp?itok=095Dr22b)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/344281-293240_0_0_0_2_1_0_1.jpg.webp?itok=LieXmuS8)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%AC%D9%87%D8%B2%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86_0_4_4_0.jpg.webp?itok=cavoPXVu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_2.jpg.webp?itok=4NGJbZEg)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%AC_1.jpg.webp?itok=2Blorlyw)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/239iiuqtpl7os0ko8s_0_6.jpg.webp?itok=n1zgQ4_d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4_1.jpg.webp?itok=Jmi96fsS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/66442868058220260615035806586.jpg.webp?itok=b4jj-erZ)




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/232566-1737814846.jpg.webp?itok=OvPZSkJv)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0.jpg.webp?itok=KAB_cJlS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)