حين يصير المال لغة تنظيم: كيف فكّرت جماعة الإخوان اقتصاديًا داخل أوروبا؟

حين يصير المال لغة تنظيم: كيف فكّرت جماعة الإخوان اقتصاديًا داخل أوروبا؟

حين يصير المال لغة تنظيم: كيف فكّرت جماعة الإخوان اقتصاديًا داخل أوروبا؟


25/12/2025

تشكّل المال في تجربة جماعة الإخوان المسلمين بوصفه عنصرًا سابقًا على السياسة، ولاحقًا على الخطاب، وملازمًا لفكرة التنظيم ذاتها. لم يدخل المال هذه التجربة بوصفه وسيلة دعم طارئة أو تفصيلًا إداريًا يمكن الاستغناء عنه، بل استقر منذ وقت مبكر كأداة تفكير، تحدد إيقاع الحركة، وتضبط علاقتها بالزمن، وتفرض على التنظيم نوعًا من الانضباط الصامت الذي لا يظهر في الأدبيات، لكنّه يحكم الممارسة اليومية. وحين انتقلت الجماعة من المجال المحلي في مصر إلى الفضاءات الأوسع، خاصة أوروبا، لم تنتقل معها الشعارات وحدها، بل انتقل هذا الوعي الاقتصادي الضمني، وإن تغيّرت أشكاله وأدواته.

التأسيس المفاهيمي والتاريخي

في أوروبا اصطدم التنظيم منذ البداية ببيئة مختلفة جذريًا عن تلك التي نشأ فيها. الدولة هنا ليست خصمًا سياسيًا مباشرًا بالضرورة. هذا الاصطدام المبكر فرض سؤالًا لم يكن مطروحًا بالحدة  نفسها في السياق المصري: كيف يمكن لتنظيم ذي طبيعة إيديولوجية أن يعيش طويلًا داخل منظومة لا تسمح بالعمل الإيديولوجي غير المنضبط؟ الإجابة لم تكن فكرية بقدر ما كانت تنظيمية واقتصادية، لأنّ المال هو أول ما تلتقطه الدولة حين تبدأ في الفحص.

مع دخول الثمانينيات، وتحوّل الإسلام إلى قضية عامة في أوروبا، خاصة مع تصاعد النقاش حول الهوية والاندماج، تغيّر موقع التنظيم من الهامش إلى المجال العام. هنا لم يعد المال مجرد وسيلة تشغيل، بل صار شرطًا للتمثيل. المؤتمرات، والمراكز، والأنشطة العلنية، والعمل القانوني، كلها احتاجت إلى موارد ثابتة، لا يمكن توفيرها عبر التبرعات الموسمية وحدها. وفي هذه اللحظة تحديدًا بدأ الانتقال البطيء من اقتصاد الاستجابة إلى اقتصاد التخطيط، ومن المال بوصفه وقودًا للحظة إلى المال بوصفه أداة لإدارة الزمن.

تُعدّ أزمة سلمان رشدي في أواخر الثمانينيات مثالًا كاشفًا على هذا التحول. لم تكن الأزمة مجرد جدل ثقافي أو ديني، بل كانت اختبارًا عمليًا لقدرة التنظيمات الإسلامية على العمل داخل المجال العام الأوروبي. الاحتجاجات، والمؤتمرات، والبيانات، والمحاكم، كلها تطلّبت بنية تنظيمية قادرة على التمويل والإدارة. هنا ظهر بوضوح أنّ من يملك الموارد يملك القدرة على البقاء في ساحة النقاش، وأنّ الخطاب، مهما كان قويًا، لا يكفي وحده لضمان الاستمرارية.

في التسعينيات، بدأ هذا الإدراك يتحول إلى منطق تنظيمي متماسك. لم تعد الجماعة تبحث عن المال بوصفه دعمًا سياسيًا مباشرًا، بل بوصفه بنية تحمي التنظيم من التقلبات. ظهرت شبكات اقتصادية تعمل عبر جمعيات، ومراكز تعليمية، ومؤسسات ثقافية، تُدار قانونيًا، وتبدو في ظاهرها كيانات مستقلة، لكنّها تشترك في منطق واحد: تقليل الظهور، وتوزيع الوظائف، وتجنب المركزية. لم يكن الهدف هنا بناء قوة مالية ضخمة، بل بناء شبكة موارد صغيرة، مستقرة، يصعب استهدافها دفعة واحدة.

هذا المسار سيتعرّض لاختبار قاسٍ بعد أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، حين أصبح المال الإسلامي، بكل أشكاله، محل شبهة ورقابة. غير أنّ ما يهم في هذه اللحظة ليس الصدام ذاته، بل ما سبقه من استعداد. فالتنظيم الذي كان قد بدأ بالفعل في تفكيك مركزيته المالية، وجد نفسه أقدر على التكيّف من غيره. المال لم يختفِ، لكنّه غيّر موقعه ووظيفته، وانتقل أكثر إلى الظل، حيث لا يُرى بسهولة، لكنّه يواصل أداء دوره بهدوء.

هنا يمكن القول إنّ اقتصاد الإخوان في أوروبا لم يتشكل كردّ فعل لحظة واحدة، بل نتاج مسار طويل من التعلم التراكمي. المال لم يكن أداة صدام، بل أداة تكيّف. لم يكن وسيلة سيطرة، بل وسيلة بقاء. وهذا الفهم هو المفتاح الحقيقي لقراءة ما سيأتي لاحقًا، حين ننتقل من التأسيس إلى البنية، ومن الفكرة إلى الأمثلة التطبيقية، ومن التحليل العام إلى الوقائع المحددة التي ستكشف كيف تُدار هذه اللغة الصامتة على الأرض.

من التأسيس إلى البنية... الأسماء والوقائع الأولى

في الثمانينيات والتسعينيات برزت أسماء مثل يوسف ندا وغالب همت بوصفها نماذج لهذا التحول. لم تكن أهمية هذه الأسماء في حجم الأموال التي أدارتها فحسب، بل في الطريقة التي فُكّر بها في المال نفسه. تجربة بنك التقوى، على سبيل المثال، لم تكن مجرد مشروع مالي، بل كانت محاولة مبكرة لبناء إطار اقتصادي عابر للحدود، يستند إلى فكرة أنّ التنظيم لا يمكنه الاعتماد على تبرعات موسمية أو دعم عاطفي، بل يحتاج إلى أدوات مالية قادرة على الحركة داخل النظام العالمي. ورغم أنّ هذه التجربة انتهت تحت ضغط سياسي وأمني كثيف، فإنّ أثرها الأعمق تمثّل في الدرس الذي تعلّمه التنظيم لاحقًا: كلما اقترب المال من المركز، وظهر في صورة واحدة جامعة، صار أكثر عرضة للاستهداف.

هذا الدرس هو ما يفسّر التحول اللاحق من المشاريع المالية الكبرى إلى شبكة من الكيانات الأصغر، والأقل لفتًا للانتباه. في ألمانيا، على سبيل المثال، بدأ التركيز يتجه إلى الجمعيات التعليمية والمراكز الثقافية التي تعمل ضمن القانون المحلي، وتُدار عبر مجالس أمناء، وتملك حسابات واضحة مرتبطة بأنشطة محددة. لم يكن الهدف هنا تحقيق أرباح مرتفعة، بل ضمان موارد تشغيلية مستقرة، تسمح بتغطية النفقات، وتمويل الأنشطة، دون الحاجة إلى تحويلات خارجية تثير الريبة. هذا النموذج، الذي بدا في ظاهره متواضعًا، كان في حقيقته أكثر قدرة على الصمود.

في بريطانيا، حيث الإطار القانوني للجمعيات الخيرية أكثر مرونة، ظهر نموذج يقوم على تسجيل الأنشطة الاقتصادية والخيرية في كيانات مستقلة تخضع لمعايير الحوكمة والمحاسبة، مع الحفاظ على مسافة واضحة بينها وبين الأطر التمثيلية. هذا النموذج سمح بقدر أكبر من الحركة، لكنّه في الوقت نفسه فرض انضباطًا محاسبيًا صارمًا، جعل المال أكثر خضوعًا للتدقيق، وأقلّ قابلية للاستخدام الارتجالي.

ما يجمع هذه النماذج، رغم اختلاف السياقات، هو الفكرة نفسها: المال يجب ألّا يكون مركزًا، وينبغي ألّا يتحول إلى رمز. كلما أصبح المال عاديًا، يوميًا، مرتبطًا بخدمات واضحة، زادت فرص بقائه. وكلما ابتعد عن الخطاب المباشر، صار أكثر قدرة على أداء وظيفته التنظيمية. بهذه الطريقة، بدأ يتشكل ما يمكن تسميته بـ "اقتصاد الظل القانوني"، وهو اقتصاد لا يعمل خارج القانون، بل داخل مساحاته الرمادية، مستفيدًا من تعدد الأطر، واختلاف القوانين، وتباين الأولويات السياسية بين دولة وأخرى.

إذا كان التأسيس النظري لاقتصاد الإخوان في أوروبا قد تشكّل عبر وعي مبكر بالبيئة القانونية والسياسية، فإنّ هذا الوعي لم يظل مجرد تصور ذهني، بل تُرجم سريعًا إلى ممارسات وأسماء وكيانات لعبت دورًا حاسمًا في نقل التنظيم من مرحلة التواجد الهش إلى مرحلة البنية المستقرة. في هذا السياق، لا يمكن فهم التحول الاقتصادي دون التوقف عند جيل من الفاعلين الذين أدركوا أنّ العمل في أوروبا لا يُدار بعقلية الحركة، بل بعقلية الشبكة، وأنّ المال، لكي يؤدي وظيفته، يجب أن ينفصل عن الخطاب اليومي، وأن يُدار عبر أطر قانونية تبدو طبيعية في سياقها الأوروبي.

الاستقلال المحلي، والقطاعات الحاضنة، والتحول الرقمي

جاء عام 2013 ليضيف طبقة جديدة من التحول إلى المسار الذي كان قد بدأ قبل ذلك بسنوات. فمع تراجع المركز السياسي للجماعة في الشرق الأوسط، لم يعد ممكنًا التعويل على شبكات دعم خارجية، ولا على رمزية سياسية تمنح التنظيم شرعية أو حماية غير مباشرة. هذا التحول دفع شبكات الإخوان في أوروبا إلى استكمال مسار كان قد بدأ بالفعل: الانتقال من اقتصاد مرتبط بالمركز إلى اقتصاد محلي مستقل، يعتمد على موارده الذاتية، ويُدار وفق شروط الدولة التي يعمل داخلها، لا وفق حسابات خارجية.

في هذه المرحلة تبلور بوضوح مفهوم "القطاعات الحاضنة"، أي المجالات الاقتصادية التي تتيح للتنظيم موارد مستقرة دون إثارة حساسية سياسية مرتفعة. التعليم جاء في المقدمة، بوصفه قطاعًا يجمع بين القبول الاجتماعي والإطار القانوني الواضح والعائد المنتظم. المدارس والمعاهد ومراكز التدريب لم تُنشأ فقط لتقديم خدمات تعليمية، بل لتكون أصولًا طويلة الأمد، تدرّ موارد، وتبني علاقات مع المجتمع المحلي، وتمنح التنظيم حضورًا يصعب فصله عن النسيج اليومي.

إلى جانب التعليم، لعب العقار دور الضامن الصامت، امتلاك المقار والمراكز، بدل استئجارها، منح الكيانات هامشًا أكبر من الاستقرار، وقلّل من قابلية الإغلاق السريع. العقار، بخلاف الحساب البنكي، لا يُجمَّد بقرار إداري بسيط، ولا يُقرأ بوصفه نشاطًا سياسيًا، بل بوصفه أصلًا اقتصاديًا يخضع لقواعد السوق والقانون المدني. بهذا المعنى تحوّل الاستثمار العقاري إلى جزء من استراتيجية إدارة المخاطر، لا مجرد نشاط اقتصادي جانبي.

الخدمات المجتمعية والثقافية شكّلت بدورها مساحة ثالثة للعمل. الأنشطة التي تُقدَّم تحت عنوان الاندماج، أو دعم الشباب، أو العمل الثقافي، سمحت بالوصول إلى تمويلات عامة أو شراكات محلية، وأتاحت موارد غير مباشرة، مثل المساحات والبنية التحتية، دون الحاجة إلى تدفقات مالية كبيرة. هذا النوع من الموارد، رغم محدوديته، كان أقلّ إثارة للانتباه، وأكثر انسجامًا مع خطاب الدولة حول التعددية والمشاركة المدنية.

في الوقت نفسه بدأ التحول الرقمي يفرض نفسه بوصفه حلًا اقتصاديًا وتنظيميًا منخفض الكلفة. المنصات الرقمية، والتعليم عن بُعد، وإدارة العضوية إلكترونيًا، كلها أدوات سمحت بتقليل الاعتماد على الهياكل الثقيلة، وخفض النفقات التشغيلية، وتجاوز بعض القيود الجغرافية دون تحويلات مالية كبيرة. الرقمنة لم تكن قطيعة مع الماضي، بل امتدادًا لمنطق اللامركزية، حيث يُجزّأ النشاط إلى وحدات صغيرة يصعب إخضاعها للمنع الشامل.

هذا التحول الرقمي ترافق مع وعي أعلى بحوكمة البيانات والامتثال، لأنّ الفضاء الإلكتروني نفسه خاضع للمراقبة. لكنّ التنظيم، الذي كان قد تعلّم بالفعل العمل داخل القيود، تعامل مع الرقمنة بوصفها أداة إضافية لإدارة المخاطر، لا مساحة للفوضى. مرة أخرى، كان الهدف هو تقليل الظهور، لا تعظيم الانتشار.

هكذا، بعد 2013، لم يعد السؤال كيف يستعيد التنظيم نفوذه السياسي، بل كيف يضمن بقاءه المؤسسي داخل أوروبا؟ المال، في هذه المرحلة، لم يُستخدم لبناء مشروع كبير، بل لتثبيت شبكة موارد صغيرة، متفرقة، لكنّها كافية لإبقاء الهياكل الأساسية تعمل. الاستقلال المحلي لم يكن شعارًا، بل ضرورة فرضتها التجربة، وأعاد تعريف العلاقة بين التنظيم والاقتصاد على أساس البراغماتية لا الطموح.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية