
في أزقة المدينة المكتظة، حيث تتشابك الروائح والضجيج والآمال، تقف وجوه صغيرة تحمل قصصاً لم تُحك بعد عن الجوع وسوء التغذية، فالأطفال هنا لا يعرفون معنى الطفولة الكاملة، فكلّ وجبة قد تصبح حلماً بعيداً.
وأعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) تسجيل نحو (9 آلاف و300) حالة سوء تغذية حاد بين الأطفال دون سن الخامسة في قطاع غزة خلال تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، محذّرة من تفاقم الوضع الإنساني مع دخول فصل الشتاء وشحّ المواد الغذائية.
وقالت المنظمة في بيان: إنّ مستويات سوء التغذية المرتفعة "تعرّض حياة الأطفال للخطر"، مشيرة إلى أنّ الشتاء يزيد مخاطر الأمراض ونسب الوفيات لدى الفئات الأكثر ضعفاً.
وأوضحت أنّ فحوصات التغذية أظهرت ارتفاعاً حاداً في حالات العجز الغذائي، في ظل نقص المواد الأساسية وارتفاع أسعار الأغذية الحيوانية المصدر، ممّا يجعلها خارج متناول غالبية سكان القطاع.
وأضافت المديرة التنفيذية لليونيسيف، كاثرين راسل، أنّ آلاف الأطفال دون الخامسة ما يزالون يعانون سوء التغذية الحاد، في حين يفتقر كثيرون إلى المأوى الملائم والصرف الصحي والحماية من البرد"، مؤكدة أنّ "الجوع والمرض والظروف المناخية القاسية تُعرّض حياة أطفال غزة للخطر.
ووفق منظمة الصحة العالمية، وبحسب ما أفاد به شركاء مجموعة التغذية، يعاني طفل من كل خمسة أطفال دون سن الخامسة في مدينة غزة من سوء التغذية الحاد. وقد تضاعف سوء التغذية الحاد في مدينة غزة ثلاث مرات منذ حزيران (يونيو)، وهو ما يجعلها المنطقة الأكثر تضرراً في قطاع غزة، والمقصود به هو المؤشر الذي يقيس نسبة الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين (6 أشهر و59) شهراً ويعانون سوء التغذية الحاد.
ولا يوجد في قطاع غزة بالكامل سوى أربعة مراكز متخصصة في علاج سوء التغذية، وتعاني هذه المراكز الأربعة بشدة أمام هذه الزيادة الكبيرة في الحالات، ممّا يدفع النظام الصحي الهش في الأساس إلى حافة الانهيار. وتعمل المراكز الأربعة جميعها بمستويات تفوق طاقتها الاستيعابية.
وجوه شاحبة
الفلسطينية وفاء عياد (38) عاماً من مخيم المغازي وسط قطاع غزة، وهي أم لخمسة أطفال، تروي يومياتها الصعبة مع أطفالها الذين يعانون من نقص التغذية قائلة: "بدأ سوء التغذية مع أصغر أطفالي وعمره سنتان، وكان ضعيفاً جداً لا يكتسب وزناً، وفي كل زيارة للطبيب كان يؤكد أنّه يعاني من نقص في الحديد والبروتينات، ومع سوء الأوضاع الاقتصادية لا أستطيع شراء كل ما يحتاجونه بسبب ارتفاع الأسعار وقلة الموارد".
وتضيف: "سوء التغذية يؤثر على حياة طفلي اليومية، ودائماً ما يكون في حالة خمول وقليل الحركة، حتى الابتسامة تختفي من وجهه، ويرفض اللعب أو المشي لمسافة قصيرة، ويظل شاحباً طوال اليوم".
وتتابع: "أحاول توزيع ما أملكه من الطعام بحرص، وأحياناً أذهب إلى الجمعيات الخيرية لطلب المساعدة، لكنّ هذا لا يكفي، الأطفال يحتاجون غذاءً متوازناً يومياً، وأرى في عيونهم تعباً، وأشعر بالعجز".
وتوضح: "أحلم أن يكبر أطفالي أصحاء، يذهبون إلى المدرسة بانتظام، ويستطيعون اللعب بدون تعب أو مرض، وأحلم أن يصبح لديهم مستقبل أفضل، بعيداً عن الجوع والمعاناة".
سوء تغذية حاد
وتتحدث نسرين عابد (31 عاماً)، أم لأربعة أطفال، تعيش في حي الرمال وسط مدينة غزة، عن معاناة أطفالها اليومية مع سوء التغذية وكيف أصبح الجوع جزءاً من حياتهم.
تقول عابد: "أصيب اثنان من أبنائي بسوء تغذية حاد، وكانت أوزانهما في نقص مستمر، وبعد الكشف والفحوصات الطبية تبين إصابتهما بنقص حاد في البروتينات والفيتامينات الأساسية، فكل يوم يمر أجد صعوبة في تأمين وجبات كافية ومغذية لهما بسبب ارتفاع الأسعار".
وتوضح: "أطفالي خاملون طول اليوم، لا يلعبون كباقي الأطفال، وغالباً ما يكونون شاحبين ومتعبين، وهذا يحزنني كثيراً".
وتتابع: "أحاول تنظيم وجباتهم بعناية، لكن هذا لا يكفي، الأطفال يحتاجون إلى غذاء متوازن يومياً، ومن الصعب توفيره حالياً في ظل الأوضاع الصعبة التي أعيشها".
وتؤكد: "أخاف أن يؤثر سوء التغذية على نموهم الجسدي والعقلي، فهناك فرق بين أطفالي وأطفال الجيران، وهذا يزعجني كثيراً، فكل أم تحلم أن يكبر أطفالها أصحاء، يستطيعون اللعب والتعلم دون خوف من الجوع".
عابد مثلها مثل العديد من الأمهات في غزة، تحاول جاهدة حماية أطفالها من آثار الجوع، لكنّها تعلم أنّ الطريق طويل وصعب، فوجوه أطفالها الصغيرة تحكي صمتاً لا تستطيع الكلمات التعبير عنه، الحاجة إلى غذاء كافٍ، وحقهم في طفولة صحية وآمنة.
سوء التغذية ومخاطره على الأطفال
يرى أخصائي التغذية العلاجية الدكتور سامي الميناوي أنّ "علامات سوء التغذية التي يمكن ملاحظتها عند الأطفال تختلف حسب درجة سوء التغذية، لكنها تشمل فقدان الوزن وتوقف النمو الطبيعي، وشحوب الوجه، وضعف العضلات، وفقدان الشهية".
يقول الميناوي: "الأطفال دون سن الخامسة هم الأكثر عرضة للإصابة بسوء التغذية، خصوصاً الرضع والأطفال الذين تم فطامهم مبكراً أو لا يحصلون على غذاء متوازن بعد العام الأول من العمر".
ويضيف: "سوء التغذية الحاد يظهر بشكل سريع ويؤدي لفقدان الوزن الشديد وفقر الدم وأحياناً التورم في الجسم، بينما سوء التغذية المزمن يتطور تدريجياً، ويؤثر على طول الطفل ومعدلات نموه العقلي والجسدي على المدى الطويل".
ويوضح الميناوي: "نقص البروتينات يؤدي إلى ضعف العضلات وتأخر النمو، ونقص الحديد يسبب فقر الدم ويؤثر على التركيز والتعلم، ونقص الفيتامينات مثل A وD يؤثر على المناعة ونمو العظام وصحة العينين".
ويؤكد: "هناك أعراض نفسية أو سلوكية مرتبطة بسوء التغذية، فالأطفال المصابون بسوء التغذية غالباً ما يظهرون قلة اهتمام باللعب، وخمولاً، وضعفاً في التركيز، وأحياناً التهيج أو الاكتئاب بسبب نقص الطاقة وعدم القدرة على المشاركة في النشاطات اليومية". ولضمان تغذية متوازنة للأطفال لا بدّ من تنويع الطعام قدر الإمكان، تقديم الحليب أو بدائله للأطفال الصغار، وإدخال الخضار والفواكه في كل وجبة، وتجنب الأطعمة الجاهزة والمشروبات السكرية قدر الإمكان، حتى مع محدودية الموارد، والتخطيط للوجبات يمكن أن يقلل من سوء التغذية".
وبدعم أمريكي، ارتكبت إسرائيل منذ السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023 ولمدة سنتين إبادة جماعية بغزة، خلّفت أكثر من (67) ألف شهيد، وأكثر من (170) ألف مصاب، معظمهم أطفال ونساء.


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_1_5_0.png.webp?itok=SL0FoY8v)





![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%86_113_0_0.jpg.webp?itok=tveF5mr8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B3%D8%A4%D9%88%D9%84%D9%8A%D8%A9%20%D9%83%D8%A8%D8%B1%D9%89_0_2_1_2_3_0.jpg.webp?itok=CNFeXliw)











![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_130.jpg.webp?itok=yI3FnUfI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_137_1.jpg.webp?itok=pcYAW8xm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B2%D8%BA%D9%88%D9%84.png.webp?itok=vCyRKOE9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/141162026_Doc-P-566697-639167742185871407.jpg.webp?itok=NdQqK9bA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20_0_0_0.jpg.webp?itok=YxXTGKyA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_6_2.jpg.webp?itok=5M5BrpBC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)