أطفال غزة في قلب المأساة... العمل مقابل الطعام

أطفال غزة في قلب المأساة... العمل مقابل الطعام

أطفال غزة في قلب المأساة... العمل مقابل الطعام


16/12/2025

في أزقة غزة الضيقة، حيث يتصاعد غبار الركام مع كل خطوة، وتختلط رائحة الدخان برائحة الخوف، لم يعد للطفولة معنى مستقلاً أو مرحلة بريئة، فهنا يتحول الأطفال إلى حُماة، ومساندين في قلب هذا المشهد.

ووفق بيان صادر عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، واجه الأطفال الفلسطينيون خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة منذ السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023 كارثة إنسانية غير مسبوقة، حيث شكلوا مع النساء أكثر من 60% من إجمالي الضحايا، وأسفر العدوان عن استشهاد أكثر من (18) ألف طفل.

وكشفت التقديرات عن أنّ (39384) طفلاً في قطاع غزة فقدوا أحد والديهم أو كليهما خلال الحرب، بينهم حوالي (17) ألف طفل حرموا من كلا الوالدين، ليجدوا أنفسهم في مواجهة قاسية مع الحياة دون سند أو رعاية.

وتشير بيانات الإحصاء الفلسطيني إلى أنّ اقتصاد غزة فقد 90% من الوظائف خلال شهور الحرب، وتعرّضت كثير من الأسر الفلسطينية إلى فقدان العائل، وهو ما اضطر الأطفال للعمل.

وكانت نائب المديرة التنفيذية لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، قد أكدت أنّ قطاع غزة أخطر مكان على الأطفال في العالم، ووضعه تحوّل من كارثي إلى شبه منهار.

وكشفت دراسة أجراها مركز متخصص في الصحة النفسية في قطاع غزة أنّ 96% من الأطفال في قطاع غزة يشعرون بأنّ الموت وشيك، ويظهر 87% من الأطفال خوفاً شديداً، ويعاني 79% منهم من الكوابيس.

وأظهرت الدراسة، التي أعدها مركز التدريب المجتمعي وإدارة الأزمات الفلسطيني، بدعم من "تحالف أطفال الحرب"، أنّ أكثر من عام من النزوح والقصف المتواصل ترك أطفال قطاع غزة الأكثر ضعفاً يعانون من أزمات نفسية حادة، وأصبحت عائلاتهم على حافة الانهيار.

ووفق الدراسة تعيش معظم الأسر على دخل يومي يعادل (4.19) دولارات، مع وجود 80% من المعيلين عاطلين من العمل، وأنّ نحو 24% من الأسر يديرها أطفال لا تتجاوز أعمارهم ((16 عاماً.

بين طفولة مغتصبة ومسؤولية مفروضة

آدم الصفدي (12 عاماً)، هو طفل لا يشبه أيّ طفل في عمره، بعدما اضطرته الحرب إلى أن يكبر سنوات في أيام قليلة، وأن يدرك أنّ عليه مسؤوليات كبيرة تفوق عمره.

ويبدأ الصفدي من مخيم جباليا شمال قطاع غزة حديثه وهو يجلس على حجر قرب خيمة صغيرة أقيمت لأسرته التي فقدت منزلها: "كنا نائمين، وفجأة صار كل شي يهتز، بعدها سمعت صرخة أمي، رجعت إلى الخلف لأرى إخوتي وكنت خائفاً، لكن لا وقت للخوف".

ويضيف الصفدي: "كنت أول من التقط شقيقتي الصغيرة قبل انهيار جزء من سقف المنزل، وسحبها نحو الممر الضيق المؤدي إلى الخارج." 

ومنذ نزوح أسرته إلى المخيم المؤقت لم يعد الصفدي ذلك الطفل الذي يستيقظ على صوت المنبه المدرسي، بل أصبح يستيقظ على صوت الانفجارات أو نداء المتطوعين لتوزيع الماء، ويقول: "والدي مريض ولا يمكنه السير لمسافات بعيدة، وأعباء المنزل تقع على كاهلي، تعبئة المياه، وشحن الهواتف، وحتى العمل في ورشة الحدادة، لتوفير مستلزمات عائلتي." 

ويتابع قائلاً: "رغم عمري الصغير، إلا أنني أصبحت بنظر والديّ عمود البيت وسنده، فهما يخافان عليّ كثيراً، لكنني أفعل كل ما بوسعي لكي نبقى واقفين على أقدامنا." 

ويتابع: "أنا أدرك أنّ ما أقوم به ليس عملي، ولكن لا يوجد أحد غيري كي يقوم بهذه المهام الشاقة، لقد كنت أحلم قبل الحرب أن أكون مهندساً معمارياً، الآن لا أحلم سوى بانتهاء الحرب والقصف الذي دمّر كل ما نملك." 

مقاومة صامتة وحكاية أكبر من العمر

وفي ممر ضيق بين خيام النازحين في مدينة أصداء شمال مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، يجلس الطفل موسى بدران (10 أعوام) أمام خيمته، وبيده جالون مياه فارغ، مترقباً وصول سيارة تعبئة المياه التي تزور المخيم ثلاث مرات أسبوعياً.

يقول بدران: "كانت أول لحظة أدرك فيها أنّ الحرب قد بدأت حين كنت ألعب بسيارتي الصغيرة، وفجأة سمعت صوتاً قوياً للغاية، فاستولى عليّ خوف شديد، لكن عندما رأيت أخي الصغير يبكي، شعرت أنّ عليّ أن أحتضنه وأهدئه بدلاً من أن أركض." 

ويتذكر كيف فقد البيت خلال دقائق، وكيف انتقلت الأسرة إلى المدرسة التي أعدت كمأوى، ويتابع بصوت خافت: "كل شي ضاع بسرعة، حتى لعبي."  

ويضيف: "قبل الحرب كنت أذهب إلى المدرسة، ثم أخرج للعب كرة القدم، أمّا اليوم فأبدأ يومي قبل شروق الشمس بالعمل في بيع السكاكر والحلويات، ثم أسارع للحاق بالدور للحصول على المياه، إذ إنّ التأخر قد يحرمنا من الحصول على الماء، بعد ذلك أساعد والدتي في جمع الحطب للطبخ، وأعود لأتفقد ما ينقص خيمتنا." 

ويصمت قليلاً ثم يتابع: "والدي غير قادر على الحركة جيداً بسبب إصابته خلال الحرب، وعليّ أن أساعده، أنا الأكبر في البيت من الذكور، مبيناً: "في إحدى المرات عدت من دون خبز، فشعرت كأنّ الدنيا بأسرها قد انهارت فوقي." 

ويؤكد بدران: "أشعر بالخوف دوماً بسبب القصف والحرب، حتى عندما أنام، أخاف أن أستيقظ ولا أجد أحداً، لكنني لا أستطيع إظهار ذلك، وعليّ أن أكون قوياً من أجل أخوتي الصغار." 

وعند سؤاله عن حلمه قبل الحرب، تعود إلى وجهه ابتسامته الطفولية، فيقول: "كنت أحلم بأن أصبح لاعب كرة قدم، وأن أحقق الكثير من الميداليات، لكن الآن لا أريد سوى أن تقف الحرب." 

آثار نفسية خطيرة

ترى الإخصائية النفسية في مركز العودة الصحي أماني محمود أنّ "الأطفال الذين يُجبرون على تحمل مسؤوليات تفوق أعمارهم يتعرضون إلى آثار نفسية خطيرة، كالخوف الدائم، والقلق، واضطرابات النوم، والتبول اللاإرادي، ونوبات الهلع، والاكتئاب، واضطراب ما بعد الصدمة، وصعوبات في بناء العلاقات، وفقدان الإحساس بالأمان والاستقرار.

وتضيف: "تحمّل الطفل لدور المنقذ داخل الأسرة قد يتسبب باضطرابات نفسية مستقبلية، لأنّ الطفل يحمّل نفسه مسؤوليات لا تتناسب مع عمره، وقد يشعر لاحقاً بالذنب أو الفشل إذا عجز عن حماية أسرته." 

وتوضح: "يؤثر فقدان أحد الوالدين أو الإحساس الدائم بالخطر على شعور الطفل بالأمان، ويضعف الإحساس بالاستقرار، وقد يخلق خوفاً دائماً من الفقد والتخلي." 

وتتابع: "الأسرة تستطيع أن تكون ملاذ الطفل النفسي حتى في ظل الظروف الصعبة، من خلال الحب، والاستماع، وممارسة الأنشطة التي تعيد له إحساسه بالسيطرة والأمان." 

وتؤكد محمود أنّ على المنظمات الإنسانية أن تولي اهتماماً أكبر بتقديم دعم نفسي فعال للأطفال في ظل الحصار والحرب من خلال تبنّي استراتيجيات متكاملة تراعي واقع الصدمة والقيود المادية، عبر توفير مساحات آمنة للأطفال تمكنهم من اللعب والتعبير عن مشاعرهم بحرّية، ودمج البرامج النفسية مع المساعدات المادية والتعليمية والصحية، واستخدام أساليب تواصل حساسة ومرنة، كاستخدام القصص والرسم والأنشطة الإبداعية كوسائل للتعبير عن المشاعر والتخفيف من التوتر النفسي.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية