الإخوان والاحتجاجات في تونس: هل انتهى الرهان على الشارع؟

الإخوان والاحتجاجات في تونس: هل انتهى الرهان على الشارع؟

الإخوان والاحتجاجات في تونس: هل انتهى الرهان على الشارع؟


16/12/2025

عرفت تونس منذ سنوات حالة من التوتر السياسي والاجتماعي المستمر، غذّتها أزمات اقتصادية خانقة، وتراجع القدرة الشرائية، وارتفاع معدلات البطالة بين الشباب، وانسداد الأفق أمام فئات واسعة من المجتمع. هذا المناخ العام خلق بيئة خصبة للاحتجاجات، وأصبح الشارع التونسي مساحة للتعبير عن الغضب، وأحيانًا لتصفية الحسابات السياسية بين السلطة ومعارضيها، كلٌّ وفق قراءته الخاصة للأزمة، وهو ما يجعل تحليل هذه الاحتجاجات ضرورة لفهم الديناميكيات السياسية والاجتماعية في البلاد.

ولم تعد الاحتجاجات حدثًا استثنائيًا، بل جزءًا من المشهد السياسي اليومي، تشارك فيها أطراف متعددة من نقابيين وحقوقيين، إلى قوى سياسية متباينة المرجعيات والأهداف. 

ورغم أن التعدد في الفاعلين يعكس تنوع مطالب الشعب بين الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، لكنه في الوقت نفسه يشكل فرصة لبعض التنظيمات لاستغلال هذه المطالب لخدمة مصالحها الخاصة، وهو ما شهدناه في التجربة الأخيرة مع حركة الإخوان في تونس.

فقد برز مجددًا تنظيم الإخوان، ممثلًا في حركة النهضة، في محاولة أخيرة للعودة إلى الواجهة عبر بوابة الشارع، بعد أن فقد شرعيته السياسية والقضائية وأُقصي عن المشهد تدريجيًا، حيث شكلت الوقفة الاحتجاجية الأخيرة، التي رفعت فيها شعارات عامة حول الحريات والحقوق، فرصة للإخوان لمحاولة إعادة تسويق أنفسهم كجزء من المعارضة “الوطنية”، رغم تاريخهم المليء بالإخفاقات والمسؤوليات الثقيلة التي ما زالت عالقة في وعي التونسيين.

 

الاحتجاجات مساحة مفتوحة… والإخوان يدخلون من الهامش

 

هذا ولم تنطلق التحركات الاحتجاجية الأخيرة بقرار حزبي محدد، بل جاءت تعبيرًا عن حالة سخط متراكمة داخل المجتمع التونسي نتيجة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة. 

هذا الطابع العفوي والواسع جعل الاحتجاجات جذابة لتنظيم الإخوان، الذي يعي أن عودته عبر القنوات السياسية التقليدية شبه مستحيلة، في ظل الملاحقات القضائية وتراجع شعبيته.

دخول الإخوان إلى خط الاحتجاجات لم يكن بريئًا أو عفويًا، بل حمل شعارات موجهة ومحاولات واضحة لربط المطالب العامة بملفات تخص التنظيم مباشرة، وعلى رأسها المطالبة بالإفراج عن قياداته، خاصة راشد الغنوشي، الذي يواجه ملفات قانونية وسياسية.

هذا الربط بين مطالب المجتمع وملفات التنظيم كشف استراتيجية واضحة لتحويل احتجاجات اجتماعية إلى أداة ضغط سياسي.

ما يثير الانتباه هو تكرار الإخوان لهذا السلوك، الذي سبق أن اعتمدوه في أعوام مختلفة، خصوصًا خلال العشرية التي حكموا فيها البلاد بعد الثورة. لكن السياق اليوم مختلف؛ فالشعب التونسي أصبح أكثر وعيًا ورفضًا للتدخل الإخواني في أي احتجاجات، ما يضع التنظيم في موقع صعب ويقلل من تأثيره على مسار هذه التحركات.

علاوة على ذلك، فإن تدخل الإخوان في الاحتجاجات يعكس ضعفهم السياسي المستمر، إذ يعتمدون على الحدث العفوي لاستعادة جزء من تأثيرهم بدل بناء قواعد شعبية حقيقية. وهذا ما يجعلهم عرضة للرفض المباشر من القوى المدنية الأخرى التي تسعى للحفاظ على استقلالية الحراك.

 

ذاكرة العشرية السوداء… العائق الأكبر أمام عودة الإخوان

 

أحد أهم العوامل التي تحد من قدرة الإخوان على التمدد هو الذاكرة الجماعية للتونسيين. العشرية التي قادوا فيها الحكم ارتبطت بالفشل الاقتصادي، تفشي المحسوبية، وغياب القدرة على إدارة الملفات الأمنية والاجتماعية بشكل حقيقي. هذه التجربة التاريخية شكلت جدارًا أمام أي محاولات لاستعادة الثقة الشعبية.

مع كل أزمة جديدة، تتعزز هذه الذاكرة، حيث يتجه جزء واسع من الرأي العام إلى تحميل الإخوان مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع، سواء على مستوى الاقتصاد أو الأمن أو مستوى الخدمات الأساسية.

كما أن محاولات التنظيم تقديم نفسه كضحية أو كبديل نظيف تصطدم بجدار من الرفض الشعبي، ويصبح من الصعب عليهم فرض أنفسهم كطرف مشروع داخل أي حراك شعبي.

بالإضافة إلى ذلك، أصبح المحتجون أنفسهم أكثر حذرًا من أي حضور إخواني، إدراكًا منهم أن التنظيم يسعى لإعادة إنتاج نفسه على حساب مطالبهم الحقيقية. هذا الوعي حدّ من قدرة الإخوان على فرض خطابهم، وأبقَهم في موقع المراقب أكثر من كونه الفاعل الرئيس.

الأزمة التاريخية للإخوان جعلتهم يعتمدون على خطاب المظلومية، لكن هذا الخطاب لم يعد يجد صدى كما كان قبل عشر سنوات. فالشارع التونسي اليوم يميز بين المطالب الحقيقية ومحاولات التنظيم إعادة تقديم نفسه على أنه البديل الشرعي.

 

سعيّد وخطاب القطيعة مع الإسلام السياسي

 

ومنذ وصوله إلى السلطة، اعتمد الرئيس قيس سعيّد خطابًا تصادميًا مع حركة النهضة، معتبرًا إياها جزءًا من منظومة أفسدت الدولة واستغلت الديمقراطية للوصول إلى السلطة دون امتلاك مشروع وطني حقيقي.

ولم يقتصر هذا الخطاب على التصريحات، بل شمل مسارًا قانونيًا وأمنيًا متكاملًا، تضمن محاكمات واعتقالات وتحقيقات طالت قيادات الصف الأول في التنظيم.

سعيّد يعتمد على “ورقة الخطر الإخواني” لكسب شرعية لدى قطاعات واسعة من التونسيين، خاصة أولئك الذين يرفضون العودة إلى تجربة حكم الحركة بين 2011 و2021. هذا الموقف يضع الإخوان في مأزق مزدوج: سلطة معادية بشراسة، وشارع لا يثق بهم، وهو ما يجعل أي محاولة للعودة إلى المشهد السياسي التقليدي شبه مستحيلة.

وتظهر تجربة السنوات الماضية أن سعيّد نجح في تقويض قدرة الإخوان على المناورة، كما أن أجهزته الأمنية تبقي الرقابة على تحركاتهم دقيقة، ما يقلل من أي قدرة للتنظيم على خلق أحداث ميدانية ناجحة. ويضيف هذا الواقع ضغطًا على الإخوان للبحث عن استراتيجيات بديلة، غالبًا عبر الخارج أو الإعلام.

هذا الخطاب الرسمي لا يمنع الإخوان من محاولة الاستفادة من الاحتجاجات، لكنه يجعل هذه المحاولات محدودة التأثير، ويؤكد أن السلطة اليوم تعرف طرق تحجيمهم بشكل فعّال، سواء عبر القانون أو عبر تحشيد الرأي العام ضد أي محاولة لاستغلال الاحتجاجات.

 

هل الاحتجاجات ضد سعيّد فرصة للإخوان؟

 

ورغم اتساع رقعة الاحتجاجات، إلا أن ذلك لا يعني أنها تصب تلقائيًا في مصلحة الإخوان. المعارضون اليوم أكثر تنوعًا، ويضمون أطرافًا يسارية، قومية، ومدنية، لا يرون في الإسلام السياسي شريكًا موثوقًا. التعددية في المعارضة تجعل من الصعب على الإخوان احتكار خطاب الاحتجاج أو توجيهه، وغالبًا ما تقابل محاولاتهم للظهور بردود فعل رافضة من القوى المدنية.

كما أن تجربة الاحتجاجات السابقة بعد 2011 تظهر أن محاولة ركوب الموجة الشعبية لا تكفي لإعادة إنتاج النفوذ السياسي، خصوصًا إذا كانت هذه الموجة ترفض الإخوان تاريخيًا. بهذا المعنى، التنظيم يحاول الاستثمار في مناخ الاحتجاج، لا قيادته.

ويؤكد العديد من المحللين السياسيين أن الإخوان باتوا يعتمدون على المناورات الإعلامية أكثر من الحضور الشعبي المباشر. فهم يركزون على وسائل التواصل وشبكات الدعم الخارجي لمحاولة التأثير على الرأي العام، بدل بناء قاعدة حقيقية في الشارع التونسي.

هذه الاستراتيجية، رغم محاولاتها، لم تعد تحقق نتائج ملموسة، ما يظهر محدودية قدرة الإخوان على إعادة إنتاج نفوذهم السياسي في ظل وعي الشعب التونسي المتزايد بالماضي السياسي للتنظيم.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية