
في مستشفيات تئن تحت ثقل الحرب ونقص الإمكانات، تتراكم قضايا الجرحى والمرضى في قطاع غزة بانتظار نافذة سفر تنقذ ما تبقى من أجسادهم، هنا لا تنتهي قصة المريض عند باب غرفة العمليات، بل تبدأ رحلة جديدة من الانتظار الطويل، والصراع مع الوقت، والبحث عن فرصة حياة خارج الحدود.
وقد أفادت منظمة الصحة العالمية بأنّ نحو (16) ألفاً و(500) مريض من قطاع غزة ينتظرون إجلاءهم لتلقي العلاج في الخارج، وجميعهم من الحالات المرضية المزمنة أو الخطرة، وكذلك الجرحى الذين أصيبوا خلال العدوان الإسرائيلي، والذين تستدعي إصاباتهم تدخلات دقيقة غير متوفرة أو ممكنة داخل مستشفيات القطاع، وتدعو المنظمة الأممية إلى إعادة فتح كلّ المعابر مع القطاع بصورة عاجلة ومستدامة.
وأوضحت المنظمة، أخيراً، أنّ "معبر رفح الواقع في أقصى جنوب القطاع يُعَدّ منفذاً حيوياً للإجلاء الطبي، ومدخلاً رئيسياً للإمدادات الصحية إلى غزة"، وذلك رداً على تعمد الاحتلال الإسرائيلي إغلاق المعبر خلال حربه الأخيرة على القطاع لتشديد حصار الفلسطينيين، مع منع إدخال الإمدادات الأساسية إليهم، ولا سيّما تلك المنقذة للحياة.
وتُقدّر وزارة الصحة في قطاع غزة أنّ ما يزيد عن 47% من أصناف الأدوية الأساسية و65% من المستهلكات الطبية رصيدها صفر، وهو ما يجعل علاج الكثير من الأمراض شبه مستحيل. في المقابل فإنّ آلاف المرضى الذين ينتظرون السفر للعلاج خارج القطاع يجدون أنفسهم محاصرين بآليّة معقدة تتحكم فيها إسرائيل مباشرة.
وتضررت المنظومة الصحية في قطاع غزة على مدار أشهر الحرب، وخرجت أكثر من 60% من المستشفيات والمراكز الطبية عن الخدمة، واستشهد مئات الأطباء والممرضين، وأُصيب مئات آخرون أو اعتُقلوا، ووصل المخزون الدوائي إلى أدنى مستوياته منذ فرض الحصار.
وفي ظل هذه الكارثة الصحية لم يعد بإمكان مستشفيات القطاع تقديم الخدمات الصحية سوى بالحد الأدنى، ممّا جعل آلاف المرضى، خصوصاً مرضى السرطان والأمراض المزمنة، والمصابين بإصابات بالغة، ينتظرون قرار السفر للعلاج.
معاناة تتجاوز الألم الجسدي
في أحد الأروقة الضيقة داخل مستشفى الشفاء بمدينة غزة يصطف المرضى على أسرة متقاربة لا تكاد تكفي لالتقاط الأنفاس، بين جريح يبحث عن عملية جراحية غير متوفرة، ومريض ينتظر دواء مفقوداً، ترتفع حكايات الألم فوق قدرة المدينة المنهكة على التحمل.
بين هؤلاء يقف المريض ناصر الهسي (41 عاماً)، أحد المرضى الذين طالتهم تداعيات الحصار والحرب، وما يزال ينتظر فرصة للخروج إلى العلاج قبل أن تتحول حالته الصحية إلى تهديد دائم لحياته.
ويجلس الهسي على كرسي بلاستيكي قرب نافذة صغيرة، يحمل في يده زجاجة ماء ينظر إليها بقلق شديد، فهو من المرضى المصابين بتدهور حاد في الكلى، ويقول: "الكلى عندي تضررت بعد إصابتي قبل عامين في قصف استهدف الحي، وكنت أتابع العلاج بانتظام، لكن بعد الحرب الأخيرة لم يعد الغسيل متوفراً ثلاث مرات أسبوعياً، وبالكاد أحصل على جلسة واحدة."
يبتسم بمرارة وهو يرفع أكمام قميصه ليكشف عن آثار الحقن: "هذا جسدي صار مثل خريطة حرب، والآن الأطباء يقولون إنّ الحل الوحيد هو السفر وزراعة كلى، أو على الأقل تلقي علاج متقدم في الخارج."
ويوضح الهسي: "قدّمت 6 طلبات لتحويلة علاج، كل مرة يقولون لي الأسماء لم تخرج بعد، حتى أصبحت أشعر بأنّ حياتي مرتبطة بقائمة طويلة لا أعرف أين وصلت."
ويتابع: "أشعر بأنّ الوقت يسبقني، وأخشى أن تغلق الحدود قبل أن أحصل على فرصة للعلاج."
ويصف أكثر اللحظات قسوة: "في بعض الأيام لا تتوفر أجهزة غسيل كافية، فيخبرونني بأنّ عليّ الانتظار إلى الغد، لكنّ الغد بالنسبة إلى مريض كلى قد يكون متأخراً جداً."
ويؤكّد الهسي: "أنا لا أطلب المستحيل، أريد فقط أن أحصل على حق بسيط في العلاج، مثل أيّ إنسان في هذا العالم."
مدينة بلا أقدام وبلا أطباء أيضاً
في أحد الممرات المزدحمة بمستشفى ناصر في خان يونس ـ جنوب القطاع، يجلس الشاب محمد القاضي (25 عاماً) على كرسي متحرك مهترئ، وقد فقد ساقه اليسرى في قصفٍ استهدف منزله، يقول بصوت منخفض: "الطبيب أخبرني بأنني بحاجة عاجلة إلى تركيب طرف صناعي وعلاج أعصاب لا يتوفر هنا، ومنذ ستة أشهر وأنا أنتظر الموافقة على السفر، وكل يوم يمرّ أشعر بأنني أفقد جزءاً آخر من حياتي."
ويضيف القاضي: "أخشى أن يأتي يوم لا أستطيع فيه حتى الجلوس، فالألم لا يتوقف، والمريض هنا يعيش بين الألم والخوف."
ويتابع: "قدّمت ملف السفر منذ أربعة أشهر، وكل يوم يقولون لي: انتظر، لكنّ المرض لا ينتظر، والألم لا ينتظر أيضاً."
ويوضح القاضي: "الوجع ليس فقط وجع الإصابة، فوجع الانتظار بات أصعب بكثير، فأنا لا أبحث عن رفاهية، فقط عن علاج يحفظ حياتي."
ويؤكد: "في غزة المريض يقاتل ثلاث مرات: يقاتل المرض، ويقاتل نقص الأدوات، ويقاتل الانتظار."
ورغم حاجة القاضي الماسّة، فإنّ اسمه ما يزال على قوائم الانتظار الطويلة، في ظل قيود السفر وإغلاق المعابر أمام الحالات الإنسانية معظم الوقت.
بين الحصار والانتظار حياة مُعلقة
في قسم الأورام بمستشفى الشفاء بمدينة غزة يجلس تيسير الشرفا (55 عاماً) على كرسي بلاستيكي يتلقى جرعة علاج بديل غير مكتمل، ويقول بصوت هادئ: "العلاج الذي آخذه هنا مؤقت، والمشكلة أنّ الدواء الأصلي مقطوع، والطبيب أبلغني بضرورة استكمال العلاج خارج غزة."
ويضيف الشرفا: "لا أستطيع النوم ليلاً، أشعر كأنّ هناك حجراً فوق صدري، وأنا بحاجة لجراحة دقيقة غير متوفرة في غزة."
ويتابع: "أخبرني الأطباء بأنّ وضعي الصحي قد ينهار في أيّ لحظة، ولديّ نوبات اختناق متكررة، وكل ما أطلبه أنّ أتنفس دون خوف."
ويوضح: "كلّ يوم يمر تقلّ فرصة السفر، وأخاف أن يسبقني المرض قبل الورق، فالمرضى هنا يموتون بسبب إغلاق المعبر، وهذا أكثر ما يؤلمني."
ويتساءل الشرفا: "كم من الوقت يجب أن ينتظر المريض بغزة لكي يعالج؟ فقط لأنّه ولد في المكان الخطأ، فعليه أن يدفع ثمن هذه المعاناة."
عقاب جماعي
يرى أستاذ القانون الدولي بجامعة القدس الدكتور معتز رباح أنّ "إغلاق المعابر وتأخير وحرمان المرضى من العلاج بغزة، يؤدي إلى مضاعفات خطيرة أو الوفاة، وهذا يجعل الأمر أقرب إلى العقاب الجماعي، كونه يمسّ فئة واسعة من المدنيين دون سبب فردي أو أمني محدد."
ويضيف رباح: "وفق المعايير الحقوقية يمكن اعتبار الوضع الحالي شكلاً من أشكال الحرمان الممنهج من الرعاية الصحية، نظراً إلى حجم الحالات، وطول فترة المنع، وتأثير ذلك على حياة المرضى."
ويوضح: "تعطيل سفر المرضى، خصوصاً في السياقات الإنسانية الحرجة، يمكن اعتباره انتهاكاً واضحاً للقانون الدولي الإنساني، ويُعدّ حرماناً من المساعدة الطبية اللازمة، ويُصنّف كمعاملة لا إنسانية."
ويتابع: "يقع على عاتق دولة الاحتلال، باعتبارها القوة المحتلة للأراضي الفلسطينية، مسؤولية قانونية مباشرة لضمان عدم إعاقة حصول السكان المدنيين على العلاج، سواء داخل المنطقة أو عبر السماح بخروج الحالات التي تتطلب علاجاً خارجياً."
ويطالب رباح المجتمع الدولي بالقيام بدوره في ضمان إجبار إسرائيل على احترام القانون الإنساني، وفي حال استمرار تعطيل العلاج، يتوجب اللجوء إلى محكمة الجنايات الدولية لتوثيق الانتهاكات وخلق ضغط سياسي وقانوني مستمر للسماح بخروج المرضى للعلاج في الخارج دون معيقات."

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B2%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%85%D8%A9_2.jpg.webp?itok=7T9tpnrN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862.png.webp?itok=F8cw3w5L)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_4.jpg.webp?itok=rN_Ib14P)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8_28.jpg.webp?itok=aMR9hvSn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_5.jpg.webp?itok=CIbgJEiC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D9%83%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86_36_1.jpg.webp?itok=vJ86eP42)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%A7%D9%83%D9%85%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=uYAh2XlL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_3.jpg.webp?itok=9EkLU3jn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_7.jpeg.webp?itok=9QV_qQWx)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%A7%D8%B5%D9%85%D8%AA%D8%A7%D9%86.jpg.webp?itok=Kmx-TQ6p)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D8%B7%D8%A7%D8%A8_18.jpg.webp?itok=meZYLOc6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%AF%D8%B3_8_0_1.jpg.webp?itok=JSyyab-4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_4.jpg.webp?itok=91IxGwMX)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%84%D9%86%D8%AF%D8%A7_0_0_0_4.jpg.webp?itok=wU2pyQNF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%85%D9%84%D8%A7%D8%AA.jpg.webp?itok=EF8Ij8Lu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86_187.jpg.webp?itok=QAnixC-j)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%88%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4.jpg.webp?itok=LEerTUOi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_20.png.webp?itok=1CULT9B4)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B2%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%A9.jpg.webp?itok=eJL206Uj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%B9%D8%A7%D8%A9_1.jpg.webp?itok=NeaibOcK)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%84%D9%81%D9%8A%D8%A9_7.jpg.webp?itok=vVaw-Zhl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%84%D9%86%D8%AF%D8%A71.jpg.webp?itok=uIWaxHOJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8_40_0_1.jpg.webp?itok=lu1dAWax)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_1_3.jpg.webp?itok=zyIAiQBd)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_2.jpg.webp?itok=eXdsNA4Z)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)
