تطورات المواجهة في حضرموت وصراع النفوذ بين المجلس الانتقالي وحلف القبائل

تطورات المواجهة في حضرموت وصراع النفوذ بين المجلس الانتقالي وحلف القبائل

تطورات المواجهة في حضرموت وصراع النفوذ بين المجلس الانتقالي وحلف القبائل


08/12/2025

تشهد محافظة حضرموت، كبرى محافظات اليمن مساحةً وواحدة من أهم مناطق الإنتاج النفطي، تحولات سياسية وميدانية متسارعة خلال الأيام الأخيرة، بعد أن تمكنت القوات التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي من تحقيق تقدم واسع في مناطق وادي حضرموت. هذا التقدم لم يقتصر على التحركات العسكرية فحسب، بل أطلق مسارًا جديدًا من إعادة توزيع النفوذ بين القوى المحلية والإقليمية داخل محافظة لطالما اعتُبرت مركزًا حيويًا للسلطة الشرعية اليمنية المدعومة من التحالف بقيادة السعودية.

التحركات التي نفّذتها قوات الانتقالي جاءت بعد أشهر من التوتر المتصاعد مع حلف قبائل حضرموت الذي أعلن، بدوره، السعي لحكم ذاتي في المحافظة، قبل أن يصعّد خطواته في الأيام الماضية بالسيطرة على منشآت نفطية تتبع شركة بترومسيلة، وهو ما تجاوز الخطوط الحمراء بالنسبة إلى الانتقالي وفتح الباب أمام المواجهة المباشرة.

تقدّم عسكري غير مسبوق في سيئون

بدأت المرحلة الأكثر حساسية في الصراع مع دخول قوات المجلس الانتقالي إلى مدينة سيئون، كبرى مدن وادي حضرموت ومركز ثقله الإداري. السيطرة على المدينة مثلت نقطة تحول مهمة لأنّها تضرب عمليًا بنية النفوذ الذي احتفظت به القوات التابعة للمنطقة العسكرية الأولى، وهي قوات لطالما تحدث الانتقالي عن أنّها خاضعة لسيطرة حزب التجمع اليمني للإصلاح، رغم تبعيتها الرسمية لوزارة الدفاع في الحكومة الشرعية.

وبدخول قوات الانتقالي إلى سيئون، توسّعت العملية لتشمل السيطرة على منشآت حيوية في المدينة، مثل القصر الرئاسي والمطار الدولي، الأمر الذي نقل الصراع من مرحلة التهديدات والمناوشات إلى واقع ميداني جديد. وتُعدّ سيئون واحدة من أهم المدن اليمنية المتبقية تحت سيطرة القوات الحكومية، وتحمل رمزية سياسية باعتبارها مقراً للسلطة الشرعية في ظل وجود قيادات حكومية فيها خلال العامين الماضيين.

مصادر أمنية محلية أكدت أنّ القوات الجنوبية بقيادة الانتقالي لم تواجه مقاومة كبيرة خلال دخولها المدينة، وهو ما سهّل توغلها في المراكز الحيوية. وتشير هذه المصادر إلى أنّ انسحاب وحدات من المنطقة العسكرية الأولى جاء تدريجيًا ومتزامنًا مع توسع نفوذ الانتقالي، يرافقه فراغ أمني مكّن القوات الجنوبية من فرض سيطرة سريعة.

التطور الميداني السريع دفع المملكة العربية السعودية إلى التحرك بشكل مباشر، باعتبار حضرموت محافظة حدودية تمثل أهمية استراتيجية في حسابات الأمن الإقليمي. ووصل وفد أمني وعسكري سعودي إلى مدينة المكلا، عاصمة المحافظة، بهدف احتواء التوتر ومنع انزلاق الوضع إلى مواجهة طويلة يصعب التحكم في تداعياتها.

وبحسب مصادر محلية، عقد الوفد لقاءات مع المحافظ الجديد سالم الخنبشي للبحث في آلية إعادة الاستقرار، ووقف توسع الأعمال العسكرية، وضمان عدم تأثر المنشآت النفطية بالتحولات الجارية. التحرك السعودي يعكس قلقًا من أيّ تغيير مفاجئ في موازين القوة، خصوصًا في محافظة تعتمد عليها الرياض في عملياتها اللوجستية، فضلًا عن كونها إحدى المناطق التي ظلت تحت إشراف الحكومة الشرعية المدعومة إقليميًا منذ سنوات.

ويرى مراقبون أنّ دخول السعودية على خط الأزمة يأتي في إطار محاولة منع انقسام حضرموت، خصوصًا مع تصاعد مطالب حلف قبائل حضرموت بالحكم الذاتي، وهو مطلب يثير حساسية سياسية كبيرة بالنظر إلى طبيعة المحافظة وتركيبتها القبلية والإدارية.

تفاقم التوتر بين المجلس الانتقالي الجنوبي وحلف قبائل حضرموت لم يكن حدثًا مفاجئًا، إذ سبق للحلف أن لوّح بإجراءات تصعيدية في أكثر من مناسبة، متهمًا القوات المتمركزة في وادي حضرموت بأنّها تمثل أدوات لتنظيم الإخوان المسلمين داخل السلطة الشرعية. ومع إعلان الحلف سيطرته على حقول النفط ومنشآت بترومسيلة الحيوية، أصبح الحلف لاعبًا مباشرًا في الصراع، وليس مجرد طرف سياسي يطالب بإعادة هيكلة السلطة المحلية.

مطالب الحلف بالحكم الذاتي في حضرموت تُعدّ مصدر قلق في ظل تحركات الإخوان، ويتعامل الانتقالي مع صعود الحلف كمواجهة تهدد رؤيته لمستقبل الجنوب، خصوصًا أنّ الحلف أصبح ذراعًا للجماعة في اليمن.

المجلس الانتقالي ومحاولة فرض واقع جديد

الانتقالي حرص خلال الأيام الماضية على تحرير وادي حضرموت من قوات الإخوان المسلمين، في خطاب ينسجم مع مواقفه السياسية ضد حزب الإصلاح، الذي يحاول الاحتفاظ بنفوذه في الجنوب رغم خسارته معظم معاقله في الشمال منذ سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء في 2014.

القنوات التابعة للانتقالي، مثل قناة (عدن) المستقلة، نقلت المباركة الشعبية للعمليات في الوادي. وهو ما يعزز شرعية المجلس بين قواعده في الجنوب، ويظهر تقدمه في حضرموت كاستجابة لطلب محلي وليس مجرد توسع عسكري.

البُعد السياسي للصراع في حضرموت

يتجاوز الصراع في المحافظة كونه مواجهة بين قوات قبلية وقوات جنوبية، ليدخل في سياق صراع نفوذ أوسع بين مكوّنات اليمن المتعددة. فحضرموت تُعدّ هدفًا للإخوان بسبب ثرواتها وموقعها. ومن هنا يرى محللون أنّ المواجهة الحالية ترتبط بمحاولات إعادة رسم خريطة السيطرة في الجنوب مع اقتراب مرحلة سياسية جديدة قد تفرضها التسويات الإقليمية والدولية.

ويرى مراقبون أنّ ما يجري يمثل اختبارًا عمليًا لمدى قدرة المجلس الانتقالي على توسيع مشروعه السياسي خارج المحافظات التي يسيطر عليها فعليًا، والقائم على دفع خطر الإخوان، كما أنّ تحركات حلف قبائل حضرموت تكشف أنّ خطة الإخوان تعتمد على إظهار الجنوب ككتلة غير متجانسة سياسيًا.

الشرعية وحزب الإصلاح بين ضغطين

القوات الحكومية المتمركزة في وادي حضرموت، والمرتبطة بالمنطقة العسكرية الأولى، وجدت نفسها في مأزق بعد التقدم السريع لقوات الانتقالي. هذه القوات التي طالما اتُهمت بأنّها موالية لتوجهات حزب التجمع اليمني للإصلاح فقدت جزءًا كبيرًا من قدرتها على المناورة، خصوصًا بعد أن انسحبت من مواقع رئيسية في سيئون دون مقاومة واسعة.

وتشير القراءات السياسية إلى أنّ حزب الإصلاح يُعدّ الطرف الأكثر تضررًا من التحولات الأخيرة، إذ أنّ خسارته حضرموت تمثل امتدادًا لخسائره السابقة في الشمال، ممّا يحدّ من أوراقه السياسية في أيّ مفاوضات مستقبلية.

ما يجري في حضرموت لا يمكن اعتباره مجرد تنافس محلي بين قوى مسلحة، بل هو إعادة توزيع واسعة لموازين القوى في جنوب اليمن. دخول سيئون وتوسع القوات الجنوبية يمثلان بداية مرحلة جديدة تتجاوز حدود المحافظة نحو إعادة رسم المشهد السياسي اليمني. ومع تعدد اللاعبين المحليين والإقليميين، تبدو حضرموت اليوم ساحة مركزية في الصراع حول شكل اليمن القادم، سواء بقي موحدًا أو اتجه نحو تشكل كيانات مستقلة.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية