"الزرع السري للإخوان المسلمين" يثير أزمة سياسية وإعلامية في فرنسا

"الزرع السري للإخوان المسلمين" يثير أزمة سياسية وإعلامية في فرنسا

"الزرع السري للإخوان المسلمين" يثير أزمة سياسية وإعلامية في فرنسا


10/12/2025

أشعل غلاف مجلة شهرية لا يتجاوز توزيعها بضعة آلاف نسخة، أزمة سياسية وإعلامية في فرنسا. وحمل غلاف عدد نوفمبر من مجلة اسمها "شاشة الحجاب"(Écran de Veille)، التي تُعرّف نفسها بأنها "المجلة الشهرية لمقاومة التعصب"، عنوان  "الزرع السري للإخوان المسلمين في فرنسا".

داخل الصفحات، نشر استطلاع أجراه معهد "إيفوب" على عينة تمثيلية من المسلمين الفرنسيين، أثارت جدلا واسعا. وجاءت النتائج صادمة للبعض ومتوقعة للبعض الآخر، وفيها أن 57 بالمئة من المسلمين دون الخامسة والعشرين يفضلون الشريعة على القانون الجمهوري، و24 بالمئة يعلنون تعاطفهم مع جماعة الإخوان، و21 بالمئة يؤيدون تطبيق الشريعة كاملة. الأخطر أن الدراسة استخدمت لأول مرة أسئلة خادعة لكشف من يكذبون عمداً عندما يُسألون عن انتمائهم، فخرج التقدير السري بأكثر من 80 ألف "عضو تشغيلي" للتنظيم على الأراضي الفرنسية.

ويقول فرانسوا كراوس، مدير قسم الشؤون السياسية والراهنة في معهد استطلاعات الرأي "بعيدًا عن تأكيد روايات العلمانية السائدة بين المسلمين الفرنسيين، تكشف البيانات، على العكس من ذلك، عن تكثيف للممارسات الدينية، وتصلب في المواقف تجاه قضايا الاختلاط بين الجنسين، وتعاطف متزايد مع التيارات المتطرفة في الإسلام السياسي".

لم يمر يومان حتى تحولت المجلة التابعة لمؤسسة "غلوبال واتش أناليزس" ويديرها الصحفي الفرنسي-الجزائري أتمان تازغارت، إلى هدف سياسي وإعلامي.

وأعلن معهد إيفوب أنه سيرفع شكوى ضد عضوي البرلمان بول فانييه وباستيان لاشو من حزب "فرنسا الأبية". وأكد بول فانييه، إلى جانب العديد من أعضاء الحزب الآخرين، أن الاستطلاع مُزوّر ومُكلّف به من قِبل جهة أجنبية كجزء من عملية تأثير. وأضاف باستيان لاشو "إنهم يُجرون مقابلات عشوائية مع أي شخص، بعينة صغيرة للغاية، ثم يتظاهرون بأن كل هذا الهراء يصف المجتمع، بينما هم يُشوّهونه ببساطة لبناء رواية مُقلقة تُناسب أيديولوجية اليمين المتطرف".

وأعرب المدير العام لمعهد إيفوب فريدريك دابي على قناة "بي.أف.إم" التلفزيونية عن أسفه لهذه الاتهامات التي تُعرّض جزءًا من فريقه للخطر". ووفقًا للمدير العام لمعهد إيفوب، فإن "80% من الأسئلة المطروحة في هذا الاستطلاع هي أسئلة تاريخية" للمعهد. وقد طُرحت لأول مرة عام 1989 بناءً على طلب صحيفة لوموند. وأشار فريدريك دابي إلى أن "رئيس تحرير لوموند آنذاك، الذي وافق على الاستبيان، هو السيد إدوي بلينيل".

وأضاف فرانسوا كراوس، مدير القسم السياسي/الإخباري في إيفوب "استخدم معهد إيفوب العينة نفسها لنشر استطلاع رأي حول الإسلاموفوبيا بناءً على طلب المسجد الكبير في باريس". وتابع "حظي هذا العمل بتغطية واسعة من قبل صحيفة لو ميديا، المعروفة بقربها من حركة فرنسا الأبية، وصحيفة ليبيراسيون".

قبل إيفوب، أعلنت نورا بوسينيي وإيمانويل رازافي، وهما صحفيان مستقلان يعملان في مجلة "شاشة الحجاب"، عن تقديمهما شكوى ضد بول فانييه بتهمة تعريض حياة الآخرين للخطر.

يذكر أنه خلال جلسة استماع أمام الجمعية الوطنية في أكتوبر بشأن النفوذ الإسلامي في فرنسا، سلّط الصحفيان الضوء على الروابط بين أعضاء البرلمان، بعضهم من حزب "فرنسا الأبية"، والمنظمات الإسلامية.

وكتب صحفي فرنسي على إكس "صدر عدد نوفمبر من مجلة 'شاشة الحجاب' الشهرية العلمانية والجمهورية، كاشفًا عن الوجود السري لجماعة الإخوان المسلمين في فرنسا. أثار هذا ردود فعل عنيفة من حزب فرنسا الأبية (LFI) وميديا ​​بارت، اللتين تعملان بدورهما لصالح الإسلاميين الأكثر تطرفًا".

واهتمت وسال الاعلام الفرنسية على نطاق واسع بما نشرته المجلة. وتساءلت مجلة "شارلي إيبدو" الساخرة "من أين يأتي هذا الاندفاع العنيف لردود الفعل؟ يمكن، بالطبع، اعتبار ذلك رد فعل شاب مسلم غاضب، مُستهدف في فرنسا التي عانت من صدمة الهجمات الإسلامية. وهذه تحديدًا هي الحجة التي طرحها إمام المسجد الكبير في باريس".

ونقلت عن شمس الدين حافظ، إمام المسجد الكبير في باريس قوله"بصفتي إمامًا، أتحدث مع العديد من الشباب. يقولون لي إنهم يتعرضون للوصم باستمرار". ويضيف "بالتأكيد، هناك نسبة ضئيلة منهم يعتبرون أنفسهم إسلاميين حقًا.. أما بالنسبة للبقية، فأعتقد أنه لو استطعنا دمج هؤلاء الشباب، وإخبارهم بأنهم فرنسيون، وأن لهم نفس الحقوق والواجبات التي يتمتع بها الآخرون، لتراجعت نسبتهم".

كان تغطية موقع "ميديابارت" اليساري الشهير الأبرز. إذ سارع بنشر تحقيق طويل يشكك في المنهجية ويربط المجلة بحملة ضد الإخوان.

ونشر الموقع تقريرا، بعنوان "مسلمو فرنسا: ثغرات استطلاع صادم"، شكك في منهجية استطلاع "يفوب" الذي كشف عن تعاطف واسع مع الإخوان بين الشباب المسلمين، ووصفه بأنه "تحيزي" و"ممول خارجياً".

التقرير، الذي وقعه الصحفيان لوران تينيير وأنطوان ميلان، يصف الدراسة بأنها "مليئة بالتقريبات والتحيزات"، ويتهمها بأنها "أداة دعائية" لتشويه صورة المسلمين في فرنسا.

يبدأ التحقيق بوصف الضجة الإعلامية التي أحدثها الاستطلاع، حيث أعلن أليكسيس بريزيه، مدير تحرير "لو فيغارو"، في تدخله على قناة "يوروب 1" بصوت مرتجف عن "خطورة تطور مدمر"، بينما أكد الصحفي باتريك كوهين على إذاعة "فرنسا إنتر" أن "الأصولية غزت عقول ثلث المسلمين".

التحقيق أثار غضباً من اليمين الفرنسي، الذي اتهم "ميديابارت" بدعم غير مباشر للإسلام السياسي، خاصة أن الموقع لم ينشر تحقيقات مماثلة عن تمويل قطر للإخوان في أوروبا.

وسرعان ما سلط الضوء على "ميديابارت" وبدأت تساؤلات تتردد حول استقلالية الموقع. 

ويقول صحفيون فرنسيون أن "الاتهامات تتزايد، لكن الإجابة ليست واضحة تماماً، وتعكس تعقيدات السياسة الإقليمية والإعلامية".

في سياق آخر، يعتقد مراقبون أن الأرقام لم تأتِ في فراغ، بل تأتي في لحظة شديدة الحساسية، خاصة مع اقتراب الانتخابات البلدية لعام 2026 التي يُتوقع أن تشهد صعود قوائم إسلامية في عدة مدن كبرى، واستمرار تطبيق قانون مكافحة الانفصالية لعام 2021 الذي يستهدف نفوذ الإخوان تحديداً، وتوتر متصاعد بين اليسار الراديكالي والعلمانيين بعد حرب غزة.

ويقول هؤلاء المراقبين إن ما كشفته تلك الصفحات هو انقسام عميق لم يعد خفياً: "من جهة من يرون في الإخوان تهديداً وجودياً يتغلغل في قلب الجمهورية، ومن جهة "أخرى من يعتبرون أي نقد للإسلام السياسي شكلاً من أشكال العنصرية.

وفي فرنسا اليوم لم يعد السؤال هل الإخوان موجودون بهذه القوة فعلاً، بل صار السؤال: من يحق له أن يطرح هذا السؤال علناً دون أن يُتهم بالعمالة أو يضطر إلى العيش تحت حماية الشرطة.

العرب




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية