الإخوان في ألمانيا: نفوذ متعدد الأبعاد بين المجتمع والسياسة

الإخوان في ألمانيا: نفوذ متعدد الأبعاد بين المجتمع والسياسة

الإخوان في ألمانيا: نفوذ متعدد الأبعاد بين المجتمع والسياسة


19/11/2025

تشهد ألمانيا منذ عدة سنوات تصاعدًا في النقاش حول دور الجماعات الإسلامية في المجتمع، خصوصًا فيما يتعلق بالتأثير السياسي والاجتماعي. الجالية المسلمة هناك، والتي يقدر عددها بين 3.8 و4.5 ملايين نسمة، تمثل بيئة خصبة للعديد من التنظيمات التي تسعى لترسيخ حضورها في أوروبا.

وتتراوح أنشطة هذه الجماعات بين العمل الديني التقليدي، كالمساجد والمدارس، إلى شبكات الدعم الاجتماعي والمراكز الثقافية، التي توظفها أحيانًا كأدوات نفوذ سياسي. 

هذا التداخل بين الدين والسياسة يثير تساؤلات حول درجة استقلالية المجتمع الألماني عن أجندات خارجية، وعن كيفية مواجهة أي محاولات للتسلل السياسي تحت غطاء اجتماعي.

وبحسب دراسة المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، بعنوان «الإخوان المسلمون في ألمانيا: مواقعهم واستراتيجياتهم مع الأحزاب الأوروبية»، فإن جماعة الإخوان تبني شبكات منظمة على مستويات متعددة، تشمل العمل الديني والاجتماعي والسياسي، مع هدف واضح للوصول إلى صانعي القرار الألماني.

 

استراتيجيات النفوذ الاجتماعي والديني

 

حسب الدراسة، يعتمد الإخوان في ألمانيا على ما يُسمّى بـ«التمكين الاجتماعي» ضمن الجالية المسلمة، حيث ينشئون مدارس ومراكز تعليمية وأنشطة ثقافية لتشكيل قاعدة جماهيرية داعمة. 

هذه المراكز ليست مجرد فضاءات تعليمية، بل تُستخدم أيضًا لتقديم برامج اجتماعية تؤدي إلى بناء ولاء طويل الأمد تجاه الأيديولوجية الإخوانية.

وتشير الدراسة إلى أن غالبية المستفيدين من هذه المراكز هم شباب من أصول مهاجرة، يشكلون أكثر من 50% من المترددين على المؤسسات التابعة للجماعة. وهو ما يخلق شبكة قوية من الدعم الاجتماعي والسياسي المستقبلي، تسمح بتوسيع النفوذ التدريجي ضمن المجتمع الألماني.

هذه الشبكات الاجتماعية تعمل بالتوازي مع المساجد التي تدار من قبل أعضاء مقربين من التنظيم، حيث يتم دمج التوجيه الديني مع رسائل سياسية ضمن برامج التعليم الديني، بهدف غرس قيم محددة وإعداد جيل قادر على التفاعل مع السياسة الألمانية بشكل محسوب.

كما تبرز الدراسة أن الإخوان يستثمرون بشكل خاص في الأنشطة الشبابية والثقافية، مثل معسكرات صيفية وبرامج تعليمية تفاعلية، لتعزيز الهوية الجماعية وربطها بالأيديولوجية السياسية. 

وتساهم هذه البرامج، حسب الدراسة، في بناء قنوات تأثير طويلة المدى على الشباب المسلم، ما يجعل التحدي المجتمعي مستمرًا ومتناميًا.

 

النفوذ السياسي والتفاعل مع الأحزاب

 

حسب الدراسة، يسعى الإخوان إلى بناء علاقات مع الأحزاب السياسية الألمانية، خصوصًا تلك التي تعنى بالشؤون الاجتماعية والهجرة، لاستغلالها كقنوات ضغط أو للتأثير على السياسات المحلية. 

ويتم ذلك عبر مؤسسات مدنية رسمية وغير رسمية، تتعاون مع الأحزاب على برامج ثقافية واجتماعية، وهو ما يصفه الباحثون بأنه استراتيجية طويلة المدى.

توضح الدراسة أن الإخوان يعتمدون على النخبة المثقفة من الجالية، بما في ذلك أساتذة جامعات ومسؤولين محليين، للتمهيد لدخول الفضاء السياسي. هذا التوجه يتيح لهم تقديم صورة معتدلة أمام الرأي العام الألماني، في حين يُحافظون على أهدافهم السياسية البعيدة المدى داخل الدوائر المغلقة.

وفق الدراسة، هذا التفاعل السياسي لا يقتصر على العمل الدعوي، بل يمتد إلى محاولات التأثير على القرارات البرلمانية المحلية ووضع برامج تعليمية وسياسية ضمن المؤسسات الممولة من الشبكات التابعة للإخوان، وهو ما يثير قلق الأجهزة الأمنية الألمانية من امتداد نفوذ الجماعة تحت غطاء اجتماعي.

تضيف الدراسة أن الإخوان يستخدمون أساليب ناعمة للتأثير على صناع القرار، مثل المشاركة في المجالس الاستشارية للمدن أو دعم مبادرات تعليمية تمولها الدولة، ما يمنحهم مصداقية اجتماعية وسياسية، ويصعب كشف الأجندة الحقيقية وراء هذه النشاطات.

 

المخاطر والتحديات الأمنية

 

حسب الدراسة، يعد التوسع في الأنشطة الاجتماعية والسياسية تحديًا أمنيًا، حيث أن ضعف الرقابة على بعض الجمعيات والمراكز الدينية يسمح للجماعة بترسيخ نفوذها بعيدًا عن المراقبة العامة. هذا الأمر يجعل من الضروري وجود تنسيق بين المؤسسات الأمنية والسياسية لمتابعة التمويل والبرامج التدريبية.

كما تؤكد الدراسة أن التعامل مع الإخوان في أوروبا لا يمكن أن يكون على أنهم مجرد فاعلين دينيين، بل يجب فحص الأبعاد الاستخباراتية والسياسية أيضًا. هذا يشمل تحليل الشبكات المالية، وطرق التأثير على الرأي العام، وكذلك دراسة الروابط مع فروع التنظيم في دول أخرى.

 

كذلك تشير الدراسة إلى أن النجاح في مواجهة هذا النفوذ يتطلب سياسات متوازنة، تضمن حرية الدين والمعتقد، لكنها تمنع في الوقت نفسه أي استغلال سياسي غير شفاف للمؤسسات الدينية والاجتماعية، مع تشديد الرقابة على التمويل وتحليل أثر الشبكات الإخوانية على المجتمع الألماني.

كما توصي الدراسة بضرورة تعزيز التعاون الأوروبي لمتابعة تحركات الجماعة عبر الحدود، خصوصًا مع زيادة التمويل الخارجي وارتباط بعض الفروع بجهات في تركيا أو دول الخليج، ما يجعل التنسيق الأمني والاجتماعي أمرًا ضروريًا لضمان عدم تكرار نمط النفوذ على المستوى القاري.

وحسب الدراسة، يمثل نفوذ الإخوان في ألمانيا نموذجًا لما يمكن أن يحدث في أوروبا إذا لم يتم التعامل مع الجمعيات الإسلامية على أساس دقيق يجمع بين الحرية الدينية والرقابة الأمنية والسياسية.

 ويؤكد المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات أن التعامل مع هذه الظاهرة يتطلب وعيًا شاملًا بمخاطر التسلل السياسي والاجتماعي، مع استراتيجيات طويلة المدى لمتابعة التمويل والبرامج التعليمية والثقافية، لضمان أن يكون المجتمع الألماني قادرًا على مواجهة النفوذ غير الشفاف مع احترام الحرية الدينية

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية