
لم يكن انحسار سيطرة تنظيم «داعش» في سوريا والعراق خلال السنوات الماضية نهايةً لتهديده كما خُيّل للبعض، بل مجرّد بداية لمرحلة جديدة أكثر خفاءً ومرونة. فالتنظيم الذي خسر «دولته» المزعومة لم يفقد قدرته على التكيّف، بل أعاد إنتاج نفسه مستفيدًا من الهشاشة الأمنية والاضطراب السياسي الذي خلّفه سقوط الأنظمة وتبدّل موازين القوى في المنطقة.
وفي ظل عجز الحكومات المتعاقبة عن استعادة السيطرة الكاملة على الأطراف الصحراوية والحدودية، وجد التنظيم في تلك المساحات بيئة خصبة للعودة والتحرك بحرية نسبية.
وقد مثّل سقوط النظام السوري نهاية عام 2024 نقطة تحول كبرى في المشهد الميداني، إذ تراجع التنسيق الأمني وتداخلت الصراعات بين القوى المحلية والإقليمية، مما أتاح لبقايا التنظيمات الجهادية القديمة فرصة لإعادة التموضع.
وبينما انشغلت الأطراف الدولية بملفات إعادة الإعمار وترسيم النفوذ، ظلّ تنظيم داعش يرمم خلاياه في الظل، متبنّياً تكتيكات جديدة تقوم على المرونة واللامركزية. وهكذا تحوّل من «دولة خلافة» ذات حدود معلنة إلى شبكات متحركة تعمل تحت الأرض، تنتظر اللحظة المناسبة للظهور مجددًا.
تحت هذا الواقع، نشر المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات دراسة بعنوان «تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق ـ عودة التهديد في ظل هشاشة الوضع السياسي»، وتأتي الدراسة ضمن سلسلة تحليلية صادرة عن وحدة الدراسات بالمركز، لتعيد تسليط الضوء على مسار التهديد الجهادي بعد انهيار البنية السلطوية في سوريا، وتراجع التنسيق الأمني في العراق.
تشير الدراسة إلى أنّ التنظيم ما زال يمتلك ما بين 3500 و4000 مقاتل نشط في البلدين، فضلاً عن آلاف آخرين في معسكرات الاحتجاز ومخيمات اللاجئين مثل «الهول»، حيث يشكّلون خزاناً بشرياً محتملاً لعودة النشاط الإرهابي.
البيئة السياسية والأمنية في سوريا والعراق بعد سقوط النظام
ترى الدراسة أنّ البيئة السياسية في سوريا والعراق تمثّل أرضية خصبة لتجدد الخطر، إذ أن هشاشة الدولة بعد انهيار النظام السابق في دمشق أوجدت فراغاً سياسياً وأمنياً غير مسبوق. فالمناطق الشرقية والشمالية السورية تعاني من ضعف السلطة المركزية، وتضارب الولاءات بين القوى المحلية المدعومة خارجياً، ما يمنح داعش حرية حركة أكبر عبر خطوط الإمداد الصحراوية.
كما أن الصراعات بين الفصائل العسكرية وعدم استقرار المؤسسات جعلت ضبط الأمن تحدياً يومياً، يتيح للخلايا النائمة العمل في الظل دون رادع فعلي.
وفي العراق، رغم إعلان النصر على داعش سنة 2017، إلا أن التنظيم ما زال قادراً على شن هجمات خاطفة في محافظات ديالى وصلاح الدين والأنبار، وتعزو الدراسة ذلك إلى ضعف التنسيق بين الأجهزة الأمنية والانقسامات السياسية والطائفية التي تعرقل صياغة استراتيجية موحدة لمكافحة الإرهاب.
كما تُشير إلى أن استغلال داعش لمظالم محلية – سواء بسبب البطالة أو الفساد أو التهميش – سمح له بإعادة بناء شبكاته الاجتماعية التي اعتمد عليها سابقاً في تجنيد الأنصار.
الدراسة تؤكد أيضا أنّ الفوضى الإدارية والاقتصادية في البلدين تمثل خطراً موازياً للخطر الأمني، لأن استمرار انهيار الخدمات وفقدان الثقة في الدولة يسهّل للدعاية الجهادية استقطاب الأفراد.
فالتنظيم يجيد التسلل إلى المجتمعات التي تشعر بالخذلان، حيث يقدّم نفسه كبديل عدالة وانتقام من سلطة فاشلة. ومن هنا، لا يمكن مكافحة عودة داعش إلا عبر مقاربة شاملة تعيد بناء شرعية الدولة وهيبتها في المناطق الطرفية.
تطور قدرات التنظيم وتحول النمط التنظيمي
توضح الدراسة أنّ تنظيم داعش لم يعد يعتمد على السيطرة المكانية كما في مرحلة الخلافة بين عامي 2014 و2017، بل تبنّى نموذجاً لامركزياً يقوم على خلايا صغيرة متنقلة.
هذه الخلايا تنشط خصوصاً في البادية السورية والمناطق الجبلية غرب العراق، حيث تملك القدرة على الاختفاء والتحرك بسرعة دون أن تُكتشف، وقد جعل هذا التحول التنظيم أكثر مرونة، وأصعب في التتبع، إذ أصبحت عملياته تعتمد على الكمائن، والاغتيالات، والهجمات الليلية المحدودة.
كما رصدت الدراسة عودة التنظيم إلى تكتيك «الإنهاك الطويل» الذي يهدف إلى استنزاف قوات الأمن عبر ضربات متفرقة ومتزامنة، بما يمنعها من تثبيت السيطرة على أي منطقة.
ويُلاحظ أن التنظيم يتجنب المواجهة المباشرة ويُركّز على إرباك خطوط الإمداد واستهداف القادة المحليين والعناصر المتعاونة مع الحكومة.
هذا النمط من العمل يُذكّر بمرحلة ما قبل إعلان الخلافة عام 2014، حين كان التنظيم يعتمد على أسلوب حرب العصابات.
أما من حيث التمويل، فتُشير الدراسة إلى أن داعش نجح في إعادة بناء مصادر دخله عبر شبكة معقدة من الابتزاز وتهريب النفط والآثار، إضافة إلى استخدام العملات المشفّرة في نقل الأموال بعيداً عن الرقابة.
كما اعتمد على استثمارات محلية صغيرة في المناطق الريفية، مثل تجارة المواشي والمنتجات الزراعية، لتأمين تمويل مستدام غير مرئي. ويستفيد التنظيم من شبكات الدعم العائلية والمجتمعية التي لم تُفكّك بعد، رغم مرور سنوات على هزيمته الميدانية.
ويُبرز التقرير أن هذا التحول الاستراتيجي يجعل التنظيم أقرب إلى نموذج الشبكات الإرهابية اللامركزية التي يصعب القضاء عليها بالكامل. فبدلاً من إعادة بناء «خلافة» جديدة، يركز التنظيم على الحفاظ على بقاءه واستنزاف خصومه، تمهيداً لتجديد الخطاب وإعادة الانتشار عندما تسمح الظروف بذلك.
التحديات والمآلات المستقبلية
إلى ذلك، تحذر الدراسة من أن القضاء العسكري على داعش لا يعني انتهاء خطره، فالبنية الفكرية والاجتماعية التي غذّت التنظيم ما تزال قائمة.
فمخيمات الاحتجاز مثل «الهول» و«الروج» في شمال سوريا تضم آلاف النساء والأطفال المرتبطين بالتنظيم، كثير منهم ما زال يحمل أفكاره الأيديولوجية المتشددة. وتصف الدراسة هذه المخيمات بأنها «قنبلة مؤجلة» يمكن أن تُنتج جيلاً جديداً من المتطرفين إذا لم تُعالج بخطط تأهيل وإعادة دمج شاملة.
وتُشير الدراسة إلى أن التحدي الأكبر أمام سوريا والعراق اليوم هو غياب رؤية موحدة بين الفاعلين المحليين والدوليين حول كيفية التعامل مع هذا الملف. فالتنافس بين القوى الإقليمية، وتضارب المصالح بين الحكومات والفصائل، يعطل أي استراتيجية أمنية متكاملة. وبدون هذا التنسيق، ستظل الثغرات الحدودية قائمة، وستبقى خلايا التنظيم قادرة على التنقل بين البلدين بسهولة.
من جانب آخر، ترى الدراسة أن معالجة الفكر المتطرف يجب أن تكون أولوية موازية للجهد العسكري. فالهزيمة الفكرية هي الضمان الحقيقي لعدم عودة التنظيم. وتشدد على ضرورة إطلاق برامج لإعادة التأهيل، ودعم التعليم، وتمكين المجتمعات المحلية التي كانت سابقاً حاضنة للتنظيم، حتى لا تعود إلى احتضانه من جديد. كما دعت إلى مراقبة التمويلات الأجنبية والجمعيات الدينية التي يمكن أن تُستغل في إعادة بناء الخطاب الجهادي.
أما على المستوى الدولي، فتوصي الدراسة بضرورة تعزيز التعاون الاستخباراتي بين الدول المعنية، خاصة في مجال تتبع حركة الأموال والمقاتلين عبر الحدود. وتؤكد أن الحرب على الإرهاب يجب أن تتحول من مقاربة «رد الفعل» إلى سياسة «الاستباق والوقاية»، مع إشراك الأمم المتحدة في إعادة تأهيل المناطق المتضررة من الإرهاب وضمان عودة الاستقرار إليها.
ويخلص تقرير المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات إلى أن عودة داعش ليست احتمالاً بعيداً، بل واقعاً يتشكّل ببطء في ظل استمرار ضعف الدولة والانقسام السياسي في سوريا والعراق.
التنظيم لم يمت، بل غيّر جلده، مستفيداً من كل ثغرة تركها الصراع السياسي والفراغ الأمني. لذا، فإن المواجهة المقبلة لن تُحسم في ميادين القتال فقط، بل في ميدان بناء الدولة، واستعادة ثقة المجتمع، وتجفيف منابع الفكر المتطرف قبل أن يطلّ برأسه من جديد.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D9%8A%D9%86_1_1.jpg.webp?itok=GITWNTHB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/05erlanger-superJumbo_0_0.jpg.webp?itok=-Tza18-v)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1000009697_0.jpg.webp?itok=JAIdHlpn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A_0_0_0_0.jpg.webp?itok=uJwkIJTA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85_6_0_0_1_13_1_9.jpg.webp?itok=h5nc3PPx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_211_0.jpg.webp?itok=poBpQhm-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_15_1_1.jpg.webp?itok=aAmNhDza)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/00_72.jpg.webp?itok=Ke83_r_i)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862_13_0_5_0_0.jpg.webp?itok=JZzL4Iwa)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%AA_1_8.jpg.webp?itok=rmi9eOjM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_0_7_2.jpg.webp?itok=_dHBi_th)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/SNGZDFKJ2_9prgp7ql5B9129WyEmpUs-UKOADbixh_qXbiwowHq7ChMr4jRIS6ihFHxzpIG5kfBpOIdHtWgE9m_iB76kRJO-dkOJS_-G1Iqb3tVRXr2dpiBX0FqgsSuimkVnRsISBSGXXWdzCkaaX6BtrWdxUWEIJ8T5Te3-UXE7d85VNOKRdK7TVnjNv257.jpg.webp?itok=aZkbWm9D)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_26.jpg.webp?itok=FsHM-4Gc)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_5.png.webp?itok=h3R86nbr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B7%D8%A8_10_1_9.jpg.webp?itok=rD4NPNs8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/zHbVWfETFiJSZxbfHcBlWjcL9E61mEz1IkrAU5YATtBKQPF6Zh_HTjITn7JGMESGy_yk-BTRJUBrKnJCBLPmOiUUj1OHT9bCjvmNRauM-oyj3dxl-jdYEh8Qa9KS8wBHyBywBR2LPn56xv6dNBCxAhd90F8LeQAsl9u0PAPYpSnEgRpeSusFJ0WEyW_TQYS-.jpg.webp?itok=IcfUx6sJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_101_0_0_0.jpg.webp?itok=urBiYFyt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

