حين تتشابه الغايات وتختلف الشعارات: تفكيك الأفكار الأساسية للتطرف

حين تتشابه الغايات وتختلف الشعارات: تفكيك الأفكار الأساسية للتطرف

حين تتشابه الغايات وتختلف الشعارات: تفكيك الأفكار الأساسية للتطرف


04/11/2025

في عالم يشهد تحولات عميقة على الأصعدة السياسية والأمنية والثقافية، بات التطرف المؤدلج ظاهرة ليست محلية أو هامشية، بل جزءاً من بنية النزاع الدولي والفكري التي تتداخل فيها الدول، الحركات، والفرد. تتحول النزاعات القديمة والجديدة إلى ساحات للصراع بين رؤى متطرفة تعيد إنتاج ذاتها عبر الأطر الأيديولوجية والهويات القومية أو الدينية، بحيث يُنظر إليها كأزمات أمنية بامتياز.

إن الخطاب التقليدي الذي يفصل بين التطرف “الديني” و”القومي” أو “اليميني المتطرف” يُخفق في قراءة التشابكات البنيوية التي تستمد منها الحركات المتطرفة شرعيتها. فالدولة التي تستخدم منطقَ الصراع الكوني، والحركة التي تصوّر المجتمعات الخارجية كمصدر تهديد، وتنظيمٌ يُقدّس تشغيل العنف باسم أسس أخلاقية مَرْتَكِزة على ثنائيات الخير/الشر – كل ذلك يشير إلى نمط فكري مشترك. وهكذا، لا يمكن لمواجهة التطرف أن تكتفي بإجراءات أمنية أو قانونية، بل هي معركة ضد منطق فكري يحوّل الآخر إلى عدُوّ، والسياسة إلى مواجهة وجودية، والقضية إلى واجب مقدّس.

في السياق، نشر مركز تريندز للبحوث والاستشارات دراسة تتضمن نظرة تحليلية تسعى إلى تفكيك هذا النمط المشترك بين الحركات المتطرفة والدول التي تستخدم منطق التطرف. إذ تعرض الدراسة ثلاثة أُسُس فكرية – ثنائية “نحن/هم”، سردية التهديد الوجودي، وتقديس الأهداف السياسية – وتعتبرها محاور مشتركة بين أطياف التطرف المتنوعة.

الورقة تؤكد أن التطرف المعاصر لم يعد ظاهرة هامشية، بل أصبح بنيوياً، ويظهر في سياقات متعددة – من صعود اليمين الأوروبي، إلى سياسات الدولة التي تستخدم منطق العدو/التهديد، إلى تنظيمات مثل داعش. ورغم التنوّع الظاهري، تُفيد الدراسة بأنّ هناك بنية فكريّة مشتركة، يمكن اختصارها في ثلاث محاور رئيسية: أولاً “بناء عالم مانوي” (ثنائيات مطلقة بين الخير والشر)؛ ثانياً “صناعة سردية التهديد الوجودي” (خلق شعور بأن بقاء الجماعة أو الأمة مهدّد)؛ ثالثاً “تقديس الأهداف السياسية” (تحويل الهدف السياسي إلى واجب مطلق). 

ما وراء المحتوى الأيديولوجي

تُشدِّد الدراسة على ضرورة تجاوز التركيز على المحتوى التصنيفي للأيديولوجيات – إسلاموية، قومية، يمينية – والانتقال إلى تحليل بنيوي لمنطق التطرف. فعند تحليل الفكر المتطرف، لا تكمن المشكلة في ما يُعلَن فقط، بل فيما يُستثنى ويُقدّس وما يُعرّف به “الآخر”.

وتعتمد الورقة على مفاهيم مثل “لاهوت سياسي” ، ونظرية الهوية الاجتماعية ، ونظرية الأمننة  لفهم كيف أن الجماعة المتطرفة تحوّل الهوية والعدو إلى أطر مطلقة.

في هذه الرؤية، تتحوّل السياسة إلى عقيدة، والغاية إلى واجب، والأيديولوجيا إلى منطق لا يقبل الجدال. فالقوميّة أو الدينية حين تُقدّس، تُصبح أيّ تنازل عنها خيانة، ويصبح الآخر عدواً وجودياً. 

وهنا يرتبط الأمر بانتقاديّة الإسلام السياسي، إذ إنّ بعض حركات الإسلام السياسي، رغم تفاوتها، تستعمل منطقاً مقدّساً للسياسة، وتحوّل الانتخابات أو المشاركة إلى “واجب”، وتشيطن الخصم باعتباره “مندسّاً” أو “عميلًا”، وهذا ليس اختلافاً تجميلياً، بل اختلافٌ جوهريّ في المنطق.

وبالتالي، فإنّ مقاربات المواجهة القائمة على علل سلوكية أو أمنية فقط تُخفق، لأنّها لا تمسّ هذا “المنطق المشترك”. 

كما أن مواجهة التطرف لا تقتصر على قمع التنظيمات أو تجفيف التمويل، بل تتطلّب استعادة القدرة على التفكيك الفكري – نقد الخطاب الثنائي، كشف منطق التعبئة ضد “الآخر”، وفكّ التقديس الذي تحويه الأهداف السياسية، سواء في صورتها القومية أو الدينية.

الأنماط المشتركة للتطرف – تحليل مقارن

في هذا القسم، تطبّق الدراسة الإطار التحليلي على ثلاث حالات منوعة تكشف تشابك المنطق ذاته في سياقات مختلفة. الحالة الأولى تتناول حكومة نتنياهو في إسرائيل، حيث يُرى أنّ قانون “الدولة القومية للشعب اليهودي” يعكس منطقاً مانويّاً بامتياز، إذ يُعرّف “نحن” على أساس إثني-ديني حصري، ويُصوّر “هم” بأنهم تهديد ديموغرافي وأمني. 

الحالة الثانية تتناول صعود اليمين المتطرف في أوروبا، حيث يُروّج خطاب “الأمة الأصيلة” مقابل “الغزاة الأجانب”، ويُستخدم تصور “الاستبدال الكبير” (Great Replacement) كأداة لإنتاج تهديد وجودي. 

أما الحالة الثالثة فتتعلّق بتنظيم داعش، الذي يمثّل أقصى تجلٍّ لهذا المنطق: تقسيم صارخ للعالم إلى “دار الإسلام” و”دار الكفر”، وتحفيز على الجهاد باعتباره الردّ المقدّس على ما يُصوَّر كغزو عالمي ضد السنّة. 

من هذا التحليل المُقارن يظهر بوضوح أنّ المنطق نفسه – تقسيمنا/هم، تهديد وجودي، هدف مقدّس – يعبر عن الأيديولوجيا المتطرفة بغضّ النظر عن لونها أو مرجعيتها. ومن هنا تتجاوز الدراسة التحديد التقليدي بين التطرف الديني والقومي، لتقترح رؤية أكثر شمولاً في مواجهة هذا النمط الفكري.

 تفاعل أفكار التطرف مع بنية النظام الدولي

تنقلنا الورقة إلى بعد أوسع، حيث تُبيّن كيف أنّ هذه الأنماط الفكرية لا تنشأ في الفراغ، بل تتغذّى من خلخلة النظام الدولي والثغرات البنيوية فيه. 

أحد المحاور يركّز على مبدأ السيادة والدولة القومية: السيادة قد تُستخدم لتبرير سياسات تمييزية أو قمع داخلي، كما في إسرائيل، أو تُوظّفها الحركات اليمينية في أوروبا لرفض الاتفاقيات الدولية بشأن الهجرة وحقوق الإنسان. 

محور آخر يتناول حالة الفوضى والصراع على القوة، حيث يؤدي غياب سلطة عليا إلى بيئة تصعد فيها الهويات المتطرفة كبديل للنظم السياسية المتهاوية أو المتورطة. 

 كذلك، تُشير الدراسة إلى العولمة وردود الفعل الهوياتية، حيث تُنتِج العولمة ضغطاً على الهويات التقليدية، فيستجيب بعضها عبر سلطوية هووية متطرفة تُعادي الآخر باعتباره مصدر تذويب أو تهديد. 

وبناءً على ذلك، تؤكد الورقة أنّ أي استراتيجية لمواجهة التطرف لا يمكن أن تقتصر على تدخلات محلية أو أمنية فحسب، بل يجب أن تشمل معالجة العوامل البنيوية – انتقال السلطة، التدخّلات الأجنبية، تهميش الجماعات، الفراغات الأمنية – التي تهيئ المناخ الفكري الذي ينمو فيه التطرف.

هذا ويرى مراقبون أنّ المعركة ضد التطرف ليست معركة ضد هذه الحركة أو تلك فقط، بل هي معركة ضد نمط فكري يُحوّل التنوع إلى تهديد، والسياسة إلى حرب، والآخر إلى عدو مطلق. 

كما أن استيعاب المنطق المشترك – ثنائية “نحن / هم”، سردية التهديد الوجودي، وتقديس الأهداف السياسية – هو الخطوة الأولى نحو بناء مقاربات أكثر فعاليّة. وتُشير الدراسة إلى أنّ المواجهة يجب أن تدمج العمل الفكري (تثقيف، نقد، تشكّك)، السياسي (تنمية، دبلوماسية، مؤسسات)، والقانوني (محاسبة، سيادة القانون) لقطع الحلقة التي تغذي التطرف. وهنا تقع مهمة المتخصّصين والدول والمجتمعات في تحوّل استباقي، لا مجرد إدارة للأزمات.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية