براغماتية الحزب الديمقراطي الليبي تكشف مساحات التوافق والصراع داخل جماعة الإخوان

براغماتية الحزب الديمقراطي الليبي تكشف مساحات التوافق والصراع داخل جماعة الإخوان

براغماتية الحزب الديمقراطي الليبي تكشف مساحات التوافق والصراع داخل جماعة الإخوان


04/11/2025

قبل سنوات مضت كان تداول اسم محمد صوان في شرق ليبيا، وبالتحديد في بنغازي أو الرجمة، كافيًا لإثارة موجة من التوتر والريبة والغضب الشديد. فقد كان الرجل، بصفته الرئيس السابق لحزب العدالة والبناء المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين، يُعدّ من أبرز خصوم القوى الفاعلة في الشرق الليبي لا سيّما المشير خليفة حفتر وبقية الفاعلين هناك. حينئذ كانت سياقات العلاقة بين الطرفين مقطوعة تمامًا، بل كان الصدام الإعلامي والسياسي على أشده بين "قوى وأحزاب الإسلام السياسي" وبين "الفاعلين" في شرق ليبيا.

بيد أنّ المشهد تغيّر تدريجيًا، فمع خطوة تأسيس محمد صوان الحزب الديمقراطي، في محاولة وظيفية إجرائية لإعادة بلورة ماهيته السياسية بهوية أكثر "مدنية"، وابتعادًا عن الصيغة الإخوانية التقليدية، بدت مقاربات جديدة تلوح في الأفق بين الحزب وقادته وبين قوى الشرق الليبي، سواء مجلس النواب أو قادة الجيش حيث لقاءات مباشرة، وتصريحات أكثر هدوءًا، وإشارات متبادلة تسعى نحو خفض التوتر مع رجال الشرق الذين باتوا أكثر انفتاحًا على قنوات الحوار السياسي بعد سنوات من الصراع.

أنقرة وبنغازي: هل فتحت تركيا الباب أمام محمد صوان؟  

في سياق متصل بات من الواضح أنّ التقارب الملموس الذي جرى في العلاقات  بين تركيا والشرق الليبي، لا سيّما بعد ارتفاع منسوب الزيارات بين أنقرة وبنغازي، قد أسهم بشكل أو بآخر لمحمد صوان في الدخول على الخط وتوظيفه سياسيًا. 

إذ أنّه أدرك جيدًا أنّ ظروف الوضع الإقليمي لم تعد تطيق سياسة المواجهة المباشرة ولا منطق السيولة الميدانية، وأنّ طريق العودة إلى التأثير في المشهد الليبي لن يكون إلّا من خلال عتبة التطبيع مع خصوم الأمس.

من هنا، بدأ صوان في صياغة تحركاته، لا عبر منطق زعيم إسلامي منغلق، ولا هيئة أحزاب الإسلام السياسي التي تمترست على كرسي السلطة أو قريبًا منها في السنوات الماضية بل كسياسي براغماتي يستهدف بنفَس طويل تأسيس جسور جديدة مع القوى الفاعلة في الشرق.

غير أنّ هذه التحركات، على الرغم من طابعها المباشر، تثير علامات استفهام عديدة حول منسوب صدق محمد صوان وأهداف حزبه الحقيقية من وراء هذا الانفتاح، وهل يمكن فهم ذلك كتحول استراتيجي شامل، أم ينبغي النظر إليه صوب إعادة تموضع سياسي فرضته المتغيرات الداخلية والإقليمية؟

في المقابل، ترقب القوى الفاعلة في الشرق الليبي تلك التحركات بمزيج من الحذر والارتياب المحسوب، فالقوى السياسية والعسكرية هناك تدرك أنّ صوان يحاول توظيف كافة المتغيرات الإقليمية والداخلية والنشاط الدولي حول الملف الليبي لصالح انخراطه في المشهد والمرور بأمان من عتبة  "التقارب الوطني".

في هذا السياق، يشير الباحث الليبي محمد عادل مطيريد إلى أنّ التحركات التي بدت مؤخرًا من الحزب الديمقراطي نحو تحسين شكل ومضمون علاقاته مع القوى الفاعلة في شرق ليبيا تطرح عددًا من النقاط حول ماهية الأهداف وراء هذا المسار، وحول حقيقة ما يسعى إليه محمد صوان في شرق ليبيا.

الانفتاح تكتيك لا تحوّل

بيّن مطيريد في حديثه لـ (حفريات) أنّ النظرة الدقيقة نحو المشهد العام لا توحي بوجود تغيير جوهري في فكر أو منهج الحزب الديمقراطي بقدر ما تكشف بجلاء عن مساعٍ جديدة نحو إعادة التموضع بعد سنوات من التراجع والعزلة السياسية والرفض الشعبي.

ولفت الباحث الليبي إلى أنّ ما يقوم به محمد صوان اليوم لا يمكن قراءته بعيدًا عن تجربته السابقة حينما كان على رأس حزب العدالة والبناء، إذ ما تزال الخلفية الإيديولوجية للحزب فاعلة بقوة في خطابه، حتى وإن حاول إخفاءها وتغطيتها بممارسات وأقوال تشير إلى واجهة أكثر انفتاحًا من خلال هيئة سياسية باسم  الحزب الديمقراطي.

ومن هنا، يرى مطيريد أنّ الحديث عن انفتاح حقيقي على الشرق يبدو أقرب إلى تكتيك سياسي مؤقت منه إلى صيغة استراتيجية مستدامة.

وأشار إلى أنّ القوى الفاعلة في الشرق تدرك هذه التناقضات جيدًا، وتنظر إلى تحركات صوان بعين الريبة، لا سيّما أنّها تأتي في توقيت يشهد نشاطًا دوليًا وأمميًا متزايدًا لإعادة صياغة الفضاء العام في ليبيا واختراق الانسداد السياسي.

إلى ذلك، فإنّ محاولة التقرب من الشرق في هذا التوقيت يمكن تفسيرها ـ بحسب مطيريد ـ بأنّها رغبة في البقاء ضمن معادلات النفوذ القائمة والقادمة.

واستنتج الباحث نفسه أنّ رئيس الحزب الديمقراطي محمد صوان يحاول تقديم نفسه اليوم كسياسي براغماتي يتجاوز تراث الماضي، غير أنّ الواقع يفصح ـ كما يقول ـ أنّه ما زال يتحرك بالآليات نفسها وبالخطاب القديم، وإن بصيغة أكثر هدوءًا.

هذه البراغماتية، وإن منحت صوان بعض المنافع المؤقتة، فإنّها تُثير في المقابل حالة الشك تجاه مقاصده الحقيقية في المشهد الليبي عمومًا والشرق الليبي تحديدًا، الذي يبدو في تقديري الخاص ينظر بشك كبير نحو كل ما يتعلق بقوى الإسلام السياسي وأجنداته سواء  القديمة أو الحديثة.

من الخصومة إلى التطبيع: محمد صوان يمدّ جسورًا نحو الشرق الليبي

ومن جانبه، لفت الباحث الليبي عصام التاجوري إلى أنّ المشهد الليبي يشهد تحركات للحزب الديمقراطي بقيادة محمد صوان، الذي يسعى إلى تفعيل وتيرة علاقاته مع القوى الفاعلة في شرق البلاد، في خطوة تحمل قدرًا واضحًا من البراغماتية السياسية.

وأشار التاجوري في تصريحاته لـ (حفريات) إلى أنّ هذا التحرك يأتي في وقتٍ خبر فيه المشهد الداخلي لجماعة الإخوان المسلمين توترات متزايدة بين جناح يسعى للتقارب والتعاون مع الحزب، وآخر أكثر تشددًا يرفض أيّ شكل من أشكال التحالف.

وبيّن أنّ هذه الديناميكيات أفرزت تناقضات دقيقة في خطاب الحزب وتحركاته، إذ إنّ ما يُعلن رسميًا من دعوات إلى التوافق الوطني والمصالحة يتقاطع أحيانًا مع حسابات دقيقة تهدف إلى ضبط التحالفات وتحجيم النفوذ داخل المشهد الليبي.

واستنتج التاجوري أنّ الحزب الديمقراطي يتحرك ضمن مسار دقيق يستهدف  الحوار مع جميع الأطراف وكذلك حماية موقعه وتأثيره، مع استمرار تأثير الانقسامات داخل الإخوان على مسيرة الحزب ودرجة قبوله في مختلف المناطق.

الحزب الديمقراطي وُلد من رحم حزب العدالة والبناء

بدوره، قال الناشط الليبي عبد الله الغرياني: إنّ الحزب الديمقراطي وُلِد من رحم حزب العدالة والبناء، الذي يُعدّ الواجهة السياسية والرئيسية لجماعة الإخوان المسلمين.

وأشار الغرياني في تصريحاته لـ (حفريات) إلى أنّ الحزب الديمقراطي، بقيادة محمد صوان، انتهج خطًا جديدًا عُرف بـ "خط التوافق"، وذلك تحديدًا بعد سقوط قائمة خالد المشري في ملتقى الحوار السياسي الذي انعقد في جنيف مطلع عام 2021م.

وأوضح أنّ شخصيات بارزة من تيار دار الإفتاء أسهمت في الدفع نحو نجاح قائمة عبد الحميد الدبيبة، في حين خرجت القائمة التي ضمّت رموزًا وأعضاء سابقين من حزب العدالة والبناء، وعلى رأسهم المشري وفتحي باشاغا. ومن هنا، كان على محمد صوان أن يحسم موقفه بتأسيس الحزب الديمقراطي بعيدًا عن الحزب الأم (العدالة والبناء)، الذي تولّى قيادته القيادي البارز في جماعة الإخوان المسلمين عماد البناني، الذي اتخذ بدوره موقفًا مضادًا لمحمد صوان ومجموعته، ليصبح لاحقًا جزءًا من تحالف السلطة في طرابلس الموالي لعبد الحميد الدبيبة. 

وأضاف الغرياني أنّ انتهاء مدة حكومة الوحدة الوطنية أفرز فكرة خلق توافق جديد بين التيار التوافقي في غرب البلاد، الذي يضمّ خالد المشري وفتحي باشاغا وأسامة الجويلي وعددًا من أعضاء المجلس الأعلى للدولة الذي كان يرأسه المشري، وبين تحالف السلطة في شرق البلاد المتمثل في مجلس النواب والقيادة العامة للجيش.

وبيّن أنّ الحزب الديمقراطي اتخذ موقفًا متزنًا من هذه التوافقات السياسية، إلى الحد الذي جعل رئيس الحزب وأعضاءه والداعمين له في مرمى نيران تيار دار الإفتاء وحلفائهم السابقين في حزب العدالة والبناء.

وأشار إلى أنّ محمد صوان استطاع المضي في تقديم مزيد من التنازلات بغية تثبيت التوافق، حتى تم تكليف فتحي باشاغا برئاسة الحكومة الليبية من قبل مجلس النواب، وانخرط عدد من النواب المنقطعين في حضور جلسات المجلس استجابةً لمواقف قيادات الحزب وصوان شخصيًا.

ويرى الغرياني أنّ الحزب الديمقراطي ومحمد صوان يتحركان وفق منهجية جديدة ومختلفة تحاول جماعة الإخوان المسلمين تثبيتها من خلالهما، قوامها الإيمان بوجود "نافذة جديدة" يمكن من خلالها الدخول في توافقات داخلية تصب في مصلحة إنجاز مسارات سياسية جديدة دون تشدد في المواقف، مع التأكيد على ضرورة تقديم التنازلات لخدمة مصلحة الحزب ومرجعياته السياسية والفكرية.

وأوضح أنّ هذه النافذة قد تمثل بديلاً عن تلك التي أُغلِقت بسبب مواقف متشددة داعمة للسلطة في طرابلس، مشيرًا إلى أنّ الحزب الديمقراطي، منذ تأسيسه، لم يخرج عن هذا النهج التوافقي القابل للحوار وتقديم التنازلات، بل وصل الأمر أحيانًا إلى الاعتراف بشرعية الدولة ومؤسساتها في شرق وجنوب البلاد.

وفي ختام حديثه، اعتبر الغرياني أنّ محمد صوان فقد معظم أوراقه السياسية، بعد أن انقلب عليه حليفه خالد المشري مرتين، ولم يعد يمتلك وجوهًا جديدة يمكنه الدفع بها في المشهد السياسي.

وختم الغرياني بالقول إنّ آمال الحزبين (العدالة والبناء والديمقراطي) قد تلاشت منذ وقت طويل، بعد أن فقدت الجماعة مواقعها نتيجة تصادمها الداخلي وتضارب المصالح، وفي المقابل استأثرت الأطراف الأخرى ـ مثل تيار دار الإفتاء والسلطة القائمة في طرابلس ـ بزمام الأمور، عبر سيطرتها على المجلس الأعلى للدولة وبقية المؤسسات.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية