مفقودو غزة... عائلات تبحث عن جثامين أبنائها تحت الركام

مفقودو غزة... عائلات تبحث عن جثامين أبنائها تحت الركام

مفقودو غزة... عائلات تبحث عن جثامين أبنائها تحت الركام


30/10/2025

بين رائحة الركام وصدى الانفجارات التي لم تهدأ منذ سنوات، تعيش عشرات العائلات في غزة رحلة بحث مؤلمة عن جثامين أحبائها المفقودين، فبين من دفنوا دون وداع، ومن ما زالوا تحت الأنقاض، تزداد المأساة كل يوم وسط صمت العالم وعجز الجهات المختصة عن انتشال الضحايا في ظل الدمار الهائل ونقص المعدات.

وكانت وزارة الصحة في غزة قد أفادت بأنّ حوالي (6) آلاف شخص ما زالوا تحت الأنقاض.

وتلقت الوزارة تقارير من عائلات نحو (3600) شخص مفقودين، مصيرهم مجهول، وحتى الآن تم التحقق من نحو (200) حالة فقط، ومن بينها تم العثور على (7) منهم تمّ احتجازهم لدى إسرائيل، أمّا البقية فلم يُعرف مصيرهم بعد.

ولدى اللجنة الدولية للصليب الأحمر قائمة منفصلة بالمفقودين، وما لا يقلّ عن (7) آلاف حالة ما تزال عالقة ومصيرها غير معروف، ولا يشمل ذلك الحالات التي يعتقد أنّها تحت الأنقاض، وفقاً للمتحدث الرئيسي كريستيان كاردون.

ووفقاً لتقديرات المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، فإنّ أكثر من (13) ألف فلسطيني هم إمّا مفقودون تحت الركام، وإمّا مدفونون في مقابر جماعية، أو تعرضوا للاختفاء القسري في السجون ومراكز الاعتقال الإسرائيلية، وقد قتل بعضهم داخل هذه المعتقلات.

وأفادت دراسة بحثية نشرتها مجلة (ذا لانسيت) الطبية بأنّ عدد القتلى في غزة خلال الأشهر التسعة الأولى من الحرب بين إسرائيل وحماس يزيد بنحو 40% عن الأرقام التي أعلنتها وزارة الصحة في القطاع، وقدّرت الدراسة عدد القتلى بنحو (64260)، أي أكثر من 41% من الإحصاءات الرسمية لتلك الفترة.

بقايا ملابسهم

وأمام أنقاض منزلها في حي الشجاعية شرق مدينة غزة تجلس الفلسطينية وداد نصار، تقلب بيديها حجارة البناية المهدمة، حيث كانت العائلة تأمل أن تعود الحياة إلى طبيعتها بعد توقف مؤقت للقصف، لكنّ الأمل انقلب إلى مأساة بعد بقاء زوجها وثلاثة من أبنائها تحت الركام منذ أكثر من عام.

تقول نصار (46 عامًا) بصوت خافت: "بيتنا انهار بالكامل أثناء الغارة، ووجدت جثمان زوجي بعد أسبوع، لكنّ ثلاثة من أولادي ما زالوا تحت الركام، وقد نجا اثنان، بحثنا بأيدينا بين الركام، واستعنا بآلية ثقيلة تم جلبها بشكل شخصي، لكننا لم نكمل العمل لارتفاع تكلفة استئجارها".

وتضيف: "كلّ يوم نأتي إلى هنا، نزيح الحجارة بأيدينا، نبحث عن رائحة، عن قطعة ملابس، عن أيّ شيء يدلّ على أنّهم هنا، لأنني لا أريد سوى دفنهم كما يستحقون".

وتتابع: "كل يوم أحاول رفع الحجارة بشكل يدوي، ثم أتوقف عن العمل، لأنّ الأمر صعب وشاق للغاية، في ظل عدم وجود آليات ثقيلة لإزالة الأنقاض".

وتوضح: "أصعب لحظة عندما تشم رائحة الموت ولا تستطيع أن تفعل شيئًا، هذا إحساس لا يوصف، حيث لم نعد نحتمل المزيد، فالحرب أرهقتنا وأتعبتنا نفسيًا، وسلبت منا أغلى ما نملك".

وتؤكد نصار أنّ "الذين قتلوا خلال الحرب وتم دفنهم عرف مصيرهم، ولديهم قبور يستطيع ذووهم زيارتهم، لكنّ الألم والحسرة يبقيان لمن ضاع أبناؤهم تحت الركام مرتين، مرة بالحرب، ومرة بالنسيان".

مأساة مضاعفة

يقول يسري نشوان (32 عامًا) من حي الشيخ رضوان بمدينة غزة، الذي فقد اثنين من أبنائه: "بعد دقائق قليلة من قصف الاحتلال أحد المنازل المجاورة لنا انهار البيت على رؤوسنا نتيجة تصدعه من شدة القصف، وقد استطعت وزوجتي النجاة بأعجوبة، وبقي اثنان من أولادي تحت الركام منذ خمسة أشهر".

ويضيف نشوان: "حضر الدفاع المدني بعد ثلاثة أيام من الاستهداف، ولم يستطع إنقاذهم أو إخراج جثثهم، وبقيت أحفر بيدي يوميًا لشهرين متتالين، لأنني أريد دفنهم بيديّ، لا أنّ أبقى أبحث عن أشلائهم بين الركام لكن دون جدوى. ومع بحثي المستمر عنهم، عثرت على بقايا من ملابسهم فقط، لكنني ما زلت متمسكًا بأمل أن أجدهم، وهذا حقي كأب وإنسان، وأرجو ألّا يكون هذا الحلم بعيدًا".

ويوضح نشوان وهو يشير إلى الأنقاض: "كل حجر هنا يتحدث إلى يومنا هذا، فتحته العشرات من الذكريات والحكايات، الحرب لا تنتهي حين يتوقف القصف، بل حين يُعرف مصير آخر جثمان مدفون تحت الحجارة".

ويتابع نشوان: "ما أعيشه حاليًا مأساة مضاعفة، حين يتحوّل الركام إلى مقبرة صامتة لا أسماء لها، فأنا أعلم أنّ أبنائي تحت الركام، لكن لا أستطيع الوصول إليهم".

(9500) مفقود

يقول المتحدث باسم الدفاع المدني بغزة محمود بصل: إنّ "عدد المفقودين في القطاع وصل إلى (9500) شخص، وسط استمرار الأوضاع الإنسانية الصعبة نتيجة الحرب الإسرائيلية على غزة".

ويضيف بصل: "حتى هذه اللحظة ما تزال فرقنا تعمل في عدد كبير من المناطق التي تعرّضت للقصف المكثف، خاصة في شمال وغرب القطاع، وهناك مئات البلاغات التي نتلقاها يوميًا عن مفقودين يعتقد أنّهم ما زالوا تحت الأنقاض".

ويوضح: "في كثير من الأحيان لا نستطيع الوصول إلى المواقع بسبب استمرار القصف وقلة الإمكانيات لدينا لرفع الركام الثقيل، إضافة إلى نقص المعدات الثقيلة كالحفارات والرافعات، ناهيك عن نقص الوقود اللازم لتشغيل الآليات".

ويتابع: "هناك منازل وشقق سكنية مستهدفة لا يمكن الوصول إليها بسبب الدمار أو خطر القصف المتجدد، حيث تعمل فرق الدفاع المدني بأدوات بدائية بأيديها ومجارف بسيطة، في حين أنّ الجثامين تكون مدفونة على عمق أمتار".

ويؤكد بصل أنّ "الأمل لا ينتهي بإمكانية العثور على أحياء تحت الأنقاض، رغم أنّ فرص العثور على أحياء تقلّ مع مرور الوقت، ومع ذلك نحاول في كل موقع كأنّه الأول، لأننا نعلم أنّ تحت كل ركام هناك قصة إنسان، وربما حياة تنتظر الإنقاذ".

وقد ارتكبت إسرائيل منذ تشرين الأول (أكتوبر) 2023، ولمدة سنتين، إبادة جماعية بغزة، خلّفت أكثر من (68) ألف شهيد، وأكثر من (170) ألف مصاب، معظمهم أطفال ونساء.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية