
لم تعد الشوارع في غزة تَعرف أسماءها، ولا البيوت تَعرف أصحابها، فبعد شهور من القصف الكثيف الذي محا أحياء كاملة، عاد الأهالي ليجدوا مدينتهم غريبة عنهم، فكل شيء تغير حتى الذاكرة بدأت تتداخل بين الركام والغبار، وفي هذا المشهد القاسي يبدأ الناس رحلة صامتة للبحث عن بيوتهم المفقودة، وعن أنفسهم أيضًا.
وقد أعلن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أنّ نسبة الدمار في القطاع الفلسطيني بلغت نحو 90%، بعد عامين على الحرب التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي، واصفًا ما حدث بأنّه "إبادة جماعية مستمرة" تستهدف البشر والحجر.
وبحسب الأرقام التي أعلنها المكتب، فقد ألقى جيش الاحتلال أكثر من (200) ألف طن من المتفجرات على غزة منذ بدء الحرب، وقد تضررت 95% من مدارس القطاع بشكل جزئي أو كلي نتيجة القصف.
ويظهر تحليل أجراه مركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية لبيانات تعود إلى تموز (يوليو) الماضي، أنّ حوالي (193) ألف مبنى في غزة تعرّض للدمار أو الأضرار، وأنّ حوالي (213) مستشفى و(1029) مدرسة استُهدفت.
لا بيت ولا أمان
وعلى أطراف حي الشجاعية شرق مدينة غزة يقف الفلسطيني صبحي سكر (42 عامًا) وسط الأنقاض، يحمل في يده صورة قديمة لبيته قبل الحرب، ويقول: "كلما حاولت أن أحدد مكان البيت، يضيع منّي الاتجاه، كأنّ الأرض تبدلت، ولا أعرف إن كنت أقف على سطح بيتي أم على بيت الجيران."
ويتنقل سكر بين الركام بخطوات بطيئة، ينظر حوله بذهول، ويشير: "هذه كانت واجهة البيت، كنت أزرع هنا النعناع والريحان، الآن لا أعرف حتى أين المدخل."
ويتذكر سكر آخر ليلة قبل النزوح، ويقول: "أغلقت الأبواب وقلت لأولادي: سنعود قريبًا، لم أكن أعلم أننا سنعود لنبحث عن البيت لا لنعيش فيه."
ويضيف وهو يمسح بيديه الغبار عن صورة وجدت بين الركام: "البيت ضاع، لكنّ الذكريات لا تقصف، فأحيانًا أتعرف على ركن من البيت من خلال الجدار، ثم أكتشف أنّه لجار آخر، ولم أعد أعرف أين يبدأ بيتنا وأين ينتهي بيت غيرنا."
ثم يصمت لحظة ويضيف: "كنت أقول لأولادي: بيتنا صغير، لكنّه آمن، اليوم لم يعد هناك لا بيت ولا أمان."
ويبين: "ابني الصغير يسألني كل يوم: أين غرفتي؟ وأكتفي بأن أريه اتجاه الركام وأقول له: هنا كانت، لكنّها دُمّرت من قبل الاحتلال."
ويؤكد سكر: "البيوت قد تختفي، لكننا نحن من نعيدها إلى الحياة كلّما تذكرناها، فالعودة ليست فقط إلى البيت، بل إلى الوجود."
البيت لم يكن جدرانًا فقط
في مخيم البريج وسط قطاع غزة تجلس الفلسطينية خديجة حمدان (43 عامًا) مع أطفالها الخمسة في خيمة صغيرة أقامتها قرب مكان منزلهم المدمّر.
تقول حمدان: "العودة إلى مكان البيت رغم الدمار تعطينا إحساسًا بالثبات، فنأتي كل يوم إلى هنا، نرتب الحجارة ونكتب أسماءنا عليها، هذه طريقتنا لنقول: نحن كنّا هنا، وما زلنا هنا."
وتضيف حمدان وهي تمسك بقطعة صغيرة من الحديد: "كانت هذه ساعة الحائط في غرفة الجلوس، وجدتها بين الركام، مكسورة ومتسخة، لكنّها الشيء الوحيد الذي تعرفت عليه."
وتؤكد: "البيت لم يكن جدرانًا فقط، كان رائحة القهوة في الصباح، وضحكة أبنائي، وذكريات العمر، حتى لو أعادوا بناء الحجارة، لا أحد يستطيع أن يعيد ما فقدناه في الداخل."
وتوضح: "أحفر بيدي أحيانًا، لا أبحث عن الذهب، أبحث عن أشيائنا الصغيرة، ملعقة، كوب، فأنا لا أجد بيتي، لكنني أجد نفسي كل مرة أعود فيها إلى هنا."
وتتابع حمدان بصوت خافت: "أعرف أنّ البيت لن يعود قريبًا، لكنّ وجودي هنا يخفف عني، حتى لو لم أجد سوى الأنقاض. قبل الحرب كنت أرى بيتي عاديًا، الآن أدرك أنّه كان أغلى ما نملك."
اختلاط المنازل ببعضها بعضًا
في حي الزيتون شرق مدينة غزة يجلس الفلسطيني تيسير النجار (56 عامًا) فوق ركام بيته المكوّن من طابقين، يتأمل المشهد الذي كان يومًا يعجّ بالحياة.
يشير النجار إلى قطعة حديد ملتوية بين الأنقاض ويقول: "أظن أنّ هذا كان باب البيت، كل حجر هنا يحمل ذكرى، لكن لا شيء في مكانه."
ويوضح: "كنت أحمل معي بقايا المفاتيح، قلت ربما أجد الباب، لكن حتى الشارع اختفى، ولم أعرف أين أقف بالضبط، هل أنا داخل البيت أم فوقه؟".
ويتابع النجار: "جئت أكثر من مرة لتحديد حدود البيت، إلا أنّ المنازل تلاصقت، وصارت الأنقاض كتلة واحدة، وكل بيت يختلط بآخر، حتى الذكريات امتزجت ببعضها بعضًا."
وبسؤاله إن كان ينوي إعادة بناء بيته، أجاب بحزم: "بالتأكيد، حتى لو بنيت غرفة واحدة من الصفيح، المهم أن أعيش في المكان نفسه الذي نشأت بداخله."
ويؤكد: "العودة ليست فقط إلى البيت، بل إلى أنفسنا، حين نعرف مكان بيتنا، نشعر أننا ما زلنا موجودين."
صدمة جديدة
يرى الإخصائي النفسي خالد عابد أنّ "العودة إلى البيوت المدمرة تمثل صدمة جديدة بعد صدمات النزوح والحرب، فكثير من العائلات تشعر بالارتباك والخوف، وأحيانًا بالإنكار أو بالحزن الشديد، فهي ترى مكانًا كان مألوفًا وقد أصبح غير معروف."
ويضيف عابد: "يرتبط الإنسان بمكانه ارتباطًا عاطفيًا قويًا، وهو الأمر الذي يدفع الناس للعودة إلى مواقع منازلهم رغم حجم الدمار، فالبحث عن المنزل هو محاولة لاستعادة الإحساس بالهوية والانتماء، وحتى لو لم يبقَ البيت قائمًا، فإنّ العودة تمنحهم شعورًا بالتحكم والارتباط بالماضي."
ويوضح: "البيت ليس مجرد جدران، بل هو ذاكرة وتجربة حياتية، لأنّ فقدان المنزل يخلق شعورًا بالضياع، ويضعف إحساس الشخص بالانتماء، خاصة عند الأطفال والمسنين الذين يرتبطون بالمكان بشكل أعمق. ومحاولة تحديد موقع البيت نوع من التمسّك بالذاكرة، فعند رؤية قطعة من البيت أو تمييز زاوية معينة، يشعر الشخص بأنّ جزءًا من حياته ما يزال موجودًا."
ويتابع: "تعلّق البعض بقطع صغيرة من المنزل، مثل حجر أو شجرة هو تعبير رمزي عن الرغبة في التمسك بالبيت والهوية، فالأشياء الصغيرة تصبح علامات للأمان والذاكرة، وتحمل معنى عاطفيًا عميقًا".
ويؤكد الإخصائي النفسي: "الدمار الكلّي يربك الدماغ، فالأماكن التي كانت مألوفة تصبح غريبة، وهذا يؤدي أحيانًا إلى شعور بالضياع، والقلق، والكوابيس، خصوصًا للأطفال الذين يعتمدون على المعالم البصرية لتحديد أماكنهم."
وبدعم أمريكي، ارتكبت إسرائيل منذ تشرين الأول (أكتوبر) 2023، ولمدة سنتين، إبادة جماعية بغزة، خلّفت أكثر من (68) ألف شهيد، و(170) ألف مصاب، معظمهم أطفال ونساء.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/01_88_0_0.jpg.webp?itok=0kQcRIcL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D8%AC%D9%8A_10_3_2_0_0.png.webp?itok=veLM0KG3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_0.jpg.webp?itok=m6OAb2DG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A_2_0_2_4_0_1.jpg.webp?itok=kLF7uVIF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/FB_IMG_1544169028806-1.jpg.webp?itok=qwRRyDww)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_6.jpg.webp?itok=04T3Qc2_)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D8%AC%D9%88%D9%85%20%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A_1_0_0_0_0_0.jpg.webp?itok=0OjY_8fk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_41_2_0.jpg.webp?itok=IrREvM8t)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_0.jpg.webp?itok=-ytZF2BD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_158_3.jpg.webp?itok=NsR8Qg-C)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0068f-41_0_4.jpg.webp?itok=45UKeSnt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D9%81%20%D9%8A%D8%AA%D9%85%D9%91%20%D8%AA%D8%A3%D8%B5%D9%8A%D9%84%20%D8%AE%D8%B7%D8%A7%D8%A8%20%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A7%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D9%81%D9%8A%20%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7_0_1.jpg.webp?itok=ccZ07Hvm)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_28_0_2_2.jpg.webp?itok=q-0Er-5y)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7_76_1.jpg.webp?itok=MsmU4uk7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1-1275570_0_0.jpg.webp?itok=bXm4MTnr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%8A%D9%86_1_1.jpg.webp?itok=l1Lu6_7b)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/wtny_0_8_0.jpg.webp?itok=PykPrfzI)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%83_0.jpg.webp?itok=bruHBiiI)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_3_0.jpg.webp?itok=SMUzeMhe)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0101_1_10.jpg.webp?itok=pbgfrNEL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%8A%D8%B4_9_0.jpg.webp?itok=FRVAjScv)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%861_4_0_1_3.jpg.webp?itok=lvvR9tNH)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_43_0_2_0.jpg.webp?itok=XLNioOKD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862_13_0.jpg.webp?itok=FehfOz8l)