"الأواصر الممزقة"... كيف ضربت أزمة الهوية الجيل الثالث من شباب الإخوان

"الأواصر الممزقة"... كيف ضربت أزمة الهوية الجيل الثالث من شباب الإخوان

"الأواصر الممزقة"... كيف ضربت أزمة الهوية الجيل الثالث من شباب الإخوان


23/05/2026

"لن أعيش في ثوب شيخي أو قائدي"، هي العبارة الأكثر شهرة بين شباب الإخوان قبل عقدين من الزمان مع انتشار ثقافة المدونات؛ تلك المنصات الإلكترونية التي أشعلت حراكًا هو الأكثر تأثيرًا داخل صفوف الإخوان على مدار تاريخ التنظيم؛ فهؤلاء الشباب المعترضون على آليّة عمل الجماعة، وتحركاتهم الإصلاحية البعيدة عن الثورية التي ينتظرها شباب التنظيم، سيصبحون بعد بضعة أعوام المحرك الرئيسي لكل صراعات التنظيم بعد أن غيبت السجون غالبية أعضاء مكتب الإرشاد في القاهرة، وبعد فشل اعتصام رابعة العدوية في آب (أغسطس) 2013، وبعد تنحية الإخوان عن حكم مصر في تموز (يوليو) 2013.

تحولات عصفت بها ثورة التكنولوجيا التي أشعلت الموقف في المنطقة العربية، ولم يكن شباب الإخوان بعيدين عن ذلك المشهد، ومن تلك النقطة بدأ مجموعة من شباب الإخوان السابقين المقيمين في أوروبا بتنفيذ دراسة تُعدّ الأولى من نوعها داخل الجماعة، والتي طرحت إشكالية رئيسية تقول: "كيف وصلت أكثر التنظيمات الإسلامية تأثيرًا في العالم الحديث إلى هذه النقطة من الأزمة الوجودية، وإلى أين يمكن أن يتجه التنظيم بعد ذلك؟".

الأواصر الممزقة وتخبط شباب التنظيم

الدراسة التي جاءت تحت عنوان "الأواصر الممزقة"، أعدها عبد الرحمن عياش، وعمرو عفيفي، ونهى عزت، وترجمها إلى اللغة العربية حسان حساني بدعم من مؤسسة القرن بأمريكا الشمالية. وميز الدراسة التي جاءت في (167) صفحة أنّها طرحت للمرة الأولى الأسئلة التي كانت سببًا في انقسام التنظيم إلى أكثر من جبهة خلال الأعوام العشرة الأخيرة، وسعت أيضًا إلى محاولة الإجابة عنها من خلال استبيانات ولقاءات مباشرة مع شباب الإخوان المسجونين في مصر أو قيادات الإخوان في الخارج، وفي المقدمة منهم القائم بأعمال المرشد السابق إبراهيم منير، رحلة بحثية تمحورت حول (3) أسئلة: أزمة هوية، وأزمة شرعية، وأزمة عضوية.

 

مع ثورة التكنولوجيا أصبح عالم المدونات والإنترنت ملاذًا للكثيرين من شباب الحركة الإسلامية.

 

تعرّضت الدراسة في الفصل الأول إلى مقدمة عن تاريخ التنظيم من المؤسس الأول حسن البنا، مرورًا بمراحل الجماعة التاريخية المختلفة، مع التركيز على الأطر الفكرية والإيديولوجية والقفزات الحركية التي شكّلت جماعة الإخوان المسلمين. 

الشهادات الواردة في الكتاب كشفت تغير العديد من المعاني التي تأسس عليها التنظيم، التغير الذي سيصبح أحد أسباب أزمة الهوية التي ضربت الجيل الثالث من شباب الجماعة؛ فالتنظيم القائم على معنى الإخوة والتفاعل بين الأعضاء وقادتهم والإحساس بها بين عامة الأعضاء، وشعور أنصارها بأنّهم جزء من عائلة كبيرة تمدهم بالأمن والدعم، الشعور الذي رسخ له حسن البنا في حياته، سيتأثر بنسبة كبيرة في التأسيس الثاني للتنظيم سبعينيات القرن الماضي.

مفهوم الإخوة يتراجع لصالح طبقة التجار

يرى المؤلفون أنّ بنية الحركة في تلك المرحلة أصبحت أكثر تعقيدًا وتنظيمًا؛ فقد أصبحت العضوية في جماعة الإخوان المسلمين عملية منظمة تستغرق سنوات من التنشئة الاجتماعية والروحية والتلقين الإيديولوجي، والأهمّ من ذلك الارتقاء التنظيمي،" أثبت التنظيم المعقد الذي صممه البنا قوته، لكنّه سرعان ما أصبح أكبر من أن يمكن التحكم فيه".

يقسّم المؤلفون مراحل تطور مفهوم الهوية داخل التنظيم إلى مرحلتين: الأولى في الفترة الملكية التي سيطر فيها قسم طلاب الجامعات المتفاعل سياسيًا مع المشهد العام في مصر والمشتبك مع الأحزاب الليبرالية واليسارية من منطلق وطني يسعى من خلاله شباب الإخوان إلى تحقيق العدالة الاجتماعية انطلاقًا من الدولة والضغط السياسي على حكومتها، والمرحلة الثانية فترة حكم الرئيس الراحل السادات، وهي المرحلة التي تخلّى فيها الإخوان، بحسب رؤية المؤلفين، عن السعي لتحقيق العدالة الاجتماعية من خلال الدولة، وهو سعي مثل عنصرًا أسياسيًا في خطاب الجامعة خلال الأربعينيات ومطلع الخمسينيات. وأصبح علاج الإخوان للفقر بعد الثمانينيات يتمثل في تطوير شبكات خدمات موازية خاصة بهم.

 

الشهادات الواردة في الكتاب كشفت تغيّر العديد من المعاني التي تأسس عليها التنظيم.

 

يرى المؤلفون أنّ الأفكار الإسلامية في الثمانينيات أصبحت أكثر تأثيرًا في مجالات غير المجالات السياسية، فعلى سبيل المثال أصبح رأس المال الإسلامي مركز ثقل في الاقتصاد، وراحت البرامج الخيرية والتضامنية الإسلامية تتحول إلى بديل عن خدمات الدولة الآخذة في الاختفاء. نشأت الشبكات الإسلامية في معظم أحياء الطبقة الدنيا والطبقة المتوسطة ـ الدنيا ـ التي بنيت في معظمها على عجل وبشكل مخالف للقانون على أطراف المدينة القديمة لإيواء ملايين المهاجرين من الريف،"وبدلًا من منافسة النظام في المناطق التي هيمن عليها، سعت جماعة الإخوان للتوسع في مناطق كان وصول الدولة إليها هشًا أو معدومًا".

خطوط الصدع لدولة القومية الحديثة

يوضح المؤلفون أنّ الإخوان وجدوا في القطاع غير الرسمي فرصة لتأسيس حضور قوي، أو ما صار حصنًا فيما بعد، على طول ما يمكن تسميته "خطوط الصدع" لدولة القومية الحديثة، وبين الطبقات المهمشة التي لم تكن الدولة قادرة على إدماجها سياسيًا ولا انتشالها من الفقر. لاحقًا طُبّق المنطق غير الرسمي نفسه على الطبقة البرجوازية.

لم تغفل الدراسة إحدى أهم النقاط المحورية في تغير هوية الجيل الثالث من شباب الإخوان، وهي المسألة التي تعود بجذورها إلى قضية تنظيم 1965 المتهم فيها سيد قطب، المنضم إلى الجماعة عام 1953 بعد رحيل البنا؛ في إشارة إلى مؤلفاته التي أصّلت لأفكار الحاكمية وجاهلية المجتمع، وهو ما أدى لاحقًا إلى زوال هيمنة الإخوان شبه الكاملة على النزعة الدينية المحافظة لدى الطبقات الوسطى، وكيف أصبح الخطاب السلفي مهيمنًا على الجماعة استرضاء لقاعدتها الشعبية الريفية. 

في التسعينيات أصبح صعود القطبيين مسألةً مفروغًا منها، بيد أنّ سيطرتهم على الجماعة تأسست على أمرين: الأوّل هو الاعتماد على رأسمالها التجاري المبني على السوق الموازية للدولة، والثاني هو الاعتماد على قاعدة متسلفة أو ما بات يُعرف بترييف الإخوان، وهو المصطلح الذي صكّه الباحث الراحل حسام تمام.

عالم المدونات زلزال يضرب الجماعة

مع ثورة التكنولوجيا أصبح عالم المدونات والإنترنت ملاذًا للكثيرين من الشباب المصري، وفي القلب منهم شباب الحركة الإسلامية، فانطلقوا يؤسّسون الآلاف من المدونات التي باتت متنفسًا لهم، بحثًا عن إجابات فقدوها على مدار سنوات التسعينيات. وتشير دراسة صادرة عن وزارة الثقافة المصرية عام2009  إلى أنّ مصر شهدت تدشين أكثر من (150) ألف مدونة عام 2005، وهو رقم ضخم بالمقارنة مع حداثة انتشار الإنترنت في مصر، اللافت في تلك المدونات أنّ الشريحة الكبرى منها سيطر عليها الحديث السياسي والثقافي والأدبي، وجاءت النقاشات الدينية في مرتبة متأخرة، التواجد الذي دفع كبريات دور النشر المصرية إلى نشر سلاسل مستمرة من الكتب القائمة على محتوى المدونات.

 

قسّم المؤلفون مراحل تطور مفهوم الهوية داخل التنظيم إلى مرحلتين.

 

مع صعود ثقافة المدونات وانتشار نقد المدونين للجماعة، وما بات يُعرف بالقيادات التاريخية، قرّر الإخوان تنظيم مقابلة مع أبرز المدونين في الجماعة، والتقوا بالفعل بمسؤول الكتلة السياسية في البرلمان الذي سيصبح لاحقًا رئيسًا لمصر عام 2012 عضو الجماعة الراحل محمد مرسي.

يلفت المؤلفون إلى غرابة اللقاء الذي استمرّ قرابة الساعة، وكان عبارة عن حديث متواصل للبرلماني محمد مرسي، حديث امتد لأكثر من (45) دقيقة على الرغم من فرضية أنّ اللقاء من الأساس بهدف الاستماع إلى هؤلاء الشباب، بيد أنّ العكس هو ما حدث، يسرد المؤلفون على لسان المدونين المشاركين في اللقاء أنّ بعضهم ترك الاجتماع قبل الانتهاء، وأنّ غالبيتهم قرروا ترك الجماعة نتيجة تلك المقابلة؛ فقد أخبرهم محمد مرسي أنّ العمل العام غير مقتصر على التواجد في الإخوان، وأنّ الأمر متروك لهم لو أرادوا ترك التنظيم، فالجماعة لم تتحمل نقد شبابها. ويستكمل المؤلفون أنّ بعض المدونين الذين قرروا ترك الجماعة، أسسوا لاحقًا تنظيمًا سياسيًا سيكون صاحب الحدث السياسي الأبرز عام 2008، المعروف بإضراب 6 نيسان (أبريل)، الذي شارك في تأسيسه مدوّن إخواني كان ضمن الحضور لكنّه أنهى اللقاء مقرّرًا الخروج بلا عودة، وهو المدوّن محمد عادل.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية