
منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، حين شنت إسرائيل حربها الدموية على قطاع غزة، والعالم يتابع أرقام الضحايا التي تجاوزت عشرات الآلاف، والمشاهد المروعة للدمار الواسع الذي طال البشر والحجر. لكن خلف هذه المأساة الإنسانية الكبرى، كان هناك مشهد آخر لا يقل قسوة، ألا وهو مشهد الحرب على الثقافة والفن، داخل غزة نفسها وفي العالم أجمع. فالمعارض أُغلقت، والمهرجانات اهتزت، والفنانون وجدوا أنفسهم في قلب عاصفة سياسية، حيث لم يعد الفن مجرد مساحة جمالية أو تعبير فردي، بل ساحة مواجهة حول الذاكرة والهوية والحرية.
وفي حين سعت آلة الحرب الإسرائيلية إلى محو المراكز الثقافية الفلسطينية، ظهرت أصوات احتجاجية من قلب تل أبيب نفسها، رافضة الصمت أمام "الإبادة الثقافية"، فيما شهدت الساحة الثقافية العالمية واحدة من أعقد أزماتها منذ عقود، مع انقسامات حادة واتهامات بالإقصاء وحرية التعبير الانتقائية.
حرب على الذاكرة الفلسطينية
العدوان الإسرائيلي على غزة لم يكن موجهاً فقط نحو المدنيين، بل استهدف بشكل واضح البنية التحتية الثقافية. فالمراكز الفنية، والمكتبات والمسارح تحولت إلى أنقاض، كما دُمرت مساحات كان الفلسطينيون يستخدمونها للحفاظ على هويتهم ونقل تراثهم للأجيال. أحد أبرز الأمثلة كان تدمير "غاليري التقاء"، وهو فضاء فني فلسطيني شارك في نسخة 2022 من معرض "دوكومنتا" بألمانيا، حيث أُعلن عن قصفه بالكامل وتحويل أعماله إلى رماد. بالنسبة للفنانين الذين فقدوا إنتاج سنوات من العمل، لم يكن السؤال عن خسارة اللوحات أو المعارض، بل عن جدوى الفن في ظل موت الإنسان ذاته.
هذا الاستهداف دفع نشطاء ومثقفين إلى توصيف ما يحدث بأنه "إبادة ثقافية"، أي محاولة محو الهوية الفلسطينية ليس فقط عبر القتل والتهجير، بل أيضًا عبر تدمير الذاكرة الجمعية. إن قصف الكنائس والمساجد، مثل كنيسة القديس برفيريوس الأثرية في غزة التي تعود للقرن الخامس الميلادي وتعرضت للقصف مرتين، لم يكن مجرد حادث عابر، بل جزءًا من عملية تهدف إلى تفكيك الرابط بين الفلسطينيين وأرضهم وتاريخهم. وهو ما عبر عنه أحد النشطاء الثقافيين بقوله: "حين تُمحى المكتبات ويُحرق الأرشيف، فإن ذلك لا يقتل الماضي فقط، بل يسلب المستقبل أيضًا".
الأصداء لم تتوقف عند حدود فلسطين، بل ارتدّت إلى أعتى المؤسسات الفنية في أوروبا وأمريكا. في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، نُشرت عريضة على موقع Artforum تدعو إلى وقف إطلاق النار في غزة، وقعها عدد كبير من الفنانين العالميين. لكن العريضة لم تذكر هجوم حماس في السابع من أكتوبر، وهو ما استُخدم لاحقًا كذريعة لإقصاء أصوات الموقعين. سرعان ما تحولت القضية إلى أزمة كبرى داخل المجلة، انتهت بإقالة رئيس تحريرها ديفيد فيلاسكو، ما أثار موجة استقالات وتضامن واسع من فنانين بارزين مثل: نان غولدِن ونيكول آيزنمان.
القضية لم تكن استثناءً، بل بداية سلسلة من الأحداث التي أظهرت أنّ الموقف من غزة بات يحدد موقع الفنان أو المؤسسة على الخريطة الثقافية. فالمعارض أُلغيت، مثل: معرض الفنانة الجنوب أفريقية كانديس بريتز في ألمانيا، رغم أنّها يهودية، بسبب دعوتها لوقف إطلاق النار وإدانتها للحرب. كذلك، ألغت جامعة إنديانا معرضًا شاملاً للفنانة الفلسطينية سمية الحلبي، بحجة "مخاوف أمنية"، في خطوة اعتُبرت مؤشراً على تغلغل الرقابة السياسية في فضاء يُفترض أن يكون مستقلاً.
أمّا بينالي البندقية 2024، فقد تحول إلى ساحة مواجهة سياسية؛ إذ ظل الجناح الإسرائيلي مغلقًا طيلة فترة المعرض بقرار من الفنانة روث باتير، التي أعلنت أنها لن تفتحه ما لم يتم التوصل إلى وقف إطلاق نار. في المقابل، ارتفعت الأصوات المطالبة بإقصاء الجناح الإسرائيلي كليًا باعتباره يمثل دولة متهمة بارتكاب إبادة.
الأحداث أبرزت واقع حرية التعبير في العالم الثقافي الغربي، فالتضامن مع غزة صار ثمنه الإقصاء أو التشويه، بينما بقي الدفاع عن إسرائيل محاطًا بشبكة من الحماية والدعم. وكما قالت نان غولدِن في خطاب مؤثر ببرلين: "حتى المحكمة الجنائية الدولية والأمم المتحدة والبابا يتحدثون عن إبادة جماعية، لكننا هنا ممنوعون من استخدام الكلمة. هذا ليس نقاشًا حرًا، بل تكميم للأصوات".
احتجاجات صامتة في قلب تل أبيب
المفارقة الكبرى أنّ أصواتًا احتجاجية ضد الحرب لم تأتِ من الخارج فقط، بل خرجت أيضًا من داخل إسرائيل نفسها. ففي تل أبيب، اجتمع فنانون وكتّاب وموسيقيون أمام ساحة "الرهائن" القريبة من متحف الفن والمسرح الوطني، في وقفة صامتة حملت رسالة واضحة: "الدمار في غزة ليس حربًا فقط على البشر، بل حرب على الثقافة والذاكرة".
ارتدى المشاركون السواد، ورفعوا لافتات بثلاث لغات كتب عليها: "الإبادة الثقافية هي حرب على الذاكرة"، ووزعوا منشورات تفضح حجم الجرائم: أكثر من 64 ألف قتيل، و160 ألف جريح، بينهم العشرات من الفنانين والكتّاب والنشطاء الثقافيين.
في منتصف الوقفة، عزف موسيقيون نغمة واحدة طويلة تحاكي صوت الطائرات المسيّرة الإسرائيلية التي تلازم سماء غزة، فيما أضاف موسيقيون فلسطينيون نغمة عالية كأنها صرخة من تحت الركام. وقد خُصص هذا الأداء كتحية للموسيقار الغزي أحمد معين أبو أمشة، الذي ظلّ يعزف ويُدرّس رغم الحرب، قبل أن ينقطع صوته بالقصف.
الفنان الإسرائيلي آدم ييكوتيلي، لخّص الرسالة بوضوح: "ما يجري في غزة ليس فقط إبادة للناس، بل هو تدمير منهجي للثقافة، لمحاولة قطع جذور الهوية ومحو الذاكرة الجماعية". هذه الأصوات، رغم محدوديتها، تكسر صورة الإجماع المصطنع داخل إسرائيل، وتؤكد أن الصراع على غزة يمتد إلى الوعي الثقافي ذاته.
تتبع ردود الفعل الثقافية على حرب غزة يبين أن ما يجري يتجاوز السياسة التقليدية إلى معركة على الذاكرة والمعنى. فحين يُقصى فنانون عالميون لمجرد توقيعهم على بيان، وحين يُدمر أرشيف ثقافي كامل في غزة، وحين يخرج مثقفون إسرائيليون ليقولوا "لا باسمنا"، فهذا يعني أنّ الفن لم يعد مجرد انعكاس للواقع، بل صار ساحة مقاومة تُصر على إبقاء الرواية الفلسطينية حيّة في مواجهة محاولات الطمس.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3_193_0.jpg.webp?itok=nRwtHFUN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%84%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AF%D8%A7_0_1.jpg.webp?itok=tTV7VYQo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_1_2.jpg.webp?itok=3IurMJHw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%86%D8%AF%D9%86_0_0_1_1.jpeg.webp?itok=zqlZO66d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/011_5.jpg.webp?itok=4ZjqR8pK)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%A7%D8%AE%D9%84%D9%8A_1_3_1_1.jpg.webp?itok=o3ONEK_p)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_3_1_7_2_0_1_0_1.jpg.webp?itok=fFpTXApw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_3.jpeg.webp?itok=hc_VaQOg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B3%D8%A7%D9%85_2_1_1_0_1_3_0.png.webp?itok=B_aqJ73A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84_1_5.jpg.webp?itok=hCdKmnI4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD_38.jpg.webp?itok=jH4JYkNB)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%B4%D8%A71.jpg.webp?itok=kuO7Yy_d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/011_4.jpg.webp?itok=0QR5maRr)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_27.jpg.webp?itok=3Lue5fk6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9_3_3_0.jpg.webp?itok=XgfaK1jy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_2.jpeg.webp?itok=R9lPs42T)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D9%84%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=TYJr2e66)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/4e45cd14-609d-41dc-8337-47bdff5ee0cc_0.png.webp?itok=aZAFci1K)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B2%D8%BA%D9%88%D9%84_0.png.webp?itok=JrmJPh7m)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/ViYLxN7VkltvpvRG-BjwxijOzunHI9I_yZcM-e_K1TvKFCw4ds6oGRnGjeoTuODbDJZmxErM8WUpMaoSmGVs1o2jjcTozGzw4UwThDP3UDzeljr5wkQNDW3VWrMykNYUsRHwLAOMXx7_q52ErSNBggk2RD-IprWZcNisyCgWBHQYHnnJWha4GC1CQRvIuX5h%20%281%29.jpg.webp?itok=iKGLY69d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/GDwvCo_zMvwWviO1UBjZOIncr8lBppACdNT5J2TgfLKiQt_Gch5Mbarh28Jo_9qBwcr2yCAGeE6sde8thVaLC2axkS3EdFlt0lVf9sRMY3oGNK4DR-i8hDLKVbVwbGpBttMNqPlZ0db_UOo4RUv8BtbOP3ye6_zuKhmtGTMdUL1NuxY8S1_j8dcMOIUPl9Ht%20%281%29.jpg.webp?itok=nS9xUUct)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A7%D8%AA_0_1.jpg.webp?itok=PBow1BGf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A7_82_1_2_0_0_0_0_1.jpg.webp?itok=--QJOt8O)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)
