صناعة الأعداء الوهميين: استراتيجية الإخوان لتبرير إخفاقاتهم وإخفاء فسادهم

صناعة الأعداء الوهميين: استراتيجية الإخوان لتبرير إخفاقاتهم وإخفاء فسادهم

صناعة الأعداء الوهميين: استراتيجية الإخوان لتبرير إخفاقاتهم وإخفاء فسادهم


18/09/2025

على مدار عقود، اعتمدت جماعة الإخوان المسلمين أسلوبًا متكررًا يقوم على تحويل إخفاقاتها الداخلية إلى أعداء خارجيين أو مؤامرات وهمية، لتبرير الفشل السياسي والاقتصادي، وتوجيه الرأي العام لصالح مصالحها الضيقة. هذه الاستراتيجية ليست مجرد تكتيك دعائي عابر، بل أداة ممنهجة تهدف إلى تمرير الأخطاء الداخلية وإخفاء الملفات الحساسة المتعلقة بالفساد أو سوء الإدارة، وإضفاء شرعية على سياسات الجماعة في نظر قواعدها الجماهيرية. 

وتعكس التحليلات المنشورة في موقع "حفريات" كيف توظف الجماعة هذا النهج بشكل متسق، بحيث يصبح أي نقد أو إخفاق داخلي مرتبطًا بمحاولات خارجية مفترضة لضرب الجماعة، ما يعزز الانقسامات الاجتماعية والسياسية ويضعف القدرة على مساءلة قياداتها.

هذه الاستراتيجية تعتمد على مزاوجة الدين بالسياسة، حيث يتم تصوير أي انتقاد على أنه هجوم على المبادئ أو المشروع الإسلامي للجماعة.

صناعة الأعداء الوهميين ليست مجرد تكتيك دعائي بل أداة مركزية لتعزيز النفوذ وحماية الجماعة من المساءلة الداخلية والخارجية

هذا السرد يخلق بيئة من التضليل تجعل من الصعب على الأفراد أو المؤسسات المجتمعية مساءلة الجماعة، بينما يمنحها في الوقت نفسه مبررًا لاتهام خصومها الداخليين والخارجيين بالمؤامرة. ويستند الإخوان في هذا الإطار إلى شبكات إعلامية متنوعة، تشمل القنوات الفضائية ووسائل التواصل الاجتماعي والمطبوعات الدعوية، لترويج السردية وتعزيز شعور القواعد الجماهيرية بأنها ضحية الهجمات الخارجية.

فمن خلال السيطرة على الإعلام والمعلومات، يتم تحويل النقد الموضوعي إلى هجمات على الجماعة، ما يقلل من تأثير المعارضة ويزيد صعوبة مساءلتها عن إخفاقاتها أو الفساد المالي والإداري.

وقد برزت هذه الاستراتيجية بشكل واضح في مصر بعد ثورة 2011، حين استخدمت جماعة الإخوان السردية المؤامراتية لتبرير إخفاقاتها في إدارة الحكم.

 فبينما كانت البلاد تواجه أزمة اقتصادية متزايدة ونقصًا في الخدمات العامة، تم توجيه أصابع الاتهام نحو قوى سياسية وإعلامية دولية على أنها تقف وراء "تعطيل المشروع الإسلامي"، ما ساعد الجماعة على صرف الانتباه عن إخفاقاتها في السياسات الداخلية وسوء إدارة المؤسسات الحكومية. وفي السودان، استخدمت الجماعة نفس الآلية بعد الانقلابات العسكرية، حيث تم تصوير الانتقادات المحلية والدولية على أنها جزء من حملة تستهدف الإسلام والمسلمين، ما عزز ولاء قواعد الجماعة وقوّى شرعيتها في مواجهة النقد.

التأثير النفسي والاجتماعي لهذه الاستراتيجية يتجلى في قدرة الجماعة على استغلال شعور الخوف وعدم الثقة لدى الجمهور، خاصة في الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. فالأفراد الذين يعيشون في بيئات تعاني البطالة أو التهميش يكونون أكثر قابلية لتبني سردية المؤامرة، مما يعزز الولاء للجماعة ويحوّل أي نقاش موضوعي إلى جدل حول الأعداء الخارجيين. 

توظف الجماعة هذا النهج بشكل متسق بحيث يصبح أي نقد أو إخفاق داخلي مرتبطًا بمحاولات خارجية مفترضة لضرب الجماعة

كما أن الجماعة تسعى أحيانًا لاستثمار القلق الدولي حول الاستقرار وحقوق الإنسان للتغطية على إخفاقاتها، مستغلة المخاوف الأوروبية والدولية لضمان هامش سياسي أوسع وتعزيز موقفها التفاوضي داخليًا وخارجيًا.

ويشكل الإعلام حجر الزاوية في هذه الاستراتيجية، إذ تستثمر الجماعة وسائل إعلامية متعددة لنشر سرديات مركبة تركز على تصوير خصومها الداخليين والدوليين كمؤامرين ضد مشروعها. تشمل هذه الوسائل القنوات الفضائية والمواقع الإخبارية التابعة وحسابات التواصل الاجتماعي والمطبوعات الدعوية التي تعيد إنتاج السردية نفسها على مستويات متعددة. 

وقد أظهرت الدراسات أن السيطرة على الخطاب الإعلامي سمحت للإخوان بإعادة تشكيل وعي الجمهور بحيث يتم تحويل أي نقد منطقي إلى هجوم شخصي على الجماعة، ما يعزز التماسك الداخلي ويقلل من احتمالات الانشقاق أو المعارضة.

على المستوى الدولي، تحاول الجماعة استثمار هذه الاستراتيجية لتوجيه الضغط على الحكومات الأجنبية، مستغلة المخاوف الدولية حول حقوق الإنسان والأمن والاستقرار. 

ففي بعض الحالات، تستخدم الجماعة القضايا الإنسانية كوسيلة للتأثير على السياسات الأوروبية والدولية، ما يضمن لها هامشًا أوسع للتحرك السياسي وتجنب التدقيق في أدائها الداخلي. 

وتوضح التحليلات أن هذا الاستخدام الذكي للخطاب الدولي يعزز قدرة الإخوان على حماية مصالحهم والتملص من المساءلة، ويتيح لهم استخدام الرأي العام الدولي كورقة ضغط إضافية لصالحهم.

وتؤدي هذه الاستراتيجية إلى انعكاسات خطيرة على الحكم والسياسة، إذ يتم تحويل التركيز من تقييم الأداء الفعلي وإصلاح المؤسسات إلى الدفاع عن الجماعة ومواجهة خصوم وهميين.

هذا يخلق ثقافة تبريرية داخلية تجعل الاعتراف بالأخطاء الداخلية نادرًا، ويقوي الانقسامات الاجتماعية والسياسية، ويعيق تطوير مؤسسات الدولة بشكل فعال، فيما يشير محللون إلى أن استمرار هذه الآلية على المدى الطويل يضعف الشفافية والمساءلة، ويزيد من هشاشة النظام السياسي، ويجعل من الصعب تنفيذ إصلاحات حقيقية في المجالات الاقتصادية والإدارية والسياسية.

كما أن الاعتماد المستمر على خطاب صناعة الأعداء الوهميين يجعل الجماعة أقل قدرة على مواجهة التحديات المستقبلية بفعالية، إذ يتم توجيه الطاقة والموارد إلى الدفاع عن النفس أو توجيه الانتباه نحو أعداء مفترضين بدلًا من مواجهة المشكلات الحقيقية.

تم تصوير الانتقادات المحلية والدولية على أنها جزء من حملة تستهدف الإسلام والمسلمين ما عزز ولاء قواعد الجماعة وقوّى شرعيتها في مواجهة النقد

في الوقت نفسه، يعزز هذا النهج من قدرتهم على الاحتفاظ بالولاء الداخلي، ولكن على حساب قدرة المجتمع على محاسبتهم أو مساءلتهم عن إخفاقاتهم.

وتظهر دراسة هذا الأسلوب أن صناعة الأعداء الوهميين ليست مجرد تكتيك دعائي، بل أداة مركزية لتعزيز النفوذ وحماية الجماعة من المساءلة الداخلية والخارجية وإخفاء الفشل السياسي والاقتصادي.

 وعلى الرغم من فعاليتها في الحفاظ على الولاء الداخلي على المدى القصير، فإن استمرارها يهدد استقرار الجماعة على المدى الطويل، ويزيد من هشاشة النظام السياسي والاجتماعي، ويقوّي الانقسامات المجتمعية. 

ومن منظور تحليلي، توصي الدراسات بضرورة رفع مستوى الوعي المجتمعي تجاه هذه الأساليب، وفصل النقد الموضوعي عن خطاب المؤامرة، إضافة إلى تطوير مؤسسات مستقلة لمراقبة أداء الجماعات السياسية لضمان المساءلة والشفافية، وحماية المجتمع من تكرار استخدام أسلوب صناعة الأعداء كأداة لتحويل إخفاقاتهم إلى ذريعة لإخفاء الفساد الداخلي.

في ضوء هذه المعطيات، يمكن القول إن جماعة الإخوان المسلمين استخدمت استراتيجية صناعة الأعداء الوهميين كأداة متعددة المستويات: سياسية، إعلامية، اجتماعية، ودولية. ومع كل نجاح قصير المدى لهذه الآلية، تتعاظم المخاطر على استقرار المؤسسات والمجتمع، إذ تصبح السياسة أداة للدفاع عن الجماعة بدلًا من خدمة المواطنين، ويزداد الانقسام الاجتماعي والسياسي مع تراجع الشفافية والمساءلة. 

وبذلك، يمثل هذا النهج نموذجًا واضحًا لكيفية تحويل الخطاب الدعوي والسياسي إلى وسيلة للبقاء السياسي، مهما كانت التكاليف على المجتمع والدولة.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية