
في مشهد يختصر حجم المأساة الإنسانية التي يعيشها سكان قطاع غزة، لم تعد الحروب والأسلحة التقليدية وحدها مصدر الخطر، بل تسللت وسائل جديدة أكثر بشاعة إلى موائد الجائعين، معلبات غذائية مفخخة حصدت أرواح مدنيين أبرياء وشوّهت آخرين كانوا يبحثون عن لقمة تسدّ رمقهم.
ووفق التقديرات الأممية التي تؤكدها تقارير الأجهزة الحكومية المختصة؛ فإنّ نحو 10% من القذائف والقنابل التي ألقاها جيش الاحتلال وتقدّر بأكثر من (75) ألف طن متفجرات، لم تنفجر، وهو ما يعني نحو (7500) طن من القذائف والقنابل في الشوارع وأراضي المواطنين ومنازلهم وبين الركام وتحت الأنقاض في مختلف مناطق قطاع غزة.
ومنذ 2 آذار (مارس) الماضي ترتكب إسرائيل أكبر جريمة تجويع بعدما أغلقت معابر القطاع أمام دخول المساعدات الغذائية والإغاثية والطبية والبضائع، وهو ما تسبب بتدهور كبير في الأوضاع الإنسانية للفلسطينيين، وفق ما أكدته تقارير حكومية وحقوقية ودولية.
ويعتمد فلسطينيو غزة البالغ عددهم (2.4) مليون نسمة بشكل كامل على تلك المساعدات بعدما حولتهم الإبادة الجماعية المتواصلة منذ (22) شهراً إلى فقراء، وفق ما أكدته بيانات البنك الدولي.
فخّ الجوع والموت
وفي حي الشجاعية شرق مدينة غزة، يروي الفلسطيني محمود عبد العال قصته والدموع تغمر عينيه، ويقول: "وجدت كرتونة معلبات (تونا) قرب أنقاض أحد المنازل المدمرة، بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي من المنطقة التي كنت أعيش بها، فأعتقدت أنّها ستكون طوق نجاة لأطفالي، ولكن لحظة فتح إحدى العلب دوّى انفجار هائل، استيقظت بعدها في المستشفى وقد فقدت يدي، وقُتل ابني الصغير بعد تناثر الشظايا في كافة أنحاء جسده".
ويضيف عبد العال (33 عامًا): "كنّا جائعين منذ يومين حين فتحت العلبة قبل انفجارها، فلم أتخيل أنّ الطعام الذي كنت أظنه آمنًا صار فخًّا قاتلًا".
ويوضح: "لا أستطع النوم منذ فترة طويلة، كل وجبة أصبحت مصدر خوف، الغضب الأكبر ليس الجوع، بل أنّ الحياة نفسها صارت تهديدًا لنا، فلم يعد القصف المباشر وحده وسيلة الحرب، بل حتى بقايا الطعام أصبحت وسيلة لإبادة الجائعين".
ويتابع: "كنا نبحث عن الحياة، لكنّهم تركوا لنا الموت في علب معدنية، وبقي مصير أهل غزة إمّا الموت من الجوع، وإمّا الموت وهو يحاولون الحصول على طعام".
ويتساءل: "أيّ قلب بشري يقبل أن يحوّل الطعام إلى قنبلة؟ الجوع قتل ابني مرتين، مرة لأنّه كان جائعًا، ومرة لأنّه وثق بما وجده، هذه ليست حربًا فقط، هذا فخ للجائعين، ولم نكن نتوقع أن يكون الطعام نفسه وسيلة للقتل".
ويؤكد عبد العال: "أصبحت أخاف أن أترك أطفالي يلتقطون أيّ شيء من الأرض، حتى لو كان رغيف خبز، أظنه ربما يكون مُلغّمًا، نحن نعيش حالة رعب يومي، لم نعد نفرّق بين ما هو غذاء وما هو قنبلة".
معلبات طعام مفخخة
وفي خيمة صغيرة بمستشفى الشفاء بمدينة غزة تجلس الفلسطينية حنان الشريف (45 عامًا) إلى جانب سرير ابنها مصطفى (14 عامًا)، وهو يتألم من حروق عميقة في صدره ووجهه، وتقول بصوت مرتجف: "بعد انسحاب الاحتلال من أجزاء من حي الشجاعية شرق مدينة غزة، ذهبت برفقة أبنائي لتفقد منزلنا إن كان مدمرًا أو ما يزال قائمًا، لإحضار بعض الملابس والطعام".
وتضيف الشريف: "كانت الفاجعة عندما وصلنا إلى الحي، فقد كان المكان عبارة عن كومة من الركام، وجميع المنازل تمّ تدميرها بشكل كامل، وفي أثناء بحثنا عن أيّ طعام يسد رمقنا، وجدنا علبًا معدنيةً خضراء اللون، وهي تشبه معلبات الطعام، فقام ابني بفتح واحدة منها بلهفة كي يسد رمقه". وحين فتح العلبة، لم تمضِ ثوانٍ حتى انفجرت العلبة، فأصيب ابني وابنتي بحروق في وجههم وأيديهم، وأصبت أنا بشظايا في ساقي وذراعي الأيمن".
وتوضح: "كنت أظنّ هذه المعلبات هدية من السماء، ولم نكن نعلم أنّ فتحها سيؤدي إلى هذه الكارثة، لم أصدق أنّ الطعام يمكن أن يتحول إلى قنبلة، لقد شعرت بأنّ الجوع يلاحقنا حتى بالموت، لم يكن أمامنا خيار سوى البحث عن طعام، لكنّ الاحتلال حوّله إلى مصيدة لقتلنا".
وتؤكد: "حاليًّا نواجه خيارين مريرين: إمّا الموت ببطء بسبب الجوع، وإمّا القتل الفوري بفعل الغذاء المفخخ، ونحن كمدنيين عُزّل ما زلنا ندفع ثمن هذه الحرب، بأجساد ممزقة وأرواح مكلومة".
تحوّل الطعام إلى قنبلة
ويقول صادق أبو الخير (52 عامًا) بحزن، وهو ما يزال يضع ضمادات على ذراعه المصابة: "فتح ابني علبة سردين معتقدًا أنّها ستسدّ جوعه وجوع إخوته، لكنّها انفجرت في وجهه، ومزقته أمام عينيّ، لم أكن أصدق أنّ جيش الاحتلال يمكن أن يصل إلى هذا المستوى من الوحشية، أن يحوّل الطعام إلى قنبلة".
ويضيف أبو الخير: "كنا نجمع ما تبقى من الطعام بعد انسحاب الجيش من جباليا شمال مدينة غزة، فوجدت صندوقًا يحتوي على معلبات سردين وفول ولحوم، وقد بدت طبيعية تمامًا".
ويوضح: "أعطيت ابني الأصغر (نور) العلبة لفتحها، وكان يضحك وهو يلوح بالعلبة كأنّها غنيمة، وبمجرد أن أدار الغطاء دوّى انفجار قوي، فسقط ابني غارقًا بدمائه، وأصبت بشظايا في ذراعي ووجهي وصدري. كنت فرحًا لأنني سأحضر المعلبات لأبنائي الذين ناموا بلا طعام، لكنّ هذه الفرحة لم تكتمل، فشعور الفقد في تلك اللحظة لا يوصف".
ويتابع: "ظننتها فرصة للنجاة من الجوع، لكنّي اكتشفت أنّها خطة مدروسة لإبادة من تبقى، هذه ليست حربًا فقط، إنّها لعبة موت يومية".
ويؤكد أبو الخير: "الجوع يقتلنا ببطء، والآن الطعام يقتلنا بسرعة، هذه أبشع صورة للحرب، أن يخبئوا الموت داخل لقمة أمل".
إصابات خطيرة
يقول الدكتور طارق الجدبة استشاري جراحة العظام بمستشفى العودة: إنّ "الإصابات التي استقبلناها غير مألوفة بالنسبة إلينا، والمعلبات كانت تحتوي على عبوات صغيرة شديدة الانفجار، مموهة بعناية لتبدو كغذاء طبيعي، فنحن نتعامل مع حالات بتر مزدوج، وتشوهات في الوجه، وهو أمر يترك ضحايا الحرب أحياء لكن بلا مستقبل".
ويضيف: "هذه الإصابات معقدة جدًا، فالشظايا صغيرة وحادة، وتخترق العظم بسهولة، وبعض المرضى سيبقون بعاهات دائمة. والمصاب الذي ينجو يبقى مشوّهًا، وبعضهم فقد القدرة على الأكل أو الإبصار، هذه إصابات مقصودة، وليست عرضية".
ويؤكد: "غالبية الضحايا كانوا من الأطفال والنساء، وهؤلاء لا يملكون خيارًا سوى تناول ما يجدونه من طعام".
ويوضح: "استهداف المدنيين الجائعين بهذا الشكل يُعدّ جريمة حرب، فاستخدام الغذاء كسلاح يمثل انتهاكًا صارخًا لكل الاتفاقيات الدولية".
وفي غزة، لم يعد الموت قادمًا فقط من السماء عبر الطائرات أو المدافع، بل أصبح متربصًا في أبسط تفاصيل الحياة، في علبة طعام يحلم بها طفل جائع، ومع كل حالة جديدة يتأكد أهل غزة أنّ الحرب تجاوزت حدود الميدان العسكري، لتستهدف موائد الفقراء، ولتحوّل طعامهم إلى سلاح فتاك.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B2%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%85%D8%A9_2.jpg.webp?itok=7T9tpnrN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862.png.webp?itok=F8cw3w5L)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_4.jpg.webp?itok=rN_Ib14P)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8_28.jpg.webp?itok=aMR9hvSn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_5.jpg.webp?itok=CIbgJEiC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D9%83%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86_36_1.jpg.webp?itok=vJ86eP42)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%A7%D9%83%D9%85%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=uYAh2XlL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_3.jpg.webp?itok=9EkLU3jn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_7.jpeg.webp?itok=9QV_qQWx)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%A7%D8%B5%D9%85%D8%AA%D8%A7%D9%86.jpg.webp?itok=Kmx-TQ6p)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D8%B7%D8%A7%D8%A8_18.jpg.webp?itok=meZYLOc6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%AF%D8%B3_8_0_1.jpg.webp?itok=JSyyab-4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_4.jpg.webp?itok=91IxGwMX)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%84%D9%86%D8%AF%D8%A7_0_0_0_4.jpg.webp?itok=wU2pyQNF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%85%D9%84%D8%A7%D8%AA.jpg.webp?itok=EF8Ij8Lu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86_187.jpg.webp?itok=QAnixC-j)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%88%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4.jpg.webp?itok=LEerTUOi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_20.png.webp?itok=1CULT9B4)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B2%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%A9.jpg.webp?itok=eJL206Uj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%B9%D8%A7%D8%A9_1.jpg.webp?itok=NeaibOcK)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%84%D9%81%D9%8A%D8%A9_7.jpg.webp?itok=vVaw-Zhl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%84%D9%86%D8%AF%D8%A71.jpg.webp?itok=uIWaxHOJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8_40_0_1.jpg.webp?itok=lu1dAWax)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_1_3.jpg.webp?itok=zyIAiQBd)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_2.jpg.webp?itok=eXdsNA4Z)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)
