هل تضع واشنطن الإخوان على لائحة الإرهاب؟ قراءة في المؤشرات والمسارات والعقبات

هل تضع واشنطن الإخوان على لائحة الإرهاب؟ قراءة في المؤشرات والمسارات والعقبات

هل تضع واشنطن الإخوان على لائحة الإرهاب؟ قراءة في المؤشرات والمسارات والعقبات


18/08/2025

تجدد في واشنطن خلال الأسابيع الأخيرة الحديث عن تصنيف جماعة الإخوان المسلمين تنظيماً إرهابياً أجنبياً. الشرارة جاءت من تصريحات مباشرة لوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو قال فيها إنّ الأمر قيد العمل، مع إشارته إلى تعقيدات تتعلق بتعدد فروع الإخوان وضرورة التعامل مع كل فرع على حدة وفق ملف أدلة مستقل. 

جاءت التصريحات في سياق دفع تشريعي متنامٍ داخل الكونغرس لإلزام الإدارة بالمضي في هذا المسار، وفي مناخ سياسي تعلو فيه نبرة مواجهة التنظيمات المرتبطة بالعنف أو الداعمة له فكرياً وتنظيمياً بعد تداعيات 7 تشرين الأول (أكتوبر)، وما تلاها في الإقليم. هذه اللحظة تبدو، شكليّاً، الأقرب منذ عقد لانتقال الملف من لغة الوعود إلى مسار إجرائي قابل للاختبار، لكن هل تكفي المؤشرات الحالية للوصول إلى قرار نهائي؟ وما الذي سيعنيه ذلك قانونيّاً وسياسيّاً؟

لماذا الآن؟ 

تتجسد القوة الدافعة في مسارين متوازيين: الأوّل سياسي-تنفيذي، تمثله تصريحات وزير الخارجية التي تفيد بأنّ التحضير جارٍ داخل الإدارة، وهو ما يعكس، على الأقل، فتح ملف على مستوى القرار وتبادل المذكرات بين الخارجية والعدل والخزانة. 

الثاني تشريعي، حيث قُدِّمت في مجلس النواب مشاريع قوانين تحمل عناوين صريحة، بينها قانون الإخوان منظمة إرهابية لعام 2025، ومقترحات تتسق مع توجهات مماثلة في مجلس الشيوخ. وتتمثل أهمية هذا المسار في أنّه لا يكتفي بالتعبير السياسي، بل يسعى لفرض التزام زمني وإجرائي على السلطة التنفيذية بموجب القانون، وهو ما يرفع كلفة التراجع لاحقاً.

وتشكّل البيئة الخطابية منابر ضغط إضافية: بيانات مؤيدين داخل القيادة الجمهورية في مجلس النواب تدفع نحو التعجيل، ووسائل أمريكية وإسرائيلية محافظة تغطي تصريحات الوزير بوصفها نقطة تحول، ورغم اختلاف القيمة المعرفية لهذه المنصات، إلا أنّها تكشف عن حالة اصطفاف سياسي تضع الملف على رأس أجندة مكافحة التطرّف في النسخة الراهنة من أولويات الإدارة والكونغرس.

ماذا يعني التصنيف في القانون الأمريكي؟

التصنيف المقصود هنا هو إدراج كيان ما ضمن لائحة المنظمات الإرهابية الأجنبية (FTO) وفق المادة 219 من قانون الهجرة والجنسية. ويستلزم ذلك: إثبات انخراط الكيان في نشاط إرهابي كما يعرّفه القانون، وأن يكون النشاط يهدد أمن مواطني الولايات المتحدة أو أمنها القومي، وبناء سجل إداري يتضمن أدلة قابلة للصمود أمام الطعون القضائية، ثم إخطار الكونغرس والنشر في السجل الفيدرالي.

تشمل آثار التصنيف تجريم تقديم الدعم المادي، وتجميد الأصول الواقعة تحت الولاية الأمريكية، وقيوداً صارمة على السفر والهجرة. وهذه معايير ثابتة لا يمكن القفز عليها بخطاب سياسي فقط.

هنا تبرز إشكالية الإخوان مقارنةً بكيانات هرمية واضحة: التنظيم شبكة فضفاضة عابرة للحدود بتنوعات قُطرية وتنظيمات واجهة ومؤسسات مجتمع مدني، بعضها قانوني يعمل داخل بيئات ديمقراطية، وبعضها الآخر متهم بالارتباط بالعنف صراحة أو بممارسة التحريض. لذا ترتكز المقاربة العملية، كما لمح الوزير، إلى تفكيك الهدف وتناول الفروع والواجهات بقرارات منفصلة بدل تصنيف الهيكل العالمي دفعة واحدة، وهذه المقاربة تقلل المخاطر القانونية، وتزيد فرص الصمود أمام القضاء.

العقبات: القانون والواقع والسياسة

رغم الزخم، ثمّة (3) عقبات رئيسة: أوّلاً عبء الإثبات: ستحتاج الخارجية إلى ملفات أدلة نوعية تُظهر علاقة مباشرة بين كل فرع مراد تصنيفه وبين نشاط إرهابي محدد. ووقائع من نوع الارتباطات العملياتية أو التمويل أو التحريض الذي يحمل علاقة سببية بالعنف، وقد سبق لواشنطن أن صنفت تنظيمات أو خلايا مرتبطة ببيئات الإخوان (مثل حسم ولواء الثورة ضمن قوائم جزاءات خاصة)، لكنّ نقل ذلك إلى FTO بفلسفته الصارمة مختلفٌ نوعيّاً.

ثانياً التعقيد المؤسسي والطعون: أيّ قرار شامل قد يفتح الباب أمام طعون منظمات حقوقية وخبراء حرّيات مدنية يرون في التصنيف الواسع خطراً على حرية التنظيم والتعبير، ويحاججون بأنّ الجماعة ليست كياناً موحداً، وهناك مراكز قانونية حذّرت، منذ نقاشات 2017، من آثار قد تطال جماعات ضغط ومساجد ومنظمات مجتمع مدني لا صلة لها بالعنف، وهذا الجدل سيتجدد بقوة إذا اتسع نطاق القرار.

ثالثاً النتائج غير المقصودة: مجموعات مسلمة أمريكية نبّهت بالفعل إلى خطورة تحويل الخلاف السياسي إلى تجريم شامل، وهاجمت تصريحات الوزير بوصفها تمهيداً لاستهداف منظمات محلية، وهو ما ينذر بموجات استقطاب قضائياً وإعلامياً داخل الولايات المتحدة نفسها، وهذه البيئة قد تُعقّد تطبيق القرار وتفتح جبهات نزاع قانونية مطولة.

مسارات مرجّحة: التجزئة الذكية بدل الشمول

أمام هذا المشهد، يُرجَّح أن تختار الإدارة مساراً تدريجياً تجزيئياً: أي استكمال تصنيف أو تعزيز جزاءات على فروع بعينها ثبت اقترانها بالعنف أو تقديم دعم مادي لتنظيمات مصنفة. في هذا السيناريو تُبنى ملفات أدلة مستقلة لكل حالة، ويُستفاد من زخم الكونغرس لتقليل كلفة القرار سياسيّاً، من دون مغامرة بتصنيف الهيكل العالمي الذي قد لا يصمد قضائيّاً. هذا المسار يتسق مع روحية تصريحات الوزير التي شددت على اختلاف الفروع والحاجة للتعامل معها كلّ فرع على حدة.

على الضفة المقابلة، يدفع بعض المشرّعين باتجاه نصوص تُلزم وزير الخارجية بتسمية الإخوان ككلّ خلال فترة زمنية محددة بعد إقرار القانون، أو توسيع تعريف الدعم بما يغلق الثغرات. لكن حتى لو مُرّرت هذه النصوص، فسيظل التنفيذ مقيّداً بمتطلبات الملفات الإثباتية وميزان المخاطر أمام القضاء الفيدرالي.

التداعيات الإقليمية والدولية

إقليميّاً، سيُقرأ أيّ تصنيف أمريكي، حتى لو كان تجزيئيّاً، كأكبر انتصار سياسي للدول التي سبق أن جرّمت التنظيم، وقد يخلق موجة اصطفاف تنظيميّاً في عواصم أوروبية حيث تتنامى مراجعات لعلاقة بعض الجمعيات بواجهات فكر الإخوان. 

الأثر الأهم سيكون على التمويل والمنظومات الشبكية العابرة للحدود: البنوك والجهات المانحة والمنظمات الخيرية ستعيد تقييم المخاطر القانونية، وسترتفع كلفة العمل الدعوي أو السياسي المرتبط بالشبكة، ولو مؤقتاً، إلى حين اتضاح نطاق القرار وحدوده. كما سيمنح التصنيف أدوات أشدّ لوزارة الخزانة في ملاحقة التحويلات والواجهات المالية. وبحكم النفوذ المالي والقانوني للنظام الأمريكي، سيرتدّ جزء من الأثر على أوروبا وكندا عبر البنوك المعرّضة لولاية الولايات المتحدة.

في المقابل، قد يدفع التصنيف، إن جاء شاملاً، باتجاه مظلومية دعائية توظفها منصات الإسلام السياسي، وتزيد من معدلات انتقال بعض الأطر الشبابية نحو تنظيمات أشد تطرفاً. ولهذا، تميل الأجهزة الأمريكية عادةً إلى موازنة الكلفة ـ المنفعة: تضييق الخناق على الفروع العنيفة، مع ترك هامش تعامل سياسي أو أمني مع واجهات لا تتورط في العنف مباشرةً، حتى لا يخسر صانع القرار أدوات الاختراق والاحتواء.

الخلاصة: احتمال واقعي… بحدود

المشهد الحالي يوحي بأنّ احتمال المضي في تصنيفات تتعلق بفروع محددة من شبكة الإخوان بات واقعيّاً خلال الدورة التشريعية الراهنة، بدعم خطاب الوزير وما بين يدي الكونغرس من مشاريع قوانين. لكنّ تصنيف الإخوان ككيان عالمي موحّد يظل أقلّ ترجيحاً لأسباب قانونية وبنيوية، إلا إذا قُدِّمت صيغة تشريعية دقيقة تُجزّئ الهدف وتمنح الخارجية هامشاً فنياً واسعاً في بناء الملفات وفق معايير الـFTO. وعليه، تبدو التجزئة الذكية بوابة القرار الأقرب: تعيين كيانات أو فروع بعينها، وربطها بأدلة عملياتية، ثم البناء تدريجياً على الأثر المالي والقانوني حتى تتبلور سوابق قضائية تدعم توسعاً لاحقاً، إن رأت الإدارة إليه سبيلاً.

في كل الأحوال، يبقى الامتحان الحقيقي داخل غرف القانون: ملف أدلة يَصمد، وعملية تصنيف تميز بين شبكات العنف وواجهات السياسة أو الدعوة، كي لا يتحول القرار إلى كرة نارية قضائيّاً، وكي يحقق غايته الأمنية دون تغذية سرديات الاستقطاب داخليّاً وخارجيّاً. وحتى تتضح وجهة التنفيذ، تُقرأ تصريحات الوزير بوصفها تعهداً سياسيّاً، لكنّها ليست ـ بعدـ قراراً منشوراً في السجل الفيدرالي.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية