طلاب الطب والأطباء الجدد في غزة... جيش مجهول لتضميد الجراح

طلاب الطب والأطباء الجدد في غزة... جيش مجهول لتضميد الجراح

طلاب الطب والأطباء الجدد في غزة... جيش مجهول لتضميد الجراح


17/08/2025

رغم القصف المتواصل، والدمار الذي حلّ بالمستشفيات والمرافق الصحية، خرجت وجوه شابة تحمل بإحدى يديها سمّاعة الطبيب، وبالأخرى ضمادات الأمل، هم طلاب الطب والأطباء الجدد، الذين تحولوا من مقاعد الدراسة إلى ساحات الإسعاف الميداني، يجسّدون بطولات صامتة في شوارع غزة المشتعلة.

ورغم نقص الخبرة، وانعدام الموارد، والخطر المحدق، تحوّل هؤلاء الشباب إلى جنود مجهولين في معركة إنقاذ الأرواح، يعملون بلا توقف ولا حماية.

ومنذ السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023، دمرت إسرائيل (34) مستشفى من أصل (38)، منها حكومية وأهلية، وبقيت (4) مستشفيات فقط تعمل بقدرة محدودة رغم تضررها، وسط نقص حاد بالأدوية والمعدات الطبية، حسب إحصائية للمكتب الإعلامي الحكومي بغزة.

كما أخرجت الغارات الإسرائيلية (80) مركزًا صحيًا من الخدمة بشكل كامل، إلى جانب تدمير (162) مؤسسة طبية أخرى.

ولم تسلم سيارات الإسعاف من الاستهداف الإسرائيلي، فقد دُمّرت (136) سيارة، ممّا أدى إلى شلل كبير بقدرة الطواقم الطبية على الاستجابة لحالات الطوارئ.

وتعرّضت الكوادر الطبية في غزة لاستهداف مباشر، ووثق المكتب الإعلامي الحكومي استشهاد (331) من العاملين في القطاع الصحي، بينهم (3) أعدموا داخل السجون الإسرائيلية.

من قاعة المحاضرات إلى غرفة العمليات

نور الأيوبي طالبة في السنة الخامسة بكليّة الطب، لم تتردد لحظة في الاستجابة لنداء الطوارئ بعد قصف مستشفى الشفاء، وتقول لـ (حفريات): "عندما انهار النظام الصحي كليًّا، أدركت أنّ الوقت ليس للمشاهدة، وبدأت بالمساعدة في فرز الحالات، وتنظيف الجروح، وفي بعض الأحيان كنت أضغط على الشرايين النازفة بيدي لساعات".

نور تعمل حاليًا في خيمة طبية مؤقتة نُصبت بجوار مستشفى ناصر، وتؤكد أنّ ما تراه يوميًا "أبعد من قدرة الإنسان على الاحتمال".

قالت نور (23 عامًا): "لم يكن أمامي خيار، قمت بإجراء عمليات جراحية كبرى لأكثر من (11) مصابًا في يوم واحد، من بينهم طفل فقد ساقه، لم يكن هناك طبيب متخصص، أنا أصغر الموجودين، فكنت الطبيب والجرّاح والمُسكّن".

 وأوضحت: "أنا لست طبيبة بعد، لكنّي وجدت نفسي أعالج جرحى حرب، أعمل ساعات طويلة بلا أدوات مناسبة، قبل عدة أيام اضطررت لبتر إصبع شاب دون تخدير كامل، لأنّ الكهرباء مقطوعة".  

وأضافت: "كان الشاب يبكي من الألم، وأنا كنت أبكي معه من داخلي، لكنّي أخفيت دموعي".

وأكدت: "معظم أقراني يعملون الآن ميدانيًّا بعد تدمير غالبية المستشفيات، نحن جيل تعلم الطب من الميدان، من الجراح، من الدم، من الألم، وليس من قاعات المحاضرات".

أطباء بلا خبرة... بمهام جراحية

الدكتور سيد صافي (24 عامًا)، أنهى امتيازه قبل شهرين فقط، وكان يستعد لتقديم امتحان مزاولة المهنة، إلا أنّه وجد نفسه فجأة مسؤولًا عن غرفة عمليات ميدانية في مستشفى العودة بغزة.

يقول صافي لـ (حفريات) :"لم أتخيل أنني سأرى ما درسته يمزق أمامي بهذا الشكل، كل ما تعلمناه عن التعامل مع الجروح والكسور أصبح تجربة حية، لكن أكثر قسوة من أيّ كتاب".

وأضاف: "لم أكن أتوقع أن أبدأ مهنتي بهذه الطريقة، ومنذ اللحظة الأولى لم يكن هناك تدريب ولا توجيه، فقط دماء وصراخ ومصابون بحاجة إلينا".

وأوضح صافي: "في الأسبوع الأول أجريت عمليات جراحية صغرى ومتوسطة لـ (23) جريحًا، بينهم طفل مصاب بشظايا في الوجه، كنت أرتجف، لكن لم يكن هناك أحد غيري".

وأكد: "الصدمة لا تبدأ من الإصابات فقط، بل من العجز أمامها، أحيانًا نقف عاجزين، فهناك مصابون ينزفون، ولا نملك أكياس دم، نضطر للاعتماد على خبرة بسيطة تلقيناها أثناء الامتياز، بعض زملائنا توفوا أثناء عملهم بسبب قصف مباشر أو إصابة".

وتابع صافي: "كل يوم نبدأه دون ضمان أن نعود سالمين، لكننا نكمل، لأنّ البديل هو موت المصابين دون أيّ محاولة إنقاذ، وقبل عدة أيام استقبل المستشفى (80) إصابة على إثر قصف إسرائيلي لمنازل المدنيين، بينهم عائلة كاملة نجت من قصف منزلها، كنت أساعد في التنفس اليدوي لطفلة عمرها ثلاث سنوات فقدت والديها، كانت تنظر إليّ بخوف، وأنا لا أملك إلا أن أمسح دموعها وأكمل".

وختم صافي حديثه: "أنا طبيب متدرب، لكنّ الحرب جعلتني أواجه أسئلة الطب والإنسانية في آنٍ واحد، كنت أعدّ الشهداء كل ليلة، وقلبي ينهار بصمت".

طالب امتياز على خط النار

يقول سالم جابر (24 عامًا) الذي أنهى امتيازه قبل الحرب بأيام، ووجد نفسه فجأة ضمن طاقم طبي يقاتل من أجل إنقاذ الأرواح تحت النار: "لم أكن أتخيل أنّ أوّل عملية جراحية لي ستكون لطفل عمره (8) أعوام، دون إشراف مباشر، ودون تخدير كافٍ."

جابر أنهى فترة الامتياز مباشرة قبل الحرب، ومن ثمّ تطوع فورًا للعمل في مستشفى الشفاء رغم عدم حصوله على تصريح مزاولة المهنة، حيث واجه مئات الحالات الحرجة دون خبرة كافية.

وأوضح: "لا يوجد تخدير كافٍ، ولا تعقيم، فقط نحن وبعض الأدوات، وشلال من الإصابات لا يتوقف. وهذه المرة الأولى التي أستخدم فيها مشرطًا لم تكن في التدريب، بل في بتر ساق طفلة عمرها (9) أعوام، ولم أكن مستعدًا نفسيًّا، ولو أنّني لم أفعل ذلك، فإنّها كانت ستموت بين يدي". 

وأضاف جابر: "لم يتواجد أيّ جراح في تلك اللحظة، فنظرت إلى زميلي، وقررنا البدء بإجراء العملية، وبعد العملية بكيت (3) ساعات، إلا أنني كنت مضطرًا لإجرائها لكي يتم إنقاذ الطفلة".

وتابع: "كنت أحلم أن أصبح طبيب أطفال، لكنّي الآن أعمل مع كبار السن، والجرحى، والناجين من المجازر، لم أعد أفكر في التخصص، فقط أريد معالجة أكبر عدد ممكن المرضى والمصابين".

وأكد جابر: "نعيش كل يوم بين الحياة والموت، لا ننام ولا نأكل إلا قليلًا، في يوم من الأيام أكلنا التمر فقط، لأنّ كل الإمدادات انقطعت قبل فترة وجيزة، وبات الحصول على الطعام أمرًا صعبًا".

مخاطر العمل... بلا حماية

يرى الدكتور باسل نبهان استشاري جراحة العظام بمستشفى العودة خلال حديثه لـ (حفريات) أنّ "معظم من يعملون حاليًّا في الميدان هم من الطلاب والأطباء الجدد الذين لم يتلقوا تدريبًا كافيًا على ظروف الطوارئ أو التعامل مع الإصابات البالغة".

وأضاف نبهان: "هؤلاء الطلاب يخوضون تدريبًا واقعيًا قاسيًا جدًا، لا يمرّ به أيّ طبيب في العالم، حيث يتعلمون في بيئة عدوانية وخطرة وغير مجهزة".

وأوضح: "يتحرك هؤلاء الجنود المجهولون في ظل نقص في كلّ شيء، من الشاش والمضادات، إلى الكهرباء والماء، ومع ذلك هم العمود الفقري للبقاء".

وأكد نبهان أنّ "الجيل الجديد من الأطباء يشكّل صمام الأمان الأخير لما تبقى من الخدمات الصحية، مضيفًا: "هؤلاء الشباب بحاجة إلى دعم عاجل، فهم يعملون بروح تضحية عالية، لكن لا يمكن استمرارهم بهذه الطريقة دون انهيار نفسي وبدني قريب".

وفي ظل حرب لم ترحم أحدًا، وقف طلاب الطب والأطباء الجدد على خط النار، دون خبرة كافية أو حماية، لكن بقلوب أقوى من الخوف، وإرادة لا تُهزم، هؤلاء هم الجنود المجهولون الذين لم تذكرهم نشرات الأخبار، لكنّهم نقشوا أسماءهم في ذاكرة الناجين.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية