الإخوان المسلمون في أوروبا: تحديات الأمن والاستقرار في مواجهة التغلغل

الإخوان المسلمون في أوروبا: تحديات الأمن والاستقرار في مواجهة التغلغل

الإخوان المسلمون في أوروبا: تحديات الأمن والاستقرار في مواجهة التغلغل


06/08/2025

تشهد أوروبا خلال السنوات الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في حضور جماعة الإخوان المسلمين، التي تعتبر من أقدم وأبرز الحركات الإسلامية السياسية في العالم، ورغم أن الجماعة تتبع في نشاطها أساليب التغلغل الناعم، إلا أن مخاطر تأثيرها على الأمن والاستقرار الأوروبي تتزايد بشكل مستمر، ما دفع الحكومات ومراكز البحث إلى متابعة نشاطاتها وتحليل أبعادها.

وقد أظهرت تطورات عدة أن الإخوان المسلمين يستخدمون شبكة واسعة من الجمعيات والمدارس والمؤسسات، مستفيدين من الحريات الديمقراطية في أوروبا، لاستهداف فئات جديدة، وخلق بيئات موازية تفرّق بين مكونات المجتمع الواحد.

في هذا الإطار، تناولت دراسة للمركز الأوروبي لدراسة مكافحة الإرهاب والاستخبارات، بعنوان: "الإخوان المسلمون ـ كيف تمثل تهديدًا لأمن واستقرار أوروبا؟"، أبرز مظاهر التغلغل الإخواني وأدواته في القارة العجوز، مع تقييم للتحديات الأمنية والردود الحكومية.

تغلغل جماعة الإخوان المسلمين في فرنسا

أكدت الدراسة أن فرنسا تشكل إحدى أكثر الدول الأوروبية تأثرًا بحضور جماعة الإخوان المسلمين، حيث أظهرت الدراسة أن الجماعة تدير شبكة واسعة من المساجد، الجمعيات، والمدارس التي تنشط في مجال التعليم والدعوة. يتجاوز عدد هذه المؤسسات المئات، وهو ما منحها قوة تنظيمية كبيرة داخل الجاليات المسلمة.

وقد استُغلت الحريات الدينية والقانونية في فرنسا لتأسيس بنية تحتية اجتماعية قوية، تخدم أهداف الجماعة في نشر خطابها الفكري والسياسي، مع ما يرافق ذلك من دعم لتيارات متشددة داخل المجتمع المسلم.

وتسعى الجماعة إلى تعزيز خطابها عبر توفير خدمات اجتماعية وثقافية، ما يُكسبها قاعدة شعبية، لكنه في الوقت ذاته يعزز من حالة الانعزال والتباعد مع القيم الجمهورية والعلمانية الفرنسية، حسب الدراسة.

الولايات المتحدة تسعى لتصنيف جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية

في الوقت الذي تكثف فيه دول أوروبية مراقبة أنشطة الإخوان، تسعى الولايات المتحدة إلى اتخاذ موقف أكثر حزماً، حيث تعمل إدارة الرئيس على تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية أجنبية.

ويأتي هذا المسعى في ظل إدراك أمريكي متزايد لارتباط الجماعة بشبكات تمويل وأفكار متطرفة، تؤدي إلى تغذية الإرهاب على مستوى عالمي.

ورغم المقاومة السياسية والقانونية التي تواجه هذه الخطوة، فإن الولايات المتحدة تعتبر تصنيف الجماعة خطوة ضرورية للحد من نشاطاتها، ومنع استغلال الحريات المدنية في تغطية التغلغل الأيديولوجي والتنظيمي.

ويبرز هذا الجهد كجزء من سياسة دولية متكاملة تستهدف مواجهة التنظيمات التي تروج للتطرف والإرهاب بشكل غير مباشر، حسب الدراسة.

جماعة الإخوان المسلمين تدير شبكة سرية في أوروبا

تشير الدراسة إلى أن جماعة الإخوان تدير في أوروبا شبكة سرية من المنظمات والمراكز الثقافية والاجتماعية، التي تعمل كواجهات لتنفيذ أجندتها السياسية والفكرية.

وتتسم هذه الشبكة بالتنسيق المحكم، واستخدام موارد مالية ضخمة موجهة لتمويل مدارس وجمعيات دينية، إضافة إلى نشاطات إعلامية رقمية تروج لفكر الجماعة.

كما أن الجماعة تعتمد على قادة محليين ذوي خبرة في التنقل بين البيئات القانونية المختلفة لاستغلال الثغرات، مما يتيح لها مواصلة التوسع تحت أنظار الأجهزة الأمنية الأوروبية.

تُعدّ هذه الشبكة إحدى الأدوات الأساسية التي تضمن للجماعة استمرارية نفوذها وتجنيد أعداد كبيرة من الشباب ضمن أجواء مغلقة ومحصنة، حسب الدراسة.

تحذيرات استخباراتية أوروبية من خطر الإخوان

سلطت الأجهزة الأمنية والاستخباراتية في أوروبا الضوء على خطورة نشاطات الإخوان، مع تحذيرات متكررة من أن الجماعة تشكل تهديدًا على الأمن القومي الأوروبي.

وتشدد التقارير على أن الجماعة تستخدم غطاء العمل الخيري والثقافي لبناء قاعدة اجتماعية واسعة، تتجنب المواجهة المباشرة مع القانون، لكنها تسعى إلى التأثير في السياسات العامة والمجتمع المدني.

وحذرت هذه الأجهزة من أن صمت أو ضعف رد الفعل الحكومي قد يؤدي إلى تمدد الجماعة وتزايد نفوذها، ما يزيد من فرص تحوّل بعض أتباعها إلى التطرف العنيف مستقبلاً.

وبناءً على هذه التقييمات، دعت الدول الأوروبية إلى تعزيز التشريعات الأمنية، وتنسيق الجهود الاستخباراتية لمراقبة وتمييز الأنشطة المشبوهة ضمن بيئة الحرية والديمقراطية، حسب الدراسة.

تحركات أوروبية لمكافحة التغلغل

شهدت السنوات الأخيرة تصاعدًا في التحركات الأوروبية الرامية إلى مواجهة التغلغل المتزايد لجماعة الإخوان المسلمين داخل القارة. اتخذت عدة دول، مثل فرنسا وألمانيا والنمسا، خطوات قانونية وأمنية ملموسة، حيث أُغلقت جمعيات ومدارس مرتبطة بالجماعة، وتم فرض قيود على التمويل الخارجي الموجه لهذه المؤسسات.

في فرنسا، أطلقت السلطات حملات مكثفة لإغلاق مؤسسات تديرها الجماعة، مثل الجمعيات الخيرية ومدارس التعليم الديني، ضمن إطار "مكافحة الإسلام السياسي"، مع إلغاء تراخيص عدة جمعيات على خلفية دعمها لأفكار متطرفة، بحسب تقرير "هيومن رايتس ووتش" (2023). وفي ألمانيا، بدأت الحكومة تشديد الرقابة المالية على الجمعيات الإسلامية المرتبطة بالإخوان، ومنعت التمويل الأجنبي غير المصرح به، في خطوة لتعطيل قدرة الجماعة على التوسع، وفقًا لتقارير وزارة الداخلية الألمانية (2024).

كما سعت الدول الأوروبية لتعزيز التعاون الاستخباراتي عبر إنشاء آليات مشتركة لتبادل المعلومات ورصد أنشطة الجماعة، مع التركيز على تمويل الإرهاب وغسل الأموال، إذ أشار تقرير وكالة الاستخبارات الأوروبية "يوروبول" (2023) إلى أن الجماعة تستغل شبكات مالية معقدة لتغطية نشاطاتها. ويتزامن هذا مع جهود تعزيز التشريعات المتعلقة بمكافحة التطرف والتجنيد داخل المجتمعات المسلمة، مع احترام الحريات الأساسية.

تظهر هذه التحركات جديّة أوروبا في مواجهة ظاهرة التغلغل الناعم للإخوان، لكنها تواجه تحديات مرتبطة بحماية الحقوق المدنية، مما يتطلب موازنة دقيقة بين الأمن وحرية التعبير، كما يؤكد مركز "مراقبة الإرهاب والدراسات السياسية الأوروبية" في تقريره الأخير (2024).

العلاقة بين الإخوان وتنظيمات متطرفة

ترتبط جماعة الإخوان المسلمين بعلاقات أيديولوجية وتنظيمية مع عدد من الجماعات والتنظيمات الإسلامية المتطرفة، ما يجعلها جزءًا من شبكة أوسع من التيارات التي تشكل تحديًا أمنيًا دوليًا.

وبحسب دراسة مركز "جيمس تاون" الأمريكي (2023)، فإن الإخوان يشاركون في عمليات استقطاب وتجنيد داخل أوساط الشباب المسلم، ويعملون على توفير غطاء فكري وسياسي لبعض المجموعات التي تميل إلى التطرف العنيف.

ورغم أن الإخوان يحرصون على إبراز صورتهم كتنظيم سياسي معتدل، إلا أن الباحثين الأمنيين يعتقدون أن أفكارهم الأصولية تمهد لبيئة خصبة لتطوّر خطاب متطرف.

كما تبرز تقارير الأمن الأوروبي (يوروبول 2023، وكاونتر تيروريسم أونلاين 2024) أن هناك تبادلات مالية وتنظيمية بين الإخوان وبعض التنظيمات الإرهابية، مثل القاعدة وداعش، في مناطق عدة، مما يشكل قلقًا أمنيًا متزايدًا.

كذلك، تسعى الجماعة إلى دمج مجموعات متشددة داخل هيكلها التنظيمي، مما يزيد من تعقيد ملاحقتها الأمنية. يشير تقرير معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS 2024) إلى أن هذا التكامل بين التيارات المعتدلة والمتطرفة يمثل تحديًا في التمييز القانوني والأمني، ويؤثر على فاعلية السياسات الأوروبية لمكافحة الإرهاب.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية