النزعة الوصائية... لماذا يخاطب بعض الدعاة الناس من علٍ؟

النزعة الوصائية... لماذا يخاطب بعض الدعاة الناس من علٍ؟

النزعة الوصائية... لماذا يخاطب بعض الدعاة الناس من علٍ؟


16/12/2025

تتعدد صور وأنماط الخطاب الديني بتعدد منتجي ذلك الخطاب، فما بين خطاب خاص بالمؤسسة الدينية الرسمية بمكوناتها المختلفة، وآخر خاص بالمؤسسة غير الرسمية التي تضم تحتها العديد من التنظيمات والجماعات والتيارات المختلفة؛ يتنوع الخطاب الديني وتختلف سماته وتأثيره على المتلقي.

ومن بين أنماط ذلك الخطاب نمط يحمل نزعة وصائية تتمثل في محاولة لفرض رؤى وآراء معينة على المتلقي باعتبار أنّها تمثل الحق المطلق، وهذا النمط كانت له آثار سلبية على شريحة من متلقي الخطاب؛ كان لها دور في وجود ردّ فعل تجاه الخطاب وتجاه التدين وفي بعض الأحوال تجاه الدين ذاته، فما هي سمات الخطاب ذي النزعة الوصائية، وما أسبابه، وأبرز نتائجه وآثاره على المتلقي؟

الخطاب الديني يتنوع بحسب منتجيه، بين الرسمي وغير الرسمي، ولكل منهما سماته وتأثيره المختلف على المتلقي

من بين السمات المميزة لذلك الخطاب أنّه يعتمد على أسلوب الأمر والنهي بشكل كبير، والحرص على إلزام المتلقي بما يراه الداعية أو الخطيب أنّه الحق والصواب المطلق، وعدم السعي إلى مجرد تقديم النصيحة أو إرشاد المتلقي بشكل هادئ، لكنّه في الغالب يكون بأسلوب حاد وأحيانًا في صورة سخرية ممّن لا يلتزم بما يعتقد الداعية أنّه الحق، كما يتسم الخطاب بأنّه يعتمد بصورة أكبر على الترهيب وترسيخ الخوف في نفس المتلقي، وأحيانًا يكون بشكل مبالغ فيه في التحريم والمنع تجاه العديد من الممارسات والسلوكيات التي ربما لا تكون محرمة في ذاتها، ولكن يُخشى منها، من وجهة نظر الداعية، أن تؤدي إلى فعل المحرم، ويأتي ذلك نتيجة اعتقاد بأنّ هذا الأسلوب يجعل الأفراد ملتزمين أكثر بالأوامر والتعليمات الدينية، ويتسم الخطاب كذلك بأنّه أسير لفكرة الثنائيات؛ الحق/ الباطل، الصواب/ الخطأ، المقدس/ المدنس، الأنا/ الآخر، إلى غير ذلك من ثنائيات تحكم العقل وتظهر في الخطاب الذي لا يقدّم عددًا من الخيارات الممكنة للفرد أو يقدم له التنوعات الموجودة في الفقه والتي تسمح له باختيار الأنسب، ولكنّه يعتمد على رأي واحد وقول واحد يعمل على إلزام المتلقي به.

أحد أنماط الخطاب يحمل نزعة وصائية تسعى لفرض الآراء على الناس باعتبارها تمثل الحق المطلق ولا تقبل النقاش

وتعود أسباب ذلك الخطاب إلى أنّه ينطلق من فكرة امتلاك الحق المطلق والشعور بالتمايز تجاه الآخرين الذين لا يراهم الخطيب أو الداعية ملتزمين بالمنطلقات والأفكار والمعتقدات نفسها الراسخة عنده، ويرى أصحاب ذلك النمط من الخطاب أنّهم وحدهم الذين يحتكرون المعرفة الدينية، وأنّهم وحدهم من يملكون مفاتيح الفهم الصحيح للنص الديني وللمراد الإلهي وأنّهم وكلاء الله في الأرض، الأمر الذي يمنحهم شعورًا داخليًا بالنقاء والاصطفاء، يُنتج بدوره شعورًا بالاستعلاء تجاه الآخرين.

يتسم هذا الخطاب بالأمر والنهي الحاد، والترهيب، والسخرية من المخالفين، مع ميل إلى التحريم الزائد على الحد

ويترتب على ذلك الخطاب، ومن خلال الملاحظة لعدد من النماذج التي كان لها ردّ فعل تجاهه، الشعور الدائم بالذنب بشكل عام، والإحساس بأنّ كل شيء في الحياة مُحرَّم وممنوع، ومحاط بسياج من الشبهات يحول دون القدرة على الاستمتاع به، ويكون من الأفضل الابتعاد عنه خشية الوقوع في دائرة التحريم؛ وهذا أدى في بعض الحالات إلى رغبة الفرد في الابتعاد عن تلك الدائرة بشكل كبير من أجل الرغبة في التخلص من شعور الذنب الدائم، ومن تلك النماذج من ابتعد عن دائرة التدين أو اختار نمطًا من التدين يتسم بالفردية والابتعاد عن أيّ التزام بمرجعية أو ارتباط  بمؤسسة، ومنهم من ابتعد عن دائرة الدين بالكليّة وتحول رفضه لذلك النمط من الخطاب ومن الدعاة الذين ينتجونه إلى رفض الدين ذاته كنوع من ردّ الفعل تجاه الآثار التي تركها الخطاب عليه، ومن تلك النماذج من ظل يعاني لأعوام من آثار نفسية كبيرة نتيجة التأثر بذلك الخطاب، ودخل في دائرة من الحيرة والشك وعدم القدرة على الاندماج بشكل طبيعي في الحياة كإنسان يحمل بداخله الخير والشر، وله جوانب سلبية وأخرى إيجابية، يعترف بالخطأ ويتقبله ويعمل على معالجة عيوبه بشكل مستمر، دون شعور دائم بالذنب، أو عزلة تفقده القدرة على الاندماج.     

يعتمد الخطاب الوصائي على الثنائيات الحادة مثل الحق والباطل، ويُلزم المتلقي برأي واحد دون الاعتراف بالتنوع الفقهي

وتعليقًا على هذا الأمر يقول الباحث الأستاذ سامح عسكر: إنّ الجزء الأكبر للنزعة الأحادية الوصائية للخطاب السلفي يتمثل في (3) عوامل؛ العامل الأول هو عقيدة الفرقة الناجية، وهي التي تدفع السلفي لخطاب الاستعلاء بالنجاة الفردية، وأنّ الآخر محكوم عليه مسبقًا بالخلود في النار، وهذه العقيدة هي محرك نفسي وعقائدي وسياسي كبير تدفع صاحبها للاعتقاد بالدونية وكراهية الآخر بمجرد الانتماء، والعامل الثاني هو عقيدة الولاء والبراء، وبرغم أنّ مصدرها القرآني مخصوص بأحداث سياسية في زمن الرسول، ومقصود بها جماعات مشركة حاربت الدعوة؛ إلا أنّ إطلاق النص القرآني في العصر العباسي والقول بقدمه مع الذات الإلهية، أدى إلى تعميم نصوص الولاء والبراء في شتى المجالات الدينية والسياسية والاجتماعية (في الزمكان)، وبجهود دعاة السلفية تم تفسير الولاء على أنّه ولاء للجماعة المؤمنة التي هي الفرقة الناجية، والتي تعني عندهم جماعة السلفية المقصودة وشيخها، والبراء من كل من يخالف السلفية وآراءها حتى لو كانوا سلفيين من أتباع شيخ آخر، والعامل الثالث هو الخلط بين الأمّة والسلطة والجماعة، فالخيرية الأممية عند السلفي هي في السلطة التي تحكمه وفي الجماعة التي تؤويه، هنا تم تضييق مفهوم الأمّة الإسلامية للغاية في عدد محدود وسلطة محدودة، وكما حدث في السابق، فالدعاة السلفيون المتعصبون الذين استخدموا كافة أدوات الخوارج في التكفير، هم الذين نشروا هذا الخلط الذي أدى إلى شيوع التكفير بشكل مبالغ فيه لم يوجد في التاريخ الإسلامي سابقًا بهذا الحجم.

من الآثار السلبية لهذا الخطاب الحيرة والشك، وصعوبة الاندماج الطبيعي في الحياة نتيجة تضخيم الشعور بالذنب
 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية