تصعيد جديد ضد الإخوان في فرنسا: تاريخ التساهل مع الإسلام السياسي يوشك على نهايته

تصعيد جديد ضد الإخوان في فرنسا: تاريخ التساهل مع الإسلام السياسي يوشك على نهايته

تصعيد جديد ضد الإخوان في فرنسا: تاريخ التساهل مع الإسلام السياسي يوشك على نهايته


14/07/2025

مع إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إجراءاته الجديدة ضد جماعة الإخوان، المصنفة على قوائم الإرهاب في عدد من البلدان العريية، تتكشف الاستراتيجية الرامية إلى تقويض الجماعة الأم للإسلام السياسي، التي تستهدف تصفية وإنهاء نفوذ الشبكات المالية والمؤسسات المتغلغلة في المجتمع الفرنسي، سواء كانت المدارس أو المساجد أو الجمعيات التنموية، وهي جميعها عبارة عن جيوب تتشكل بداخلها العناصر المتطرفة، لإعدادهم تنظيمياً باتجاه معاداة قيم "الجمهورية"، ورفض المبادئ الديمقراطية، فضلاً عن رفض الاندماج وتعميم الهويات المنغلقة والصدام الحضاري بدعاوى إيديولوجية متشددة. ولهذا تعتمد استراتيجية ماكرون على توسيع العقوبات المالية والإدارية، لتشمل مصادر الدعم والتمويل الخارجيين، ومنها التبرعات، مثلاً، ووسائط تبييض الأموال الخفية. 

حزمة جديدة من الإجراءات

اللافت أنّ فرنسا بصدد مشروع قانون جديد من المزمع إقراره قبل نهاية العام الحالي، يتضمن حزمة من الإجراءات المرتبطة بضبط نشاط الإخوان، وتقويض نفوذهم المالي. جاءت هذه الإجراءات عقب ترؤس ماكرون اجتماع مجلس الدفاع والأمن القومي، وهو الثاني من نوعه هذا العام، الذي ناقش تقريراً حكومياً سرّياً جرى تسريبه مؤخراً، ويتضمن معطيات وُصفت بـ "الخطيرة" حول تغلغل جماعة الإخوان في بعض مفاصل المجتمع الفرنسي تحت غطاء جمعيات ثقافية وخيرية، وفق (سكاي نيوز). وقال ماكرون خلال مؤتمر صحفي: "إنّ الهدف من الإجراءات الجديدة هو تعزيز أدوات الدولة في مكافحة التطرف والانفصالية، وتصفية الكيانات التي تستخدم القوانين الفرنسية كغطاء لنشر إيديولوجيا مناهضة لقيم الجمهورية".

فرنسا تسعى لتقويض نفوذ جماعة الإخوان عبر تصفية شبكاتها المالية والمؤسسات المتغلغلة في المجتمع الفرنسي مثل المدارس والمساجد والجمعيات.

 

وأعلن الرئيس الفرنسي بعض الأدوات الجديدة لتجفيف تمويل جماعة الإخوان المسلمين؛ منها: "توسيع نطاق تجميد الأموال والمساهمات المالية الموجهة إلى جمعيات مرتبطة بالإخوان، واستحداث آليات إدارية وقضائية لتصفية أصول الكيانات المنحلة، بما فيها صناديق الأوقاف، وفرض غرامات يومية على الجمعيات التي تخرق "عقد الالتزام الجمهوري"، وإعداد مشروع قانون جديد لمكافحة الانفصالية، يُتوقع أن يكون جاهزاً قبل نهاية الصيف، وتعزيز رقابة المحتوى عبر تمديد آجال التقادم بشأن المنشورات التي تحرض على التمييز أو العنف، والتحوّل من المواجهة الأمنية إلى الفكرية".

مواجهة شاملة وحتمية

ليس ثمة شك أنّ باريس أمام مواجهة شاملة مع الإسلام السياسي، وإنهاء أدوارها المشبوهة وغير المعلنة تحت غطاء الجمعيات الثقافية والدينية، لا سيّما أنّ تهديدات هذه القوى باتت تمسّ الأمن القومي. فجماعة الإخوان تستفيد من بنية ناعمة معقدة عبر شبكات من الجمعيات والمساجد والمدارس، الأمر الذي أسهم في تغلغلها داخل المجتمع الفرنسي، خاصة في الضواحي، وقد ركزت على استقطاب وتعبئة الشباب والمراهقين، فضلاً عن استغلال الهامش الاجتماعي لترويج وتعميم أفكارها الإيديولوجية والسياسية التي تقف على النقيض من قيم الجمهورية والعلمانية.

استراتيجية ماكرون ترتكز على توسيع العقوبات لتشمل مصادر التمويل الخارجي ووسائط تبييض الأموال وفرض غرامات على الجمعيات المخالفة.

 

وتشير التقارير الاستخباراية الفرنسية، مؤخراً، إلى أنّ الجماعة لم تعد مجرد كيان دعوي، بل أصبحت حركة منظمة ذات أهداف سياسية بعيدة المدى، تسعى لفرض نموذج مجتمعي موازٍ لفرنسا العلمانية. ومنذ بداية العام الماضي صعّدت وزارة الداخلية الفرنسية عمليات التفكيك القانوني والتنظيمي لبنية الإخوان، عبر حلّ الجمعيات المرتبطة بهم، وإغلاق المراكز التي يستخدمونها واجهات للتجنيد العقائدي. فأكثر من (20) جمعية تم حلها، بينها مؤسسات معروفة مثل "بركة سيتي"، والأمر ذاته بالنسبة إلى المساجد والمراكز الدعوية، فضلاً عن الأئمة، فقد باشرت الحكومة في مراقبة وتتبع ورصد مصادر وأنماط التطرف، وكذا خطاب الكراهية، لمنع الأشكال التي تحض على التحريض والانعزالية والعنف والولاء لأطراف وقوى خارجية متشددة. فأُغلقت بقرارات إدارية حازمة أكثر من (40) مسجداً منذ عام 2023، والمراقبة تشمل اليوم ما يزيد عن (90) منشأة دينية. كما تم فرض قيود صارمة على التمويلات الخارجية، لا سيّما تلك القادمة من قطر وتركيا، اللتين تُتهمان بتغذية تيارات الإسلام السياسي داخل أوروبا.

مشروع قانون جديد قيد الإعداد في فرنسا يهدف إلى تعزيز أدوات الدولة لمحاربة التطرف والانفصالية وتجفيف تمويل الكيانات المرتبطة بالإخوان.

 

وأعلنت الحكومة الفرنسية حل جمعية "باراكاسيتي"، مؤخراً، التي أسسها إدريس سيهاميدي، متهمة إيّاها بنشر خطاب متطرف وتبرير العنف باسم العمل الإنساني، وذلك ضمن مسار سياسي وأمني صارم يستهدف ما وصفه الإليزيه بـ "الانعزالية الإسلاموية"، ويشير موقع (العين الإخبارية) إلى أنّ السلطات الفرنسية اعتبرت الجمعية واجهة ناعمة لتنظيم الإخوان المسلمين، وتعمل على توجيه الأموال والنشاط الخيري لخدمة مشروع إيديولوجي موازٍ لقيم الجمهورية، وقد تم تفعيل قرار الحل بناء على تقارير أمنية ومعطيات جمعتها أجهزة الرقابة حول مسارات التمويل والخطاب الإعلامي المرتبط بالجمعية. حيث إنّ الجمعية التي تأسست عام 2008 قد خضعت لملاحقات قضائية منذ أعوام، وشهدت تجميداً لأصولها المالية منذ عام 2022، بموجب قانون مكافحة تمويل الإرهاب. وتم إدراج مؤسسها إدريس سيهاميدي على قائمة المراقبة، عقب سلسلة من التصريحات العدائية تجاه الدولة الفرنسية، وطلبه اللجوء السياسي إلى تركيا بعد حل الجمعية رسمياً.

ماكرون أعلن تجميد أموال الجمعيات المرتبطة بالإخوان واستحداث آليات قانونية لتصفية أصول الكيانات المنحلة وتعزيز رقابة المحتوى الإعلامي.

 

وتوضح السلطات الفرنسية أنّ قرار الحل يأتي في إطار رؤية متكاملة تستهدف حماية الأمن الداخلي من الاختراقات الفكرية والتنظيمية التي تسعى إلى استغلال المساجد والجمعيات الخيرية لبث خطاب موازٍ يُغذي الانقسام والانغلاق. في حين ترى الدولة أنّ مثل هذه الجمعيات، وإن كانت تعمل ظاهرياً في مجال الإغاثة، إلا أنّها تخضع في جوهرها لأجندات إيديولوجية عابرة للحدود.

حصار التمدد الإخواني

من جهته، يقول الباحث المصري المختص في الشؤون السياسية والإقليمية، الدكتور مصطفى صلاح: إنّ فرنسا تهدف إلى وضع حد للتمدد الإيديولوجي الإخواني. ويوضح لـ (حفريات) أنّ تقريراً حديثاً صدر عن جهاز الاستخبارات الداخلية الفرنسية، وصف جماعة الإخوان بأنّها تمثل "تهديداً هيكلياً"، بمعنى أنّها تشتغل بوسائل تكتيكية هادئة وصامتة أو ناعمة ومرنة، وبوسائل قانونية ظاهرياً، للوصول إلى أهدافها على المدى البعيد والتمكين، وأنّها تخترق المجالس البلدية، واتحادات الطلاب، والمجتمع المدني، لبناء بديل موازٍ للجمهورية، يتغذى على مفاهيم الولاء الطائفي للجماعة و"الأممية الإسلامية" و"أستاذية العالم".

فرنسا تعتبر أن مواجهة الإسلام السياسي تتطلب حرباً ثقافية موازية للحرب الأمنية بسبب تغلغل الفكر المتطرف في الضواحي والمجتمع المدني.

 

ويضيف صلاح: رغم خطورة الوضع، ما زال جزء من اليسار الفرنسي يُسهم في توفير غطاء ناعم للإخوان، عبر الدفاع عن جمعيات مشبوهة، واتهام الدولة بـ "الإسلاموفوبيا". هذا التواطؤ الإيديولوجي يفاقم الأزمة، ويزيد من تعقيد المواجهة، كما يفرض على الدولة توسيع دائرة المعركة لتشمل حرباً ثقافية لا تقلّ خطورة عن الحرب الأمنية. 

الحكومة الفرنسية أغلقت أكثر من أربعين مسجداً وحلّت عشرات الجمعيات منذ 2023 ضمن خطة تستهدف خطاب الكراهية والانفصالية.

 

ويختتم حديثه قائلاً: إنّ التحرك الفرنسي ليس استثنائياً، وإنّما يكشف عن وعي أوروبي عام بمخاطر الإسلام السياسي، فقد بدأت ألمانيا والنمسا وهولندا بمراجعة مواقفها من جماعة الإخوان، تحت وطأة تنامي الخوف من تحول الضواحي إلى مربعات هشة أمنياً مغلقة، وخارجة عن سيطرة الدولة، لا تطبَّق فيها القوانين بل تُدار بمنطق الميليشيات والجماعات وبعقليات دينية متشددة. فتاريخ التساهل مع الإسلام السياسي في فرنسا وأوروبا يوشك على نهايته، وما يجري في العواصم الأوروبية ليس مجرد "حملة أمنية"، بل هو تغيير جادٌّ وراديكالي في المواقف والسياسات بعيداً عن إمكانات التوظيف البراغماتي والاحتواء.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية