الأبعاد الطائفية للمشروع الإيراني وغطاء حرب التحرير

الأبعاد الطائفية للمشروع الإيراني وغطاء حرب التحرير

الأبعاد الطائفية للمشروع الإيراني وغطاء حرب التحرير


26/06/2025

عاش العالم (12) يومًا في حالة ترقب وقلق كبيرين خلال الفترة الماضية، ورأى العديد من المحللين ورجال السياسة في تصعيد حالة الحرب وإعلان إسرائيل الحرب على إيران واغتيال كبار القادة، وعلماء المشروع النووي، وتوسيع الحرب في إطار حرب إقليمية وربما عالمية، نذيرًا بكوارث عالمية لا يُحمد عقباها. 

وكان المسعى الإيراني نحو تجييش الجماهير والدول خلفها واضحًا، فانطلقت إيران من خلال الخطاب الإسلامي لتعلن نفسها مدافعة عن الإسلام والمسلمين، وأنّ حربها من أجل المقهورين والضعفاء في الشرق الأوسط، وضمنيًا تطالب الدول العربية بسداد دين الدفاع عنهم والوقوف خلفها، في محاولة منها لإخفاء تاريخها المُخرّب في المنطقة، الذي لم تنتِه آثاره إلى اليوم.

تأسيس المشروع الإيراني

تأسّس المشروع الإيراني منذ ثورة الخميني على بناء الإمبراطورية الإسلامية الشيعية الفارسية، وقد سعت لتصدير الثورة إلى الدول المحيطة، أو إن شئنا الدقة إخضاع الدول المحيطة لسيطرتها تحت دعوى الثورة والتوحيد. وعندما فشلت في تصدير الثورة أو إخضاع الدول العربية لسياساتها وقيمها سعت لتفتيت هذه الدول والوجود داخلها بشكل غير مشروع أحيانًا، لتبني له الشرعية فيما بعد. 

وهذا ما أكده أستاذ الفلسفة اللبناني خالد كموني لـ (حفريات) قائلًا: "مسألة إيران هي في علاقتها السيئة مع الأمّة العربية، وأصرّ على هذا المصطلح، إيران تتعاطى بمنطق الإمبراطورية الفارسية، وما فعلته بتصرفها السياسي أبرز مشاعرها وأحقادها، وبدا في ثورتها التي اختارت أن تكون ثورة مذهبية طائفية دينية، ودمجت القومية بالدين في نظرتها إلى العرب، وإلّا فما الداعي مثلًا لتكون الثورة الإيرانية منذ 1979 ليست حليفة لثورات المنطقة؟".

وهذا ما اختارته الثورة الإيرانية لنفسها، أن تكون ثورة طائفية تتأسس على المظلومية الشيعية القديمة، وعلى الوجود الإسرائيلي، فالمشروع الإيراني كما يقول الدكتور كموني: "قائم على مشاعر دفينة عمرها (1000) سنة من الأحقاد والرغبة في السيطرة، وقد برز ذلك تباعًا؛ ففي الحرب العراقية الإيرانية كان حليف الخميني حافظ الأسد، ويتضح لماذا، لأنّه صاحب مرجعية شيعية بطبيعة الحال".

تأسّس المشروع الإيراني منذ ثورة الخميني على بناء الإمبراطورية الإسلامية الشيعية الفارسية.

ويقدّم النظام نفسه كمشروع مناهض للمشروع الإسرائيلي في المنطقة، ويستغل في ذلك القضية الفلسطينية والرغبة العربية في التحرير، ورهن العديد من الدول ومواردها وأدواتها لما يقدمه من مشروع مناهض، يقدّمه في صورة المقاومة ومشروع التحرير، وينتقل به من تحرير فلسطين إلى تحرير العرب من السطوة الأمريكية، والعداء والندية لأمريكا. 

وتقديم إيران لمشروعها بوصفه مشروع التحرير جعلها تعطي لنفسها حق استغلال الدول واختراقها، ورهنها لمشروعها الكبير، وكما أوضح كموني لـ (حفريات) فإنّ إيران ساعدت الاحتلال الأمريكي للعراق في عام 2003 ودخلت العراق بأحزابها وعصاباتها التي شكلتها، وسيطرت على الحكم وخدمت أمريكا في العراق إلى الآن بتفتيته وتشتيته وزرع الطائفية فيه، وإلى ما هنالك".

وأضاف كموني أنّ الوضع في لبنان لم يختلف كثيرًا، "ففي لبنان جاءت إيران وشكلت المجموعات الطائفية الأولى، بداية من موسى الصدر وما تلاها وصولًا إلى تشكيل حزب الله، ولم يكن الحزب حركة مقاومة وحسب، بل كان مشروعًا لتنفيذ الأجندة الإيرانية، لذلك أصبح دولة داخل الدولة، وعزّز النظام السوري وجوده في لبنان، كما احتكر النظام السلطة كلها في سوريا لتكون في حزب البعث، وهذا النظام هو حليف إيران الذي حكم بطائفية واضحة سقطت مؤخرًا دون رجعة".

وخطاب إيران التحريري جعل أحد مسؤوليها الكبار يقف متفاخرًا يعلن السيطرة الإيرانية على (4) عواصم عربية، وهو إعلان بالتعدي الواضح على استقلالية هذه الدول وسيادتها، ولم تتورع إيران عن زرع الطائفية والتشتيت لتفتح بابًا لحضورها، وقد عانت دول الخليج العربي من الحضور الإيراني المستغل لجيرته لها، واستغلت الطائفة الشيعية في هذه الدول لبناء إمبراطوريتها، ممّا جعلها مصدر خطر على دول الخليج العربية.

خطاب التحرير بين إسرائيل وإيران

تستند إسرائيل في نشأتها وحربها منذ نشأت على معاداة السامية والهولوكوست، وبررت تجاوزها عن حد رد الفعل في حرب غزة والوصول بها إلى حد الكارثة الإنسانية، باستدعاء مظلومية الهولوكوست، واستخدام معاداة السامية كاتهام رادع لكل من لا يقف معها. ولكنّها في حربها مع إيران أعلنت تحرير العالم من شرّ إيران، وأنّها لا تحارب باسمها فقط أو دفاعًا عنها فقط، بل تحارب دفاعًا عن جيرانها العرب، مُستغلة في ذلك تاريخ الأطماع الإيرانية. 

وتعلن إيران بالمقابل أنّها تخوض معركتها ضد إسرائيل باسم المسلمين جميعهم، وباسم الإسلام، وطالبت العالم الإسلامي بالوقوف خلفها والتوحد تحت رايتها، واستغلت في ذلك حالة قطاع غزة وما وصل إليه من حالة منافية لأيّ بُعد إنساني، وتعلن حربها كحرب تحرير لغزة وفلسطين، وهي لم تطلق صاروخًا واحدًا لأجل أطفال غزة، أو شاركت في الحرب بين حماس وإسرائيل. وكان موقف حسن نصر الله في هذه الحرب يحمل من الميوعة ما يجعله سلبيًا مقابل موقفه من الحرب الأهلية في سوريا، حين أعلن استعداده لإرسال عناصر حزب الله جميعهم إلى سوريا والحرب إلى جانب بشار الأسد، بل أعلن استعداده للذهاب إلى هذه الحرب بنفسه.

تستند إسرائيل في نشأتها وحربها منذ نشأت على معاداة السامية والهولوكوست.

وفي حرب حماس مع إسرائيل بعد دعاية كبرى لخطابه بوصفه الخطاب الفاصل في حالة الحرب هذه، قال نصر الله: "من ينتظر منّا الدخول في الحرب فنحن دخلناها منذ بدأت"، وكانت حالة الحرب التي يعلنها حالة تحمل من الميوعة ما يحمله موقفه، فقد وقفت عند حد الأضرار الطفيفة وحماية ماء الوجه، حتى سنحت الفرصة أمام إسرائيل فأنهت حزب الله وقضت عليه. 

فإيران لم تهدف من رفع راية التوحيد الإسلامية سوى تجييش الجموع خلفها في حالة حربها مع إسرائيل، وقد باعت أذرعها في المنطقة، وأعلنت عدم مسؤوليتها عن جماعة الحوثي في اليمن حين أعلنت إسرائيل الحرب عليها. 

وإذا كانت إيران صاحبة مشروع تحرري نهضوي بعيد عن الطائفية، فلماذا لم تختر مثلًا أن تكون حليفة لثورة البعث في العراق؟ لماذا لم تكن جارة حسنة للعراق، على سبيل المثال، وهما دولتان نفطيتان، ولديهما مشاريع، وثروات وطاقات وعلماء؟ لماذا لم يكن العكس لتتفق على مشروع إسلامي واحد، وهم جيران في المنطقة، ليتكامل المشروعان الإيراني والعربي؟ ولو حصل هذا التكامل، لكانت منطقة الخليج العربي كلها مزدهرة، ولما اضطر العراق بسبب الأطماع الإيرانية للدخول في الحرب العراقية الإيرانية.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية