
في بيئة إقليمية ممزقة بالصراعات، تنمو تنظيمات مسلحة على أطراف الجغرافيا المهملة، تتغذى على الفقر والتهميش، وتعيد إنتاج خطاب السلفية الجهادية تحت مسميات متعددة. من بين هذه التكوينات، يبرز اسم "سرايا أنصار السنة"، تنظيم غامض ازداد حضوره في السنوات الأخيرة في أكثر من ساحة نزاع، مستندًا إلى خطاب راديكالي وممارسات ميدانية تعيد إلى الأذهان بدايات "داعش" و"القاعدة"، لكن بخصوصية محلية وأهداف مركّبة.
وينظر كثير من المتخصصين إلى هذا التنظيم باعتباره امتدادًا جينيًا لأفكار تيار "أنصار السنة الجهادية" الذي نشط في العراق عقب الغزو الأميركي، قبل أن تبتلعه ظاهرة الدولة الإسلامية. غير أن "سرايا أنصار السنة" يبدو اليوم وكأنه يعيد صياغة نفسه كفاعل مستقل، يتقن استثمار الثغرات الأمنية، ويطرح نفسه كـ"منقذ عقائدي" في وجه ما يعتبره "الطغيان العلماني" و"الاحتلال الإيراني" و"الانحراف الصوفي".
ولم يحقق التنظيم شهرة واسعة على المستوى الإعلامي مقارنة بنظرائه، لكنه يمارس تأثيرًا ميدانيًا متصاعدًا، مستفيدًا من الانهيارات المؤسساتية في المناطق الرمادية، ومستثمرًا ضعف الحضور الدولي بعد مرحلة ما بعد داعش، ما يجعله مرشحًا ليكون أحد أهم عناوين الجهادية المحلية المستقلة في المرحلة القادمة.
نشأة مبهمة وبنية سرية: من الظل إلى الضوء
لا تملك الجهات الأمنية معلومات دقيقة حول تاريخ النشأة الرسمي لهذا التنظيم، لكن أولى الإشارات عنه ظهرت في تقارير استخباراتية عراقية منتصف العقد الماضي، حيث ارتبط ظهوره بعمليات استهداف لميليشيات الحشد الشعبي ومراكز أمنية في مناطق متفرقة من ديالى وكركوك. بعض المحللين يرون أن التنظيم خرج من رحم الانشقاقات داخل التيار السلفي الجهادي بعد انهيار تنظيم الدولة، مستفيدًا من انهيار المركز وتشتت القواعد الميدانية والشرعية.
تنظيم غامض ازداد حضوره في السنوات الأخيرة في أكثر من ساحة نزاع، مستندًا إلى خطاب راديكالي وممارسات ميدانية تعيد إلى الأذهان بدايات "داعش" و"القاعدة"
وفي تقرير لمركز "جيمس تاون" الأميركي (Jamestown Foundation, 2021)، تم التلميح إلى مجموعات سلفية جهادية محلية نشأت على أنقاض تنظيم الدولة في العراق، من بينها "سرايا أنصار السنة"، والتي تبنت خطابًا مغايرًا في الشكل لكنه مماثل في الجوهر، مع التركيز على الخصوصية المحلية والتماهي مع الأوضاع الاجتماعية بدلًا من الاستعراض الإعلامي العالمي.
ومن حيث البنية، فيتبع التنظيم ما يُعرف بـ"نموذج الخلايا اللامركزية"، أي بنية شبه سرية تعتمد على مجموعات مستقلة تنظيميًا ومترابطة فكريًا، مع وجود قيادة غامضة تنسق العمليات وتضبط الخطاب الشرعي. ولا يُعرف إلى الآن من يقود هذه الخلايا بشكل مركزي، ما يُصعّب من مهمة اختراقه أو تفكيكه أمنيًا.
التمدد الجغرافي والتكتيك العملياتي: إعادة تدوير العنف بمعطيات جديدة
هذا وتُظهر أنماط انتشار "سرايا أنصار السنة" أنه تنظيم لا يلتزم بجغرافيا واحدة، بل يتحرك في الهوامش الأمنية على تخوم النزاعات الطائفية والفراغات السلطوية. وقد رُصد نشاطه في شمال العراق وغربه، وأجزاء من سوريا الشرقية، مع تقارير متواترة عن وجود خلايا متعاطفة في مناطق من السودان وليبيا، ما يوحي بمرونة تكتيكية ولامركزية فكرية.
"سرايا أنصار السنة" يبدو اليوم وكأنه يعيد صياغة نفسه كفاعل مستقل، يتقن استثمار الثغرات الأمنية ويطرح نفسه كـ"منقذ عقائدي"
ويعتمد التنظيم في عملياته على تكتيكات خفيفة الحركة، مثل الكمائن، والهجمات الليلية، والعبوات الناسفة، مستفيدًا من خبرات مقاتليه السابقين في تنظيمَي القاعدة والدولة الإسلامية. هذه الخبرة العملياتية منحته القدرة على تنفيذ ضربات نوعية بأقل الإمكانيات، مع الاعتماد على البيئة المحلية لتوفير الغطاء اللوجستي والدعم الصامت.
ومن الواضح أن "سرايا أنصار السنة" تحاول أن تتجنب الأخطاء الكارثية التي وقع فيها داعش، من خلال تجنب الصدام المباشر الواسع، والتركيز على الحرب المنهكة، والاستنزاف التدريجي، وتجنيد عناصر محلية تعرف الأرض وسكانها، ما يجعل ضرباته محدودة لكنها ذات أثر سياسي ومعنوي كبير.
الهوية الفكرية
وتشير المعطيات المرصودة إلى أن التنظيم ينتمي إلى السلفية الجهادية الكلاسيكية من حيث المرتكزات العقدية، لكنه يتجنب الخطاب العالمي الجامح الذي تبنّاه داعش، مثل إعلان الخلافة أو استهداف الغرب بشكل مباشر، مركّزًا على ما يسميه "تطهير العقيدة" محليًا، ومحاربة "الطغيان الرافضي والصوفي والعلماني".
ويبدو أن التنظيم يتبنى استراتيجية "الممكن المحلي" بدلًا من "الخلافة المستحيلة"، وهي مقاربة تمنحه واقعية ميدانية أكبر، وتمكنه من كسب شرعية اجتماعية داخل بعض البيئات الساخطة، مثل المناطق التي تشعر بالتهميش الطائفي أو القبلي، في ظل ضعف مؤسسات الدولة.
وتُظهر منشوراته الدعائية وبياناته التي يتم تداولها في قنوات مغلقة تركيزًا لافتًا على مفاهيم مثل "التمكين التدريجي"، و"التطهير العقائدي"، و"تحقيق الشرعية من المجتمع"، في نهج يتقاطع مع بعض أطروحات ما يُعرف بـ"المدرسة الجهادية الشامية"، التي راجت بعد انهيار مشروع الدولة الإسلامية في العراق والشام.
مخاطر مستقبلية: جغرافيا العنف المتحرك وشبكات التشبيك
رغم أن "سرايا أنصار السنة" لا يملك قاعدة تنظيمية ضخمة، إلا أنه يمثل تهديدًا مركبًا بسبب قدرته على التخفي، ومرونته في إعادة التشكل، وإمكانية انخراطه في تحالفات ظرفية مع جماعات أخرى، سواء ذات طابع إثني أو ديني أو حتى إجرامي، ضمن مشهد رمادي وغير منضبط.
وتزداد خطورته مع إمكانية تحوله إلى نواة لتشكيل مشهد جهادي جديد "ما بعد الدولة الإسلامية"، لا يركز على المركز بل على الأطراف، ولا يسعى إلى احتلال الأرض بل إلى شلّ الدولة من الداخل، عبر حرب عصابات مستمرة، وزرع الفوضى داخل المجتمعات الهشة.
يرى بعض الخبراء أن التنظيم قد يتحول في قادم السنوات إلى جزء من شبكة جهادية أكبر تقوم على التعاون العملياتي لا الولاء المركزي
ويرى بعض الخبراء أن التنظيم قد يتحول في قادم السنوات إلى جزء من شبكة جهادية أكبر تقوم على التعاون العملياتي لا الولاء المركزي، ما يجعل تعقّب مساراته وتفكيك بنيته تحديًا استخباراتيًا وأمنيًا من الطراز الأول، خاصة مع تصاعد خطاباته على منصات مشفّرة وصعوبة التسلل إلى مجتمعه العقائدي الداخلي.
ويحذر مراقبون من أن تنظيمات كهذه تجد في الفوضى تربة خصبة للنمو والتجذر، في ظل غياب حلول سياسية شاملة للصراعات الإقليمية، وتآكل شرعية بعض الأنظمة، خصوصا أنها لا تحتاج إلى دولة ولا إلى علم، بل إلى شعور جماعي بالهزيمة، وغياب البدائل، وانسحاب الدولة.


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%BA%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D9%84_6_2_0_0.jpg.webp?itok=bXmPMgmE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_13.jpg.webp?itok=spQUDIJB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%88%D9%86_0_0_0.jpg.webp?itok=E2PAAHDO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_2_0_4444_0_0_1_1.jpg.webp?itok=xPM6Zm6W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_2_0.jpg.webp?itok=JhFfhYPA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%BA%D9%8A%D9%8A%D8%B1%20%D8%AA%D8%AF%D8%B1%D9%8A%D8%AC%D9%8A_0.jpg.webp?itok=vxmSwnWT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%88%D8%A8%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D9%8A%D8%A9_0_0.jpg.webp?itok=oReg_6OS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_2_0_4444_0_0_1_0.jpg.webp?itok=o9GuuOK0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/bS9h1QQC8Ibxq-Zun7e7I3XZ9pTAR6Hooc8tBKmPdGarEceWYq-LXVMJpnmDToBW2tBynDQtONt9BYdEcNWmtnKCvf1-y8XVc2k7VapC-xhjRdvmUd6AChwb3SggR2pYGpa2blLFZ6lja7ERor2BfD54xHBRWdDoA-f_PXiCBiw75fjOudZLWKl84JjBmDnD.jpg.webp?itok=caFu8voa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/HZqzmEM3wHkpGDbaSRAGBBQMhEa0hdlTTItgQp3YQ8vkDfD4RYKg23G5l2fLOzSA03MFwoRi3ZXf323e4nL3cGcgCtJZ1paZeCO0deQan3C9vbLdqv33J12rlbMXyvhrmx35wvn3PVmnqlgOasmOg-uxIOD0Ui5L3ldmqsEmQOVOc-DELTto2MSMQ5fvj8mD%20%281%29.jpg.webp?itok=wQ_c7z8P)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_132_0_3.jpg.webp?itok=pHqrfLPb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_3_0.jpg.webp?itok=9i6zbI2S)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A7%D8%AA_0_0.jpg.webp?itok=woqFOs9E)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/se2eSzBtgtZRvochpXWXHRd8zJBTdSWUjbrvDt0HXmgf6oUX8IJbzzaVjDswDs5fNPFP8F2YCXmj1QoaVi7cvkkCLIDn4lgzNlP5Fb1m1yxn_6_MonFxDiYg9RD7QPKpOqQ76LD1Y5aT7WMJxmzBKZdrEuyHdbh_kree1NSzAlBQqGvzJiK_H5thQehOLXXq%20%281%29.jpg.webp?itok=ybPL0QY1)




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/CoGHKdHI0A1hPADsf1xvDHVYJqUe203-L3Pi6M4DItYuTY-LBYbdxBlWhxyVw5eFpyA77EhAFTia-ZJfwN_pPc-dT2jAvVSmof1AU4jW-RzbK6tUu3zl53R8QNE4uB11Ku6-xRExeteqGE4nrU0FKMjgD-qSsmdO2ta_bQ1psS94XeIDmHXni2TQvZ9guYV4.jpg.webp?itok=d3qSl9vR)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

