أبناء رفاعة.. صعود الدولة المدنية وانحسارها

أبناء رفاعة.. صعود الدولة المدنية وانحسارها

مشاهدة

31/10/2018

"كيف صار بعض الناس بعد كفاح قرنين من الزمان يحنون إلى ظلام العصر العثماني، الذي أوشكت مصر في ظله أن تبيد؟"، يطرح الأديب المصري، بهاء طاهر، في سبيل البحث عن مبررات وواقع هذا السؤال، وفهم إشكالياته، وجوانبه المتعددة، كتاباً بعنوان: "أبناء رفاعة"؛ يستعيد من خلاله ميراث التنوير المجهض، وأسماء المفكرين الذين أسهموا بدور مؤثر في تاريخ النهضة والإصلاح المصريين.

ضد التغريب وضد التتريك

يكشف الأديب المصري عن دور المثقفين المصريين في عصر النهضة؛ أمثال: رفاعة الطهطاوي، وعلي مبارك، والإمام محمد عبده، وعبدالله النديم، وقاسم أمين، وطه حسين، ممن خاضوا صراعاً شاقاً ضد عمليات وأد الثقافة والهوية الوطنية، وتصدوا لكافة محاولات التتريك والتغريب، سواء من الاستعمار الغربي أو الخلافة العثمانية، وذلك عبر وعيهم بأهمية التعليم لنشر المعرفة والثقافة، وأسس الدولة المدنية الحديثة.

يتساءل طاهر عن سيطرة الفكر الإخواني على الرأي العام في مصر وتغيير المزاج العام نحو الفهم الأصولي والسلفي للدين

ولما كانت السياسة البريطانية التي ورثت امتيازات الحكم العثماني، تهدف إلى إلغاء الذاكرة الوطنية وسحق الهوية؛ فقام اللورد كرومر بغلق المدارس، ما أدى إلى أن بلغت نسبة الأمية 91%، وبالتبعية انخفضت المدارس من 32 مدرسة إلى ثلاث مدارس فقط، وفرضت اللغة الإنجليزية بدلاً من العربية، واستبدل التاريخ الوطني في المدارس بالتاريخ الروماني، وتطور الدستور البريطاني.

بيد أنه، في المقابل، كان ثمة دور مغاير يلعبه المثقفون المصريون، لبعث الوعي الوطني، ورفع الطبقات السميكة التي تعزل المواطنين عن هويتهم، والإحساس بذواتهم، وبدأوا بفضح كل أشكال الاستبداد المقنع بالدين، تارة، والاستعمار، تارة أخرى، من أجل إقصاء المصريين عن المشاركة في حكم وطنهم، واعتبارهم جنساً أدنى، وإنكار وجود الوطن، ونشر التجهيل.

اقرأ أيضاً: الجماعات الجهادية...هل هي شكل جديد للاستعمار؟

ومن جهة أخرى، قام الإمام محمد عبده بجهود حثيثة، بغية الكشف عن المضمون التقدمي للدين الإسلامي، ومطابقته بروح العصر، وتقديم العقل والاجتهاد في شؤون الحياة، عن النقل وتقديس السلف، كما قام عبد الله النديم بتدشين أول دعوة إلى التعليم بالجهود الذاتية، لمقاومة سياسة الاستعمار، وتبنى قاسم أمين رؤيته، ومن ثم، جاءت فكرة إنشاء أول جامعة مصرية بأموال الشعب وتبرعاته، فأنشئت الجامعة الأهلية العام 1908.

غلاف كتاب "أبناء رفاعة" للأديب المصري بهاء طاهر

النهضة والسقوط في الفكر المصري الحديث

يحاول صاحب "خالتي صفية والدير"، بناء صورة بانورامية، يستلهم عناصرها من الواقع التاريخي لمصر في سيرورته؛ حيث صعود الدولة المدنية وانحسارها؛ أي منذ الصعود التدريجي لخروج المجتمع المصري من ظلام العصور الوسطى إلى أنوار الحداثة والحرية، بجهود مثقفي عصر النهضة، وذلك على امتداد نحو 150 عاماً، حتى ارتدت مآلاتها إلى "التراجع التدريجي والمنظم لمشروع النهضة ذاك، بهدف العودة من جديد إلى المنظومة الفكرية للدولة العثمانية، التي يتغزل بها الآن الكثيرون على غير علم، رغم أنها قد أشرفت بمصر على الهلاك".

اقرأ أيضاً: الخلافة على منهاج النبوة: الوهم والتاريخ

ولذلك، بعث الطهطاوي مفهوم "الوطن" في مقابل مفهوم "الأمة"، والأخير، حاولت الخلافة العثمانية تكريسه، باعتباره فلسفة في الحكم، قوامه الدين؛ حيث ظل الحكم يعتمد تلك المرجعية، ويقوم عليها في الحصول على شرعيته وصناعة استبداده الخاص، وطلب الطاعة والانصياع.

وبحسب الطهطاوي، فإنّ مفهوم الأمة كان مجرد قناع ديني، لا يعني شيئاً أكثر من الوحدة في نطاق العبودية؛ لأنّ تلك الدولة (العثمانية) كانت أبعد ما تكون عن روح الدين وعن حقيقته، بما سادها من الظلم والاستبداد والفتك المنظم برعاياها.

 

 

الهوية المصرية في مواجهة الخلافة العثمانية

يحفر الأديب المصري أسفل الطبقة التاريخية، التي تشكلت على سطحها صورة مصر في تلك الحقبة، التي وضعتها في قبضة الاستعمار؛ سواء الفرنسي أو البريطاني، وتحتم عليها مواجهة الآخر، الذي جاء وعبر إليها في صورة محتل، يفضح الخراب الذي تعيشه، وهويتها الضائعة والملتبسة، وموقعها المتأخر في التاريخ والحضارة، التي لا تعرف عنهما شيئاً، وبينما يبحث الأديب والمفكر المصري في جذور الأزمة المركبة، في سبيل الكشف عن العوامل المتسببة، في الإخفاق السياسي والثقافي، فإنه يوضح بدايات تشكل سؤال الهوية، الذي ضرب بقوة وجدان المجتمع، في ظل سيطرة ومواجهة الاحتلال.

تمثلت الأسس النظرية للمنظومة الفكرية للحكم العثماني في التسليم بحق السلطان في الحكم المطلق دون أي حقوق للرعية

وفي ما يتصل بالاستبداد الديني، والمتمثل في الخلافة، ومركزها الأستانة، فقد تعقب طاهر محاولات نفي الهوية المصرية، وتفتيت مكوناتها الثقافية والحضارية؛ فعلى مدى قرون، تمثلت الأسس النظرية للمنظومة الفكرية للحكم العثماني، في التسليم بحق السلطان (الخليفة) في الحكم المطلق والأمر والنهي، دون أي حقوق للرعية، سوى الطاعة والإذعان لهذا القائد الديني، حتى جاء الاحتلال، في مراحله المتعاقبة، بغية أن يضع قبضته الغليظة على بقايا أملاك "رجل أوروبا المريض".

الأديب المصري بهاء طاهر

وحول هذه المرحلة، يصف الجبرتي، وهو مؤرخ عاصر هذه الحقبة وعاين أحداثها، ورصد تفاصيلها ويومياتها بدقة، بأنّ "الخراب عم إقليم مصر، بينما كاد المصريون يندثرون فعلاً لا مجازاً، بسبب المجاعات المتكررة والمجازر والأوبئة، وبارت الأرض الزراعية، بسبب إهمال الحكم أعمال الري، وهروب الفلاحين من أرضهم، فراراً من جباة الضرائب الفاحشة والمتكررة، وانتشر فيمن بقي من السكان على قيد الحياة الجهل الشامل والخرافة والشعوذة".

كيف وصلنا إلى الإخوان؟

وعشية الحملة الفرنسية على مصر، لم يكد يتجاوز عدد سكان المحروسة المليونين ونصف المليون؛ حيث كان الموت تحت وطأة المرض وانتشاء الأوبئة، متفشياً في كل مناحي الحياة؛ حيث اختفى العلم وسادت الخرافات والشعوذة، فيما أصبح المتدروشون والدجالون هم القادة والمراجع الفكرية، لهذا المجتمع الآخذ في الاندثار، عدداً وعقلاً، كما يوضح طاهر.

يطرح كتاب "أبناء رفاعة" تساؤلات حول أسباب صعود الإخوان المسلمين في المجتمع

وبحسب جمال حمدان، فإنّ الوجود التركي يعد نوعاً خاصاً ومحيراً من الاستعمار، وهو الاستعمار الديني، ولولا القناع الديني لعد مماثلاً للغزو المغولي الوثني؛ فقد كانت تركيا بمثابة المتروبول (الوطن الأصلي)، وباقي الولايات مستعمرات تابعة لها، تعتصر كل مواردها وخيراتها، بلا مواربة، لتحشد حشداً في المركز، وكما يحلب الراعي ماشيته، كانت الامبراطورية بقرة كبرى عند الأتراك للحلب فقط.

بحسب الطهطاوي فإنّ مفهوم الأمة مجرد قناع ديني لا يعني شيئاً أكثر من الوحدة في نطاق العبودية لأنّ الدولة العثمانية كانت أبعد ما تكون عن روح الدين

وفي الفصل الأخير من الكتاب، يطرح الأديب المصري تساؤلاً مهماً، حول أسباب صعود الإخوان المسلمين في المجتمع، وهو هنا لا يقصد وصولهم إلى الحكم أو نفوذهم من الناحية السياسية، بالصورة التي تطلعنا إليها إبان الربيع العربي؛ لكنه يعني، بصورة أدق، سيطرة الفكر الإخواني على نسبة غالبة من الرأي العام في مصر، وتغيير المزاج العام نحو الفهم الأصولي والسلفي للدين.

فالمسألة تنحصر لدى صاحب "بالأمس حلمت بك"، في عملية الانقلاب الذي دبر عن عمد وتدبير، على امتداد ثلاثة عقود، في ثقافة ووجدان المواطن المصري، منذ بدأت حملة إطفاء المصابيح الثقافية، في سبعينيات القرن الماضي، والتي شهدت هجرة أبرز العقول المصرية من الأدباء والمفكرين، بالإضافة إلى غلق المنابر الثقافية والفنية، ما مهد الطريق إلى صعود التيارات الدينية الأصولية والسلفية، بانغلاقها ورؤيتها البراغماتية، لتحض على الطاعة للحاكم، والمغالاة في الجوانب الشكلية للعبادات، دون أي مضمون اجتماعي حقيقي وجاد للدين، كما فعل رواد النهضة.

رفاعة الطهطاوي

وكانت النتجية الحتمية التي أسفرت عن وجهها المأساوي، حدوث تراجع في قيمة المثقف ومبادئ المساواة والمواطنة، وتلاشي الحرية، وأضحى أقطاب التغيير الثقافي؛ منذ الطهطاوي وحتى طه حسين، موضع شك وتجريح وتطاول، واحتل مكانهم رموز أخرى، يريدون العودة إلى "الخلافة" واستعادة أغلال الماضي والتبعية له.

اقرأ أيضاً: عهد المماليك: النزعة العلمانية وتآكل الخلافة

وفي هذه المرحلة، التي شهدت تشتيت مثقفي النهضة، وإسكات صوت الثقافة وإضعاف دورها، تلاشت كل مكتسبات الدولة المدنية، واستبدلت العقلانية بالدروشة، وعاد الحديث مجدداً عن الأممية والخلافة الإسلامية، والتي تجعل كل سكان الإمبراطورية في ظلها رعايا على قدم المساواة في العبودية لإمام الآستانة، كما يصف طاهر.

الصفحة الرئيسية