المنطلقات الفكرية المشتركة: لماذا يُعتبر تنظيم داعش الوجه الآخر للإخوان المسلمين؟

المنطلقات الفكرية المشتركة: لماذا يُعتبر تنظيم داعش الوجه الآخر للإخوان المسلمين؟

المنطلقات الفكرية المشتركة: لماذا يُعتبر تنظيم داعش الوجه الآخر للإخوان المسلمين؟


28/10/2024

شهد العالم العربي والإسلامي في العقود الأخيرة صعوداً لافتاً لتيارات إسلامية متباينة في توجهاتها الفكرية، لكنّها تتقاطع في رؤاها حول "الدولة الإسلامية" وأشكال تطبيق الشريعة الإسلامية، ومن أبرز هذه التيارات، جماعة الإخوان المسلمين التي تأسست في مصر على يد حسن البنا عام 1928، وهي تسعى لتحقيق هيمنة الإسلام الشاملة عبر وسائل سياسية واجتماعية وتربوية، تطمح من خلالها إلى أسلمة المجتمع وتأسيس دولة قائمة على الشريعة، وبالرغم من انتهاجها أساليب تدريجية وسياسية لتحقيق هذا الهدف، إلا أنّ الفكر الذي تتبناه يتضمن تفسيرات متشددة للشريعة ويسعى لفرض نظام إسلامي كلي، ممّا جعلها محط جدل وصدام مع العديد من الأنظمة السياسية.

في المقابل، ظهر تنظيم داعش كتيار أكثر تطرفاً، يؤمن بضرورة إقامة "دولة الخلافة" بشكل فوري ودون المرور بمراحل تدريجية، فقد تبنّى التنظيم أسلوب العنف الشامل والقتال من أجل فرض رؤيته المتشددة للإسلام في المجتمعات التي تقع تحت سيطرته، محاولاً إقامة دولة دينية صرفة تعتمد القتال وسيلة لفرض النظام الديني والقانوني.

وبينما تتباين الوسائل التي يعتمدها الإخوان وتنظيم داعش، إلا أنّ أفكارهما تتلاقى في جوانب جوهرية عديدة، أبرزها مفهوم "الحاكمية" الذي يتبنّى كلا الطرفين فيه أفكاراً تكفّر الأنظمة الحاكمة التي لا تطبق الشريعة، يُضاف إلى ذلك استخدام العنف وسيلة لتحقيق الأهداف وتأسيس نظام يُخضع المجتمع بالكامل لأحكام دينية صارمة، وهذه التقاطعات الفكرية بين الجماعتين تثير العديد من التساؤلات حول إمكانية التنسيق بينهما لتحقيق أهداف مشتركة، وتأثيرات هذه الأفكار المتشددة على استقرار الشرق الأوسط.

الفكر التأسيسي وإيديولوجيا "التمكين"

تُعتبر فكرة "التمكين" أساساً جوهرياً في فكر الجماعتين، فجماعة الإخوان المسلمين، التي أسسها حسن البنا في مصر عام 1928 تعتبر أنّ طريق التمكين يمر عبر بناء قاعدة قوية من الأتباع المؤمنين بالفكر الإسلامي الشامل الذي يسعى إلى تغيير المجتمع من القاعدة، إلى أن يتسنى إقامة الدولة الإسلامية التي تحكم بشرع الله، وتعتمد هذه الفكرة على مراحل تدريجية، بدءاً من التأثير على المجتمع والوصول إلى مناصب الحكم عبر وسائل سياسية، وصولاً إلى تعزيز مؤسسات الدولة وفقاً لأفكارهم، بينما يتبنّى تنظيم داعش مفهوم التمكين بوجه مختلف وأكثر مباشرة، حيث يتبع أسلوب التوسع العسكري وفرض السيطرة على الأراضي كوسيلة لإقامة "دولة الخلافة"، ويعتبر أنّ الطريق الأمثل لتطبيق الشريعة هو استخدام القوة المفرطة والعنف لفرض السلطة الدينية. ويرى الباحث السياسي درويش خليفة أنّ الفكرة الأساسية التي تجمع بين الطرفين هي أنّ "التمكين" ليس هدفاً مرحلياً بل هو جزء أساسي من العقيدة السياسية لكل منهما، لأنّ كل طرف يسعى لفرض رؤيته بالقوة على المجتمع لتحقيق سيطرة دينية واجتماعية شاملة.

ورغم اختلاف منهجية التمكين، إلا أنّ الفكرة النهائية تتشابه في كونها تسعى إلى إقامة دولة إسلامية تفرض نظاماً دينياً شاملاً، ممّا جعل بعض الباحثين يصفون هذا الفكر بأنّه "تجديد أصولي للأصولية"، وهذا التقارب الفكري يشكّل أساساً مشتركاً بين الجماعتين، رغم تباين أساليب التنفيذ.

مفهوم "الحاكمية" وتكفير الأنظمة الحاكمة

يشترك الإخوان المسلمون وتنظيم داعش في تبنّي مفهوم "الحاكمية"، الذي ينص على أنّ الحكم لله وحده، وأنّ أيّ نظام حاكم لا يطبق الشريعة هو نظام غير شرعي، وقد استلهمت الجماعتان هذا المفهوم من أفكار (أبو الأعلى المودودي وسيد قطب)، ومع أنّ الإخوان المسلمين يتجنبون علانية تكفير الحكومات، إلا أنّ بعضهم يرفضون الاعتراف بشرعية الأنظمة الحاكمة التي لا تطبق الشريعة الإسلامية بشكل كامل.

رئيس قسم نشر الدعوة في الجماعة ورئيس تحرير جريدة الإخوان المسلمون-آنذاك-: سيد قطب

وقد طوّرت جماعة الإخوان مفهوم الحاكمية بحيث أصبح قاعدة للتمييز بين "نظام إسلامي" وآخر غير إسلامي، ممّا أتاح لها مرونة في التعامل مع الأنظمة الحاكمة عبر الوسائل السياسية والقانونية، في حين أنّ تنظيم داعش يتبنّى هذا المفهوم بنهج أكثر تطرفاً، ويعتبر التنظيم أنّ كافة الأنظمة الحاكمة في العالم الإسلامي "طواغيت" ويجب إسقاطها بالقوة. ووفقاً للباحث في الإسلام السياسي أحمد سلطان، فإنّ "التكفير السياسي"، كما يمارسه تنظيم داعش يعكس تطرفاً في الفكر القطبي وتجاوزاً للتفسير الإسلامي التقليدي، ويرفض تنظيم داعش أيّ تفاهم مع الأنظمة الحاكمة ويعتبرها عدواً للإسلام يجب محاربته بلا هوادة.

ويرى خبراء آخرون أنّ هذا المفهوم يكرّس العنف، ويمهد الأرضية الفكرية لتبرير استخدام القوة ضد الحكومات والمجتمعات التي لا تتبنّى رؤيتهم المتشددة للشريعة، ممّا يفاقم من خطر زعزعة استقرار الدول، ويسهم في نمو حركات تطرفية قد تكون أقلّ حدة من تنظيم داعش، لكنّها تحمل الأفكار الأساسية نفسها في جوهرها.

استخدام العنف والجهاد المسلح

على الرغم من تفاوت وسائل العنف بين الجماعتين، إلا أنّ كلاً من الإخوان المسلمين وتنظيم داعش يعتبران الجهاد المسلح جزءاً من أدبياتهما، ففي حين أنّ الإخوان اعتمدوا لفترات طويلة على العمل السلمي والوسائل السياسية لتحقيق أهدافهم، إلا أنّ تاريخ الجماعة يتضمن أوقاتاً استخدمت فيها العنف عبر جهازها السرّي، خاصةً في الأربعينات من القرن الماضي، حين نفذت عمليات اغتيال وتخريب ضد خصومها السياسيين، ويُعتبر العنف بالنسبة إليهم وسيلة مشروعة تحت ذريعة الدفاع عن الإسلام ومواجهة "أعداء الشريعة"، وإن كانوا يحاولون تبرير هذا العنف في إطار الدفاع عن النفس.

أمّا تنظيم داعش، فقد اتخذ من العنف والجهاد المسلح الأساس المباشر لتحقيق أهدافه، ويرى أنّ إقامة الدولة الإسلامية لا يمكن أن تتم إلا من خلال القتال والاستيلاء على الأراضي بالقوة وتطبيق الشريعة الفوري. ويصف الباحث درويش خليفة نهج تنظيم داعش العنيف بأنّه "إيديولوجيا القتال المطلق"، لأنّ التنظيم لا يقبل بأيّ نوع من التسويات أو الحلول السياسية، بل يعتبر العنف وسيلة لتطهير المجتمعات من أيّ توجهات لا تتوافق مع تفسيره المتشدد للإسلام.

الباحث: درويش خليفة

ومن ناحية أخرى، يشير الخبراء إلى أنّ التقاء الجماعتين في "العنف" يعكس مشكلة أعمق تتمثل في النظر إلى الدين كوسيلة لتحقيق أهداف سياسية بالقوة، ممّا يُنتج تصاعداً مستمراً للتطرف، ويضعف فرص الحوار السلمي، ويزيد من تعقيد الأوضاع الأمنية، خاصةً في مناطق النزاع.

تطبيق الشريعة وأسلمة المجتمع

يتشارك الإخوان المسلمون وتنظيم داعش في فكرة تطبيق الشريعة وأسلمة المجتمع، وإن كان ذلك بطرق مختلفة، فالإخوان يسعون إلى تحقيق هذا الهدف عبر "التغيير من الأسفل"، أي التأثير على المجتمع بشكل تدريجي وتعليم الأفراد القيم الإسلامية وفقاً لرؤيتهم الخاصة، ثم الوصول تدريجياً إلى المؤسسات الرسمية، ويعتقدون أنّ الشريعة يجب أن تكون المرجعية الحاكمة في كافة شؤون الحياة، وإن كان تطبيقها لا بد أن يتم من خلال مراحل طويلة حتى يستعد المجتمع بالكامل لهذا التغيير.

على العكس من ذلك، يعتمد تنظيم داعش على الفرض الفوري والقسري للشريعة، ويقوم التنظيم بفرض قوانينه الصارمة على المجتمعات المحلية بقوة السلاح، وينتهج تطبيق عقوبات جسدية قاسية مثل قطع الأيدي والرجم للسيطرة وإرهاب السكان. ويقول الباحث السياسي أحمد سلطان: إنّ هذا الأسلوب "يعكس تفسيراً متشدداً ومغلقاً للشريعة"، حيث ينظر تنظيم داعش إلى المجتمع كجماعة واحدة لا يسمح لها بمخالفة القوانين التي يفرضها، ويتجاهل أيّ بُعد إنساني أو حقوقي في تطبيق العقوبات.

في النهاية، يعكس هذا النهج اختلافاً جوهرياً في كيفية "التغيير"، حيث تعتمد جماعة الإخوان على الإقناع والدعوة، بينما يعتمد تنظيم داعش على القمع الفوري. لكن يبقى الهدف النهائي مشتركاً، وهو إقامة مجتمع يخضع بالكامل للشريعة الإسلامية، ممّا يثير مخاوف متزايدة من تأثير هذه الأفكار على المجتمعات التي تتعرض لضغوط منهجية أو قسرية نحو التغيير الديني والسياسي.

هل هناك تنسيق بين الجماعتين؟

يرى العديد من الخبراء أنّه حدث تنسيق مباشر أو غير مباشر بين الجماعتين، في ظل الفوضى الإقليمية، فقد تتقاطع مصالحهما في بعض المناطق كما حدث في بعض مناطق النزاع في سوريا والعراق، حيث تسعى كل جماعة إلى فرض سيطرتها وتحقيق أهدافها، حتى وإن لم يكن هناك تعاون مباشر، ويشير الباحث أحمد سلطان إلى أنّ "التطرف قد ينشأ من التقارب غير المباشر حين تسعى كل جماعة لاستغلال الفوضى لتحقيق أهدافها، حتى وإن لم يكن هناك تحالف معلن".

ويرى خبراء آخرون أنّ غياب التنسيق المباشر لا يعني بالضرورة عدم تلاقح الأفكار، إذ تتأثر الجماعات المتطرفة ببعضها بعضاً بشكل مستمر، ممّا يعزز خطر امتداد تأثير الفكر المتطرف عبر شبكات متعددة، خاصة في ظل انتشار وسائل التواصل الحديثة التي تسهل تبادل الأفكار والأساليب بين التنظيمات المختلفة.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية