لماذا كل هذا الجدل حول "صفقة القرن"؟

محمد الزغول's picture
باحث في الشأن الإقليمي والإيراني
15179
عدد القراءات

2018-06-13

لعلّ بداية ظهور مصطلح "صفقة القرن" كان في نيسان (أبريل) ٢٠١٧، عندما أعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء مع نظيره الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض، تأييده لخطوات ترامب نحو تحقيق السلام لـ "قضية القرن في صفقة القرن".

بعد تصريح السيسي، تناثرت الشائعات حول فحوى هذه الصفقة. لكن حتى الآن لا تتوافر أية تفاصيل رسمية عنها، سواء من واشنطن أو القاهرة أو تل أبيب. وبسرعة كبيرة انتشرت شائعات في الفضاء العربي حول "صفقات تبادل أراضٍ، أو تطبيع عربي مع إسرائيل". مصر نفت رسمياً أن تكون "صفقة القرن" أو أية حلول أخرى مطروحة تشمل التنازل عن أية أراضٍ مصرية. والأردن ينفي بشكل متكرر منذ سنوات، كلّ ما يُشاع حول "الوطن البديل"، و"الأردن الكبير".

لا يمكن لنظام سياسي التخلّي عن جزء من التراب الوطني للدولة التي يحكمها فهذا مخالف لكل دساتير العالم

من منظور علمي، لا يمكن لنظام سياسي أن يتخلى عن جزء من التراب الوطني للدولة التي يحكمها؛ فذلك ليس فقط مخالفاً لكل دساتير العالم؛ بل إنه يطيح بشرعية النظام السياسي بالكامل، ويهدد بقاءه. ولعلّه من فضول القول، التأكيد على أنّ البقاء والاستمرار، هو الهدف الأسمى لأي كيان أو فاعل سياسي، وفق أسس العلوم السياسية الراسخة.

بعد انتشار الجدل حول الموضوع، حاولت الدبلوماسية المصرية الإيحاء بأنّ مصطلح "صفقة القرن" كان توصيفاً يقصد به امتداح ترامب فقط، وأنه لم يكن بأي حال، إشارة إلى طرح موجودٍ أو معروض، لحل القضية الفلسطينية بخاصة، والمسألة الإقليمية عموماً. وزير خارجية مصر أوضح أنّ "ما طرحه الرئيس السيسي يعني فقط، أن حل القضية الفلسطينية، وإقامة الدولة الفلسطينية، والوصول لحل للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، يعد إنجازاً ضخماً على مستوى العالم، وبالتالي يمكن وصفه بقضية القرن".

مصطلح صفقة القرن لم يشر بأي حال لطرح  معروض لحل القضية الفلسطينية بخاصة والمسألة الإقليمية عموماً

الإشارة الثانية المهمة لموضوع "صفقة القرن" جاءت على لسان الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، الذي قال في زيارته للبيت الأبيض، في أيار (مايو) ٢٠١٧: "أشكر الرئيس ترامب على إتاحة الفرصة لنلتقي للمرة الرابعة خلال العام الأول لرئاسته، وإن دلّ هذا على شيء، فإنما يدل على جدية الرئيس، بأنه سيأتي بصفقة القرن في الشرق الأوسط، خلال العام، أو خلال الأيام القادمة ان شاء الله". وانتهى العام الذي تحدث عنه (2017)، ولم يحدث شيء سوى نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، ذلك "القرار المعتق" الذي تأجل تنفيذه أكثر من عشرين عاماً، خشية ما قد ينجم عنه من ردود فعل غاضبة فلسطينياً وعربياً وإسلامياً وعالمياً. ومن اللافت أنّ القرار مرّ مرور الكرام، باستثناء قليل من بيانات الشجب، والإدانات اللفظية. فلماذا سكتت الشعوب العربية عن القرار؟ ما الذي شغلهم عن حماية القدس؟

وعلى خلاف البيانات التي أوردها صائب عريقات؛ مسؤول ملف المفاوضات الفلسطيني، والذي قدم تقريراً سياسياً إلى الاجتماع الأخير للمجلس المركزي الفلسطيني، وضح فيه ما قال إنها تفاصيل "الصفقة"، نفى وزير الخارجية الفلسطيني، رياض المالكي، علمه أي شيء بخصوص "صفقة القرن" وشكك في وجودها أساساً. وقال "صفقة القرن شيء هلامي غير موجود على الأرض". واللافت أنّ معظم تصريحات المسؤولين في السلطة الفلسطينية حول الموضع يشوبها التناقض والاضطراب بين الإقرار والإنكار. وبناء على حملات الاتهام المتبادلة، والصراع السياسي المحموم داخل أروقة السلطة الفلسطينية، لا يستبعد أن تكون مثل هذه البيانات مجرد أدوات للضغط، والتحشيد.

في إسرائيل لم تخرج أية تصريحات رسمية حول "صفقة القرن" منذ أن بدأ الحديث عنها

وكان ديفيد كوشنر، صهر الرئيس ترامب المكلف بملف عملية السلام في الشرق الأوسط، أجرى عدة زيارات إلى كل من إسرائيل ومصر والمملكة العربية السعودية، رافقتها تحليلات صحفية عديدة، زعمت أنّ الزيارة تهدف إلى إجراء مباحثات متعلقة بما يسمى "صفقة القرن". لكنْ أي من هذه الأطراف المشاركة في المباحثات لم تدل بتصريح رسمي يفيد بذلك. ولا يُعرَف على وجه اليقين، ماذا كان مضمون تلك اللقاءات. ويرجح مراقبون أنّها كانت تهدف للتمهيد إلى قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس.

في واشنطن، كان القائم بأعمال مساعد وزير الخارجية الأمريكي دافيد ساترفيلد توقع الكشف عن خطة السلام في الشرق الأوسط في بداية ٢٠١٨. وهو ما لم يحصل أبداً. وعللت مصادر فلسطينية ذلك بأنّ الإعلان عن صفقة القرن تأجل، وأنه سيكون قبل نيسان (أبريل) 2018. غير أنّ ما حصل على أرض الواقع خلال كل هذه الفترة كان تنفيذ قرار نقل السفارة فقط.

صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية المقربة من قطر، ادعت في تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠١٧، أنّ فريق ترامب بدأ في وضع خطة جديدة لإنهاء الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي المستمر منذ عقود، تتخطى كل المبادرات الأمريكية السابقة. وزعمت أنّ فريق الرئيس الأمريكي درس على مدار 10 أشهر الجوانب الشائكة في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وبلور تصورات لحلول تُخرج عملية السلام في المنطقة من الطريق المسدود، للتوصل إلى ما يصفه ترامب "الصفقة النهائية". لم تؤكد أية مصادر رسمية أمريكية مزاعم الصحيفة أو تنفيها.

المحور الإيراني القطري الإخواني نشر آلاف المقالات والتحليلات والدراسات حول موضوع صفقة القرن

في إسرائيل، لم تخرج أية تصريحات رسمية حول "صفقة القرن" منذ أن بدأ الحديث عنها. وزير الاستخبارات والمواصلات الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، قال؛ "الإدارة الأمريكية لم تبلغ تل أبيب بتفاصيل خطة السلام التي يُطلق عليها صفقة القرن". لكن بعد تنفيذ قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، نقلت القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي عن مسؤولين في البيت الأبيض قولهم: "إنّ الرئيس ترامب تراجع عن تقديم خطة سلام، وأنه لا يوجد صفقة قرن". وعلقت القناة ساخرةً، بأنّ باب عملية السلام لم يغلق فحسب؛ بل إنّ مفتاحه أيضاً رمي بعيداً.

المحور الإيراني-القطري-الإخواني، نشر آلاف المقالات والتحليلات والأوراق والدراسات حول موضوع صفقة القرن. جميعها بلا استثناء كانت منبثقة عن تصورات شخصية لكُتّابها، أو ادعاءات دون أيّة مستند أو تصريح رسمي لأي طرف من أطراف النزاع غير ما ذكر أعلاه. وكل من تحدث عن صفقة القرن، لم يقدم دليلاً واحداً على أنّ هناك خطة أمريكية واضحة للخروج بتسوية في الشرق الأوسط بين الفلسطينيين والإسرائيليين. في المقابل، تؤكد الإدارة الأمريكية أنّها لا تزال تبحث عن أفكار يمكن طرحها على الطرفين من أجل التوصل إلى تسوية شاملة، وأن لا حلول جاهزة موجودة يمكن الحديث عنها.

لم تتردد قيادات حركتي "حماس" والجهاد الإسلامي" في رفض "صفقة القرن"، وكَيْل الاتهامات لأطراف عربية ودولية زعمت أنّهم يعملون على تمريرها. رفضٌ لم يقلل من حدّته، الإقرار بعدم معرفة أي تفاصيل حول الموضوع. ولا داعي للتفاصيل أساساً من وجهة نظر الحركتين، فكل ما يأتي من "رأس الحية" شرٌّ بالضرورة.

إسماعيل هنية؛ رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية، قال: "إن حماس تسعى إلى تحقيق هدفين مُهمَّيْن في المعركة مع الإدارة الأمريكية، ومع الاحتلال الصهيوني؛ إرغام الإدارة الأمريكية على التراجع عن قرارها الظالم بخصوص القدس، وإسقاط ما يسمى بصفقة القرن". الأول مرّ مرور الكرام، ولم تنجح محاولات الاحتجاج والإدانة في تعطيله.

لا يمكن التوصل إلى حل شامل في عهد إدارة ترامب لعدم كفاءة الأطراف الرئيسة في هكذا الملف

بعد هذه الجردة، بات من المُبرَّر والمعقول، القول إنّ الحل الشامل، أو "صفقة القرن" لم يكن طرحاً حقيقياً. وأزعم أنه لا يمكن التوصل إلى حل شامل في عهد إدارة ترامب لأسباب عدة؛ أهمها عدم كفاءة أو جاهزية الأطراف الرئيسة في هذا الملف لتوقيع مثل هذه الصفقة.

إدارة ترامب مأزومة في الداخل، وتواجه صراعات محمومة مع أجهزة الأمن. والحل الشامل يحتاج إدارة قوية، تستطيع فرض حلول على اللوبي الصهيوني وإسرائيل. كما أنّ الموقف السياسي داخل إسرائيل، غير مهيأ لعقد صفقات، في ظل الملاحقات القضائية لنتنياهو، وهيمنة اليمين الذي يرفض فكرة إقامة أي كيان فلسطيني إلى جانب إسرائيل.

أما على الجانب العربي فالموقف أكثر صعوبة؛ فغالبية الأنظمة هشة ولا توجد زعامات قادرة على فرض حلول على الشارع. والسلطة الفلسطينية المنتهية ولايتها، تتقاذفها الصراعات الداخلية. وعلى الرغم من كل جهود الوساطة والمبادرات الإيجابية، لا يزال الانقسام سيد الموقف بين حركتي "فتح" و"حماس". وعليه، لن يكون بالإمكان -في هذه المرحلة على الأقل- أن تُنتج العملية التفاوضية أي حل سياسي، يمكن وصفه بـ "الصفقة".

إذن لماذا كان كل هذا الحديث، والجدل حول صفقة القرن؟

لعلّه يمكن القول إنّ المحور القطري-الإيراني-التركي، أثار جدلاً واسعاً حول ما يسمى "صفقة القرن" بعد تعبير غير موفق (مجاملة متسرعة، أو ربما هفوة لسان) من الرئيس عبد الفتاح السيسي للرئيس الأمريكي في واشنطن، وأنّ أمريكا وإسرائيل أحسنتا استخدام هذا الاتجاه في التحليل؛ لأنه يخدم أجندتهما حول القدس؛ بحيث انصبّ خوف الجماهير على القادم الأخطر، وهو هنا صفقة القرن المزعومة، في حين مرّرت أمريكا تنفيذ قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، دون أية عواقب خطرة.

ببساطة خُدِع الجمهور العربي نتيجة انتشار مخاوف من خطر كبير، ظنّ أنه قادم، فاستولى على اهتمامه وتركيزه، ولذلك سكتَ أو كاد، عن قرار نقل السفارة الذي يعني عملياً خروج القدس من دائرة الحل النهائي. وإذا كان الأمر كذلك؛ فالهدف المنشود أمريكياً وإسرائيلياً يكون قد تحقق. وإن لم يكن، وهذا محتمل، فلا شك أنّ ما يسمى "صفقة القرن" مجهول المضمون تماماً، وأنّ هناك الكثير من المزاعم الكاذبة حول الاطلاع عليه.

اقرأ المزيد...

الوسوم: