كيف تعكس مواقع التواصل الاجتماعي الأمراض النفسية للمستخدمين؟

مواقع التواصل

كيف تعكس مواقع التواصل الاجتماعي الأمراض النفسية للمستخدمين؟

مشاهدة

17/10/2019

قبل ما يزيد عن 190 عاماً، التقط المخترع الفرنسي، جوزيف نيسيفور، أول صورة فوتوغرافية في التاريخ لحديقة منزله، بعد أن عرّض اللوح المطلي بمادة الإسفلت للضوء، لثماني ساعات، لكن لم يكن يخطر بباله أن يصبح اختراعه يوماً ما سبباً في إيقاظ اضطرابات نفسية، يستعرض فيها البشر بشكل هيستيري أدقّ تفاصيل حياتهم، لدرجة أن يصوّر أحدهم نفسه خلال إجراء طقوس انتحارية.
الانتحار المعلَن
في أيلول (سبتمبر) 2017، نشر أصدقاء لطالب بكلية طبّ الأسنان من مصر، يدعى شريف قمر، فيديو على موقع "يوتيوب"، يتحدث فيه عن رغبته في الانتحار، وبلهجة شديدة الحزن والمأساوية، تعكس مدى الاكتئاب الذي يعاني منه الشاب الذي نشر تغريدة على موقع تويتر، يطلب تصويت الجمهور على أفضل طريقة للانتحار، والذي استقبله متابعوه بشكل ساخر،  حتى جاء خبر وفاته سريعاً للغاية، فسادت مواقع التواصل حالة من الاستياء والحزن البالغ على الشاب الذي لم يكن أول، أو آخر، المنتحرين، ففي الشهر نفسه؛ أعلن شاب من محافظة المنيا، يدعى حازم عبد المنعم، انتحاره، نتيجة خلاف مع عائلته على الميراث، وألقى بنفسه في النيل، لكنّه ترك رسالة أخيرة على موقع فيسبوك، يوضح فيها للجميع أنّه راحل عن الحياة، وقد نجحت السلطات في استخراج جثته من مياه النيل، فيما تحوّلت الصفحات الشخصية للشابين على مواقع التواصل آنذاك إلى سرادق عزاء، وانتشرت أنباء انتحار كليهما كالنار في الهشيم، فيما تصاعدت تصريحات الأطباء النفسيين، الذين حللوا تلك السلوكيات وفسّروها بالهيستيريا، واستجداء العطف الاجتماعي.

طبيبة نفسية: مواقع التواصل لها دور فعّال في إيقاظ الأعراض النفسية السلبية؛ ابتداءً بالنرجسية وانتهاءً بالعصاب الهيستيري

وبحلول عام 2019؛ أقدم شاب من محافظة المنوفية بدلتا النيل على الانتحار؛ ببثّ مباشر على موقع فيسبوك، وهو يرقص على أنغام موسيقية، ويدخّن سيجارته الأخيرة، ثم شنق نفسه بغرفة نومه أمام آلاف المتابعين من مشاهدي الفيديو.
وفي آب (أغسطس) الماضي؛ قرّر جراح قلب شاب من محافظة الأقصر بالصعيد المصري، تقطيع أوصاله، ونشر صورة لدمائه التي غطّت الفراش على موقع فيسبوك، فيما أسرع متابعوه وأصدقاؤه إلى الاستغاثة وإبلاغ أسرته، التي نقلته على الفور إلى المستشفى، وتمّ إنقاذه، وقد نشب الجدل ذاته الذي يحدث كلّ مرة، بين المشفقين على المنتحرين، ومن يرونهم مرضى نفسيين، يحاولون لفت الانتباه، لكن بما أنّ لكلّ حالة خصوصيتها، تُترك الكلمة الفاصلة للمتخصصين النفسيين، فبالتأكيد لا تتشابه الحالات، لكن يمكن لعلم الاجتماع في هذه الحالة أن يشارك الطبّ النفسيّ في رصد وتحليل مثل تلك الظاهرة، التي تبقى مواقع التواصل فيها الميدان الوحيد بلا منازع، فيما ترى بعض الأبحاث العلمية، أنّ مواقع التواصل هي بيئة خصبة لتربية النرجسية في النفوس منذ البداية.

 

 

"الأنا" ومن بعدها الطوفان
في دراسة قدّمها علماء من معهد "لايبنز" للمسارات التعليمية بهامبورغ، وجامعة فورتسبورغ الألمانية، نشرتها صحفية "Science Daily"؛ تمكّن فيها الباحثون من الربط بين النشاط على مواقع التواصل ووجود أعراض خفيفة إلى متوسطة، بين شكل معين من أشكال النرجسية، ومن خلال عينة شملت 25 ألف مشارك، قدّم الباحثون نتائجهم، التي أوضحت أنّ النرجسيين متواجدون طوال الوقت، لكنّهم غالباً ما يفكرون في أنّهم استثنائيون وناجحون بشكل لا يصدق، لذا فإنّ منصة مثل فيسبوك تكون مكاناً مثالياً لهؤلاء في تقديم أنفسهم إلى الجماهير؛ إذ تسمح لهم بتبادل المعلومات بشكل انتقائي بغرض الترويج الذاتي، إضافة إلى نشر صورهم المختارة بعناية، والتي ربما تختلف بشكل كبير عن حقيقتهم، فيما ربطوا أيضاً بين الخلفية الثقافية للفرد، ففي الثقافات الجماعية، حيث ينصبّ التركيز على المجتمع بدلاً من الفرد، يجد النرجسيون في مواقع التواصل ملاذاً للهرب من القيود الاجتماعية، وتقديم أنفسهم على مواقع التواصل بطريقة يستحيل عليهم فعلها في العلن، فيما استعرضت الدراسة بيانات تخصّ 16 دولة من أربع قارات لفهم تأثير العامل الثقافي.

اقرأ أيضاً: الإسلاميون أيضاً يصابون بالمرض النفسي

يوضح المشرف على الدراسة، البروفيسور في جامعة فورتسبورغ، مايكل آبيل": "في البلاد التي تكون فيها التسلسلات الهرمية الاجتماعية المتميزة، وتعاني من انقسام غير متكافئ للقوى، مثل الهند وماليزيا، نجد ارتباطاً أقوى بين النرجسية والسلوك الهستيري في مواقع التواصل، أكثر من المتواجدين في النمسا والولايات المتحدة الأمريكية، ويرجع الرابط بين النرجسية والسلوك في وسائل التواصل الاجتماعي إلى دوامة التعزيز الذاتي التي يحاول النرجسيون تغذيتها"، كما تشير الدراسة إلى درجة من درجات النرجسية الهشّة، أو ما سمّوه "النرجسية الضعيفة"، المتمثلة في الانسحاب الاجتماعي ولفت الانتباه بأفعال غريبة، مهما بدت درجة جموحها، فالنرجسي الضعيف يتعذّر عليه التواصل المباشر مع المجتمع وشخوصه؛ إذ لن يتمكن من إشباع شعوره بالتميز عن طريق التواصل العادي مع الناس، فيما يتزايد شعوره بالتهميش وقلة الانتباه، الذي يعوضه بتقديم صورة غير حقيقية عن حياته، تبدأ من التصوير الذاتي "السيلفي"، وتنتهي بأفعال غريبة تجعل منه موضع حديث الناس، وفي بعض الأحيان يكون هؤلاء الأشخاص في حاجة ملحّة إلى بناء علاقات حقيقية وصحية مع الناس، لكنّ نرجسيتهم تقف حائلاً دون ذلك.

اقرأ أيضاً: هل هناك رابط بين الصحة النفسية للفتيات ووسائل التواصل؟

مواقع التواصل هي بيئة خصبة لتربية النرجسية في النفوس منذ البداية

الانتحار كعدوى مقيتة
عام 2012؛ نشر موقع منظمة الصحة الوطنية الأمريكية دراسة بعنوان: "وسائل التواصل الاجتماعي والانتحار من منظور الصحة العامة"، تقوم الدراسة على فكّ الرباط بين زيادة معدلات الانتحار لدى من يرتبطون بمواقع التواصل الاجتماعي، وتوصلت إلى وجود رابط من خفيف إلى متوسط بين استخدام مواقع التواصل وزيادة معدلات الانتحار؛ حيث تمّ العمل على 13 تحليلاً للسلاسل الزمنية مع بيانات اجتماعية في الفترة ما بين 1987 و2005، ووثقت الدراسة علاقة إيجابية بين معدلات الانتحار وزيادة عدد الأسر التي تستخدم الإنترنت، فيما جاءت أسباب الانتحار بين التعرض للمضايقات الإلكترونية والتنمّر، خاصة بين فئة المراهقين والشباب، كما رصدت الدراسة ما توفره بيانات الإنترنت عن الانتحار وطرقه وأشكاله، وعدد زوار تلك المواقع الذي يتزايد، بينما تقل عدد المواقع التي تقدّم خدمات وقائية من الانتحار؛ ففي عام 2008 وقعت 220 حالة انتحار في اليابان، عن طريق استنشاق غاز كبريتيد الهيدروجين، لدرجة أنّ المسعفين الذين وصلوا إلى أماكن الحادثة، قد أصيبوا جراء استنشاق هذا الغاز، وتوفّي بعضهم، وألقى الباحثون آنذاك اللوم في انتشار هذه الطريقة على شبكات الإنترنت، ما جعلها تنتشر بين الشباب.

اقرأ أيضاً: أكثر 10 عربيات مؤثرات في مواقع التواصل الاجتماعي

وفي إطار ربط العديد من الدراسات الحديثة بين الانتحار ومواقع التواصل الاجتماعي، تؤكد أخصائية الصحة النفسية، سلوى وقاد، لـ "حفريّات" أنّ "مواقع التواصل لها دور فعّال في إيقاظ الأعراض النفسية السلبية؛ ابتداءً بالنرجسية، وانتهاءً بالعصاب الهيستيري والانتحار، والذي يكون في غالبية حالاته إمّا مدفوعاً بالعدوى التي تصيب الفئات الهشّة نفسياً، وتجذبهم التجربة لتكرارها، أو لفت الانتباه واستجداء العطف من الناس، حتى لو تكلّف الأمر إنهاء الحياة، وفي بعض الأحيان يتم الانتحار العلني كصرخة في وجه المجتمع، لكنّها، للأسف، تصيب الآخرين بالعدوى، فتجذبهم شاعرية الحالة الانتحارية، أكثر من أنّها تصبح صيحة نذير حتى يتم علاج المشكلة من جذورها"، نظراً إلى أنّ الإنترنت يزيل الحواجز الجغرافية بين البشر؛ فإنّ احتمالية أن يصاب الناس، خاصّة من يعانون في حياتهم، بعدوى الانتحار عن طريق مواقع التواصل، تبدو مرتفعة للغاية، وما يشجع عليها هو الإرث الذي يتركه الشخص المنتحر، من رسائل مكتوبة أو مصورة، تبدو للكثيرين مصدر إلهام يدفعهم للانتحار عن وعي أو بدون، لكن تبقى النتيجة واحدة.

الصفحة الرئيسية