العراق منذ 2003 وحتى الثورة: سوق مفتوحة لبضائع إيران وعبثها (2-3)

العراق

العراق منذ 2003 وحتى الثورة: سوق مفتوحة لبضائع إيران وعبثها (2-3)

مشاهدة

16/10/2019

لم يكتب للدولة العراقية الجديدة أن تظهر حتى الآن؛ فالاحتلال لا يبني دولة، والتدخلات والأطماع لا تفعل ذلك أيضاً، وبين براثن هذَين الوحشَين، ما يزال العراق ينزف في 2019 دم أبنائه، وتُستنزف بناه الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، من أجل أن يحفظ كلّ مكاسبه، على صعيد النخبة المتحكمة في السلطة عموماً، وكذلك من قِبَلِ إيران، فكيف يحدث هذا مراراً وتكراراً على حساب العراق؟
المستقبل المسلوب
خلال الفترة بين عامَي 2003 و2010، بذلت إيران جهوداً جبارة لتوحيد القوى الشيعية (الميليشيوية تحديداً) من أجل بناء أكثريةٍ شيعية تضمن لها أغلبيةً موالية، يمكن لها أن تساهم في تشكيل حكوماتٍ تتفق مع سياسات طهران، وقد دعمت إيران، حتى عام 2010، العديد من التيارات العراقية، مثل: "فيلق بدر" (التابع للمجلس الأعلى العراقي)، و"جيش المهدي" (التابع للتيار الصدري وقائده مقتدى الصدر)، وكذلك لواء "اليوم الموعود"، لكنّ إيران "لم تنجح كلياً في توحيد صفوف التيارات الشيعية العراقية، التي كانت تتبع مصالح مختلفة وقيادات متقلبة الآراء، مثل: آية الله السيستاني، ومقتدى الصدر، وغيرهما، إضافةً إلى خلافاتها مع الحكومة العراقية، وفق دراسة لمعهد واشنطن في 2011.

تمنع إيران أيّ تطور اقتصادي عراقي للحفاظ على مكاسبها وتصدّر المنتجات الفاسدة وتحاول جعل السياحة دينيةً فقط

وفي النهاية؛ "اقتصر دعم إيران على جيش المهدي، وجماعة عصائب أهل الحقّ، وحزب الله العراقي، واستمرت إيران بتقسيم جماعاتها وعناصرها على هذه المجموعات، وتطورت قوتها، التي لا دليل أكبر عليها مثل المباحثات الأمريكية في تلك الفترة معها حول مستقبل العراق"، بحسب تقرير نشره موقع "إضاءات"، عام 2015.
وفي تعليقه على هذه السياسات الإيرانية، قال أستاذ الدراسات الثقافية في الجامعة الأمريكية بالعراق، عقيل عباس، لـ "حفريات": "تمّ استهداف قياداتٍ سنّيةٍ عديدة، مثل طارق الهاشمي وسواه، واستبعادهم، من أجل الحفاظ على أغلبية شيعية في السلطة، وهذا ما قاد إلى حربٍ جديدة، تصدرها تنظيم داعش الإرهابي هذه المرة، وساهم إقصاء السنّة مرةً أخرى، في تمدّد التنظيم الإرهابي نوعاً ما، وقد تطور الخطاب الطائفي بعد ذلك، من خلال نوري المالكي، الذي شكل مرحلةً من الاستقطاب الشيعي، وهو ما أدّى إلى إقصائه لاحقاً في 2014، وقدوم حيدر العبادي إلى الرئاسة، ومن ثم تشكيل ميليشيات الحشد الشعبي، التي تتبع الجيش العراقي ميدانياً، وتكتسب شرعيتها من النجف الأشرف، للمحافظة على (وحدة واستقرار العراق) كما كان معلناً".

اقرأ أيضاً: حروب وفساد وتدخلات إيرانية: العراق منذ 2003 وحتى الثورة (1-3)

تدين الميليشيات بالولاء لطهران وتعدّ سبباً ممكناً لاشتعال العنف

لكنّ الحشد الشعبي تطرف في أجزاء منه، وأخذ، على حدّ تعبير عباس؛ يميل إلى "الولي الفقيه"، فيما بقيت تياراتٌ أخرى منه وفيةً إلى وطنيتها، وقد دعمت ظهور تيارٍ ليبراليٍ شيعي لاحقاً، رأى فيه عباس أنه يمثل "أصحاب نزعةٍ إصلاحية وطنية، حيث تعدّ احتجاجات البصرة، عام 2018، مثالاً على تلك التحركات الإصلاحية".

80 بالمئة من المخدرات في العراق تدخل من الحدود البرية الطويلة مع إيران التي تقوم بتهريب النفط ومواد أخرى

لكن، في الوقت ذاته، يؤكّد عباس أنّ إيران عملت كقوةٍ شدٍّ عكسي، ولم تدعم أيّة عملية إصلاحٍ داخل العراق، وقد أبقت على تحالفاتها مع النخب والقوى الفاسدة حفاظاً على مصالحها، حتى إنّها بدأت تفقد جزءاً من شعبيتها بعد 2015، بين صفوف العديد من الشيعة العراقيين، الذين ينتمون إلى الطبقات العامة والشعبية في أغلبيتهم، ومعظمهم بعيدون عن مراكز القوى المتحالفة مع طهران.
وربما يكشف دور إيران، في تراجع الاقتصاد العراقي، وإبعاده عن النمو في المستقبل، أيضاً، كيف نمت المعارضة من جديد، في صفوف كثيرين من شيعة العراق العرب، غير المرتبطين بـِ "قم"، ولا بمصالح مرجعياتها الدينية التابعة لإيران.
"فرانكنشتاين في بغداد"
يمكن القول إنّ جسد العراق بمقوماته السياسية والاجتماعية تمزق، بينما تمّ العبث باقتصاده أيضاً، ليعكس وجهاً بشعاً قوامه الفقر وانعدام فرص العمل وتراجع التنمية؛ حيث إنّ "أدوات إيران تمنع رجوع الصناعة العراقية الوطنية، خوفاً على مصالحها، وتجارتها في الداخل العراقي، فحجم التبادل التجاري بين العراق وإيران يصل إلى أكثر من 16 مليار دولار سنوياً، وهو ليس تبادلاً تجارياً؛ لأنّه أحادي الجانب، فالعراق لا يُصدّر أي شيء لإيران تقريباً"، وفق تقرير بحثي صدر عن موقع "الحلّ" العراقي في تموز (يوليو) 2019.

الحدود العراقية الإيرانية وحديث دائم عن عدم حصولها على الحراسة الكافية

ومنذ أكثر من 16 عاماً، بقي العراق بالنسبة إلى إيران مجرد رصيدٍ مفتوح، كما أنّه "سوق مفتوحة لشتى بضائعهم، الرديئة وغير الرديئة، بما فيها السيارات وقطع الغيار، والتجهيزات في مجال النفط، والغاز، والغاز المسال، والإمداد الكهربائي لغالبية المحافظات، وحتى السلع التي لا يحتاجها السوق العراقي، لكنها تُفرض فرضاً من خلال النفوذ الواضح"، بحسب المصدر ذاته، الذي يضيف أيضاً، على لسان خبراء اقتصاديين عراقيين، مثل: سلام سميسم، وصالح الهاشمي، أنّ عمليات تهريب النفط من البصرة إلى إيران مثلاً،  "تمر عبر أنفاق وأنابيب وأحواض كبيرة محفورة لتهريبه دون رقابة أو سلطة من أحد، حيث تحصل الأحزاب الموالية لها على نسب من عمليات التهريب؛ فمن بين 3 ملايين و550 ألف برميل (معدل طاقة تصدير النفط الخام) في البصرة يومياً، يتم تهريب ما يُقارب الـ 375 ألف برميل إلى إيران يومياً".

اقرأ أيضاً: قمع التظاهرات العراقية.. هل تغير الوضع عن النظام السابق؟

لا يهيمن العراق وطنياً على اقتصاده ويتعرض للاستغلال المستمر من إيران

أما في مجال الاستيراد؛ فإنّ العراق يتلف، بحسب الخبيرَين الاقتصاديَّين، ما مقداره "900 ألف طنٍ من المواد الغذائية الفاسدة كلّ شهر، وهي قادمة من إيران"، كما يؤكدان؛ أنّ "80% من المخدرات التي تدخل العراق، قادمة من إيران، إضافةً إلى السياحة التي تستفيد منها إيران بقصرها على السياحة الدينية فقط، للمراقد والأماكن الشيعية المقدسة".

تسعى إيران لإضفاء روح (فيلق القدس) الممثل العسكري لأيديولوجيتها على الميليشيات الشيعية في العراق لبناء أكثريةٍ سياسيةٍ ودينية

وإيران، التي لا يخفى دعمها للميليشيات المسلحة، كحزب الله العراقي وغيره من القوى الموالية لها، تتمتع بحدودٍ برية طويلةٍ مع العراق، تمكنها من القيام بالكثير من الأعمال، المتعلقة بنقل الأموال المشبوهة لهذه التيارات، والضلوع في دعمها إرهابياً، وتساهم في معضلات البنوك العراقية الرئيسة، التي تعاني عدم منحها الثقة الدولية، بسبب العلاقات المحتملة (القسرية) مع إيران والنشاطات المشبوهة في عمليات غسيل أموال.
ويتواصل هذا التوغّل الإيراني العميق في العراق، ومحاولة إيران إضفاء روح (فيلق القدس) الممثل العسكري لأيديولوجيتها على الميليشيات الشيعية في العراق، وبناء أكثريةٍ سياسيةٍ ودينية لخدمة مصالحها، مقابل تراجع في حالة العراق، الذي كاد وجهه المستقبلي يتحول إلى مسخٍ لا علاج له، لذلك أخذ العراق يغلي، وبدأت ردود الفعل الشعبية تظهر في 2018، إلى أن انتفضت بوضوح مؤخراً، فما هي طبيعة هذه الانتفاضة الشعبية؟ وما هي مكوناتها؟ وإلى أين تؤدي مستقبلاً؟

الصفحة الرئيسية