قمع التظاهرات العراقية.. هل تغير الوضع عن النظام السابق؟

العراق

قمع التظاهرات العراقية.. هل تغير الوضع عن النظام السابق؟


14/10/2019

مع إعلان "المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق" عن وفاة متظاهرين اثنين في محافظة ميسان (جنوب) بلغ عدد الضحايا الذين سقطوا في القمع الرهيب للاحتجاجات الشعبية  108، والجرحى زادوا على الأربعة آلاف، غير الذين سحبتهم عوائلهم من المشافي بعدما بدأت حملة من التحقيقات طالت الجرحى وهم على أسرّة العلاج.

اقرأ أيضاً: احتجاجات العراق.. والدور الإيراني
هذا المشهد في ملاحقة الجرحى واقتيادهم إلى السجون أو تغييبهم يذكّر بآخر مارسته سلطات نظام صدام حسين في العام 1991 بعد إفشالها انتفاضة شعبية بقوة الحديد والنار، وهو ما يلفت إليه الكاتب صادق الطائي، في مقال له نشرته صحيفة "القدس العربي" أول من أمس: "من ناحية العنف الذي وجّهته القوات الحكومية للمتظاهرين، فقد كان الأعنف مقارنة بكل حالات المواجهة بين محتجين وقوات حكومية منذ 2003، وذكّر قمع المتظاهرين بأداء القوات الأمنية للنظام السابق في تعاطيها مع المحتجين".

بين ضحايا التظاهرات من وُلدوا العام 2003 مع الاحتلال الأمريكي وآثاره الكارثية
وما كشفته لاحقاً فيديوهات صورها مواطنون وناشطون ومدونون عن فصول القمع للمتظاهرين تؤكد أنّ العراق انتقل بقوة من "ديمقراطية ناشئة" إلى "دولة بوليسية متوحشة" شيّعت المحتجين باتهامات موالاة البعث والسفارات الأجنبية، وهو ما يتوقف عنده الكاتب والصحافي الشاب أحمد الشيخ ماجد؛ حيث كتب على صفحته على فيسبوك: "بين شهداء التظاهرات هناك من مواليد 2003، ولدوا مع الاحتلال الأمريكي وآثاره الكارثية، سمعوا رصاصات الحرب الطائفية وكانوا أطفالاً، كان شيعة السلطة من المسؤولين عن هذه الحرب أيضاً، شاهدوا جثث إخوانهم ملفوفة بالأعلام العراقية بعد اجتياح تنظيم داعش للمحافظات العراقية، وكان شيعة السلطة من المسؤولين عن هذا أيضاً، مرت عليهم جثث العراقيين متناثرة في مناطقهم أثناء المفخخات، حين كانت كل سيّارة عراقية مشروع مفخخة، وكان شيعة السلطة من المسؤولين عن هذا الأمر، وشيعة السلطة هم المسؤولون عن دمائهم، وحدهم فقط، لا منافس لهم في الإجرام".

"قوات مكافحة الشغب" التي كان لها الدور البارز في قمع المتظاهرين تحولت إلى "منفى للمُعاقبين" في وزارة الداخلية

ويتساءل كثير من العراقيين عن مؤسسات أمنية تقمع المتظاهرين بهذه الوحشية، فيما يفترض أنّها بنيت بعد العام 2003 على قيم حقوق الإنسان ومنها حق التظاهر والاحتجاج السلمي، لنكتشف أنّ "قوات مكافحة الشغب" التي كان لها الدور البارز في قمع المتظاهرين قد تحولت إلى "منفى للمُعاقبين" في وزارة الداخلية التي توزّع الضباط والمراتب قبل تخرجهم على أجهزتها المتنوعة؛ حيث ينخرط الضباط في دورات تخصصية في مجال عملهم، وفي حالة إجراء نقل أو تنسيب لضرورة ما يكون لقسم مقارب للقسم الأصلي.
لكن قوات مكافحة الشغب تحوّلت إلى منفى للمُعاقبين في الوزارة، بحسب مصدر في الوزارة، والذي يقول إنّ "النقل إلى قوات مكافحة الشغب هي إحدى أقصى العقوبات التي يتلقاها الضباط المخالفون أو المرتشون بعد إحالتهم للجان تحقيقية".

اقرأ أيضاً: العراق ما بعد الأول من أكتوبر
وثمة ضابط برتبة نقيب كان في مديرية المرور العامة "ضُبط متلبساً بتسلم رشاوى مقابل منح إجازات سوق وتمرير معاملات أخرى"، لكنه تمكّن من تجنّب عقوبة الفصل بـ"دفع مبالغ كبيرة، قبل أن يصدر قرار من قبل القائمين على ملفه، يقضي بنقله إلى قوة مكافحة الشغب؛ حيث ظهر في تسجيلات فيديو لأكثر من مرة يضرب المتظاهرين في ساحة التحرير".

ما آلت إليه مؤسسة الحكم بالعراق جعلت حتى المتعاطين معها بشيء من الموضوعية يطالبون برحيلها

جهازان تابعان لوزراة الداخلية، هما؛ "الشرطة الاتحادية"، وجهاز "مكافحة الشغب" كانا الأكثر قمعاً للمتظاهرين، وهو ما سيجعل التحقيقات تتوجه نحو قيادات وضباط كبار في الجهازين وتحميلهم المسؤولية لتجنّب الحقيقة القاسية والتي تتعلق بأنّ القناصة الذين أثخنوا جراح المتظاهرين واستهدفوهم واحداً واحداً ينتمون إلى ميليشيات مسلّحة مقربة من إيران وتعمل ضمن هيئة "الحشد الشعبي" برئاسة مستشار الأمن الوطني فالح الفياض.
ونقل تقرير صحافي، نشرته "العربي الجديد"، تأكيداً على مسؤولية أركان الحكومة في قتل المتظاهرين: "آمرو ألوية وأفواج، ومسؤولون في مكتب عبد المهدي ومكتب مستشار الأمن الوطني فالح الفياض، يقفون وراء إعطاء الأوامر بإطلاق النار وقمع المتظاهرين، خصوصاً بين 3 و6 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري. أصدروا أوامر وتوجيهات بقمع المتظاهرين في ساحة التحرير والطيران وقرب مستشفى الجملة العصبية ليلة السبت وشارع الفلاح وساحة مظفر في مدينة الصدر مساء اليوم التالي (الأحد) من الأسبوع الماضي، صادرة من قيادات أمنية رفيعة على صلة بمكتب رئيس الحكومة نفسه".

رئيس الوزراء العراقي عادل عبدالمهدي
ويلفت الخبير الأمني والسياسي هشام الهاشمي، في مقال له منشور على موقع "ناس نيوز"، إلى أنّ "التهم سوف توجه إلى ضباط من مكافحة الشغب والشرطة الاتحادية والطوارئ وقوات من الجيش العراقي، علماً أنّ هذه الرتب جميعها كانت لديها تعليمات صارمة من عادل عبد المهدي بعدم استخدام القوة المميتة مهما كانت الظروف، وبحسب سجلات هؤلاء الضباط إنّ أغلبهم حضر ورشاً ودورات تدريبية عن حقـوق الإنـسان، وقـد انكـشفت أسماء ووجوه هؤلاء الضباط لدوائر المعلومات والأمن الخاصة بالأجهزة التي ينتسبون إليها".
المتهمون يحققون بقتل المتظاهرين!
ولتدارك فضيحة تحوّلها إلى حكومة بوليسية حقيقية، أمطرت الرئاسات العراقية الثلاث على مواطنيها "لجان تحقيقية بقتل المتظاهرين"، وانتهت لاحقاً إلى لجنة مركزية برئاسة الحكومة، غير متنبهة إلى مفارقة أنّ "التحقيق بقتل المتظاهرين سيكون من قبل الطرف المتهم بقتلهم"، فيما لا يبدو مؤكداً دور قوي للقضاء، وهو ما تنبه إليه الخبير الهاشمي "لقد كشفت التسريبات أنّ لجان التحقيق المشتركة التي تم تشكيلها للتحقيق في عملية انتهاك حقوق الإنسان واستخدام العنف المفرط في تفكيك تجمعات التظاهرات في بغداد والنجف وذي قار، بحاجة لمشاركة قضاة من مجلس القضاء الأعلى، وإنّ نتائج التحقيق قد تتأخر أكثر من 5 أيام وقد لا يتم نشر نتائجها أمام الرأي العام".

الهاشمي: التهم سوف توجه إلى ضباط من مكافحة الشغب والشرطة الاتحادية والطوارئ وقوات من الجيش العراقي

وحيال مسؤولية رئيس الحكومة، وهو ما حاول التنصل منه، كتب الناشط والصحافي أحمد عبد الحسين، في صفحته على الفيسبوك، خطاباً قصيراً لعبدالمهدي: "لقد خسرت معركتك أمام شعبك حين أغراك مستشاروك بانتهاج أسلوب سلفيك (المالكي والعبادي). اليوم قتلتْ "قواتك" شباناً عزّلاً بدم بارد، وأظنك قد كتبت نهايتك بيديك. ويا لها من نهايةٍ لرجلٍ تنقّل في الأيديولوجيات من ماركسيّ ماويّ إلى قوميّ اشتراكي ثم إلى عنصر في الحرس القوميّ ثم إلى إسلاميّ متشدد فإسلاميّ متحزب فإسلاميّ مستقلّ ثم ها هو يصبح في لحظةٍ سوداء عدوّاً لشعبه وقاتلاً لشبابٍ بعمر الزهور".
ويذكّر عبدالحسين "رفيقه" القديم أيام العمل في المعارضة العراقية قبل 2003 "سيدنا أبا هاشم، أنت على مشارف الثمانين من عمرك الذي لم يبق فيه متسع لحياةٍ تنعم بها هانئاً حتى لو ضممت مال سلفيك؛ العبادي والمالكي، إلى مالك الكثير أصلاً. سنّك تجعل القبر أقرب إليك من حلم التنعّم بهذه الأموال. هل تتقبّل نصيحة من "صديقك" القديم الذي عمل معك أيام المعارضة: الاستقالة أفضل ما تفعله الآن. عسى أن تكفّر فيها عن بعض ذنبك. يا لها من نهاية"!

اقرأ أيضاً: لماذا ثار العراقيون؟
ما آلت إليه مؤسسة الحكم في العراق جعلت حتى من الأصوات التي تتعاطى معها بشيء من الموضوعية تطالب برحيلها، ومجيء أخرى بإشراف دولي لا دخل لمؤسسات النظام الحالي في تنظيمها، وهو ما كتب حوله الصحافي مشرق عباس، في مقال له منشور على موقع "الحرة" حيث قال: "يبقى الأصل في التعاطي مع المطالب التي أشعلت التظاهرات من خلال ما قدمه المتظاهرون أنفسهم من مطالب، وتضمنت حلولاً جوهرية لإصلاح النظام السياسي برمّته من خلال حزمة قوانين وإصلاحات تبدأ بقانون انتخابات عادل ومفوضية نزيهة وإشراف أممي على الانتخابات مع الأخذ في الحسبان الذهاب إلى انتخابات مبكرة وإنهاء نظام المحاصصة، مروراً بتفعيل قوانين وإجراءات الخدمة العامة والقضاء على الفساد، وانتهاء بوضع خطط منهجية لتوفير الخدمات والتعاطي مع أزمات الشباب".

الصفحة الرئيسية