فيلم "الممر": رسالة لإسرائيل أم حشد للجماهير؟

السينما المصرية

فيلم "الممر": رسالة لإسرائيل أم حشد للجماهير؟

مشاهدة

15/10/2019

لم تحشد مصر، ذات التاريخ السينمائي العريض، لفيلم مثل حشدها لـ "الممر"؛ فبمجرد نزوله في السينما، موسم عيد الفطر 2019، دعت أحزاب وهيئات ونقابات عمالية لمشاهدته؛ بل وقدّمت عروضاً بنصف الثمن.

دار الإفتاء المصرية: فيلم "الممر" عمل فني وجَّه ضربة موجعة لقادة حروب الجيل الرابع والذين يستهدفون تثبيط الروح الوطنية

في هذه الفترة لم ينجح الفيلم الذي تكلّف 100 مليون جنيه مصري جماهيرياً، حتى قرر المسؤولون عن الإعلام والدراما عرضه في قنوات خاصة، مملوكة لجهات بالدولة، قبل عرضه في التلفزيون الرسمي، فحدثت المفارقة التي لم تحدث من قبل؛ إذ اجتمع المصريون، للمرة الأولى، أمام الشاشات بالملايين، وحصل جدل كبير بين مؤيد ومعارض، بين من ينتقده من ناحية الصناعة، ومن يراه تطوراً في تصوير المعارك، ومن يتحدث عن المحتوى، ومن يتكلم عن الرسالة، وكيف أنّه أول فيلم يوثق لحربَي 67 والاستنزاف، وكان من الواضح أنّ الحشد لعرضه بهذا التوقيت له رسالة كبيرة، في وقت كان فيه الجيش المصري يتعرض لانتقادات واسعة، وقد تكون هذه الرسالة، داخلية أو خارجية، لكنّ لكل منهما مهمّة وكبيرة على كلّ المستويات، والأهم هو أنّ المصريين كانوا عطشى لمشاهدة تاريخهم وبطولات جيشهم، وأنّهم يمكن أن يقعدوا ويتابعوا باهتمام دراما مختلفة فيها قصص وبطولات وطنية.
تتشابه أحداث الفيلم كثيراً مع الفيلم الغربي "إنقاذ المجند رايان"

حكاية من سرد خيالي
تتشابه أحداث الفيلم كثيراً مع الفيلم الغربي "إنقاذ المجند رايان"، مع دمج بسيط من قصة البطل المصري، الشهيد إبراهيم الرفاعي، الملقب بصائد الدبابات الإسرائيلية، وهي من تأليف مخرجه شريف عرفة، وتبدأ بعد النكسة، عام 1967، مباشرة، وهي الفترة التي تعرف باسم "حرب الاستنزاف"، التي تمثل البداية الحقيقية لنصر تشرين الأول (أكتوبر)، وتستمر ساعتين ونصف الساعة، حول مهمة ضرب معسكر للعدو في سيناء، يضمّ احتياطياً كبيراً لسلاح العدو، ويتم تكليف الضابط "نور"، أحمد عز، بهذه المهمة، ولإضفاء المزيد من الصعوبة على العملية؛ فإنّ الفيلم يسرد كيف أنّ هذا المعسكر يضمّ مجموعة من الأسرى المصريين.

اقرأ أيضاً: "الممر" فيلم مغامرات تقليدي أم علامة بارزة في السينما المصرية؟
يجتمع في أحداث الفيلم ضباط للجيش من أسلحة مختلفة متنوعة، ومدني كان يعمل صحفياً، وبدوي من سيناء، ومجند من النوبة، ومجموعة من الجنود، ليضفي هذا التنوع حكايات جانبية متنوعة حول واقع ومشكلات مصر في هذه الفترة.
يقول الكاتب الصحفي، يوسف وهيب، على صفحته بمواقع التواصل، لم تكن السطور الأولى حول فيلم "الممر"، سوى مفتتح ومدخل، وأنا هنا لن أتحدث عن الأبعاد القيمية والوطنية للعمل، لكن أهمّ ما فيه أنّه كان بمثابة "الترمومتر" الكاشف والمبين للروح المصرية الحقيقية وعشق المصريين لجيشهم ورموزه من الشهداء والمقاتلين الأبطال ومحبة وطنهم مهما كانت الظروف والأحوال.
وحينما نتناول قضية الإنتاج؛ نجد أنّ المبلغ المرصود لإنتاج فيلم سينمائي توثيقي لبطولات الجيش المصري، وهو مبلغ 100 مليون جنيه، مبلغ أقل من البسيط، لكنّ جهود الشؤون المعنوية للقوات المسلحة، وما قدمته من تسهيلات وملابس وعربات وطائرات جعلت المهمة ممكنة .

الناقد ميكيوي: كان الحوار الذي صاغه الشاعر أمير طعيمة ساذجاً وكان من الممكن الاستعانة بسيناريست محترف

فيلم "الممر" تكلّف 100 مليون جنيه، وحقق حوالي 80 مليون جنيه، حتى الآن، ورغم أنّ التكلفة عالية إلا أنّ الإقبال على مثل هذه الأفلام يجب أن يكون مغرياً للمنتجين، خاصة في ظلّ توافق القوات المسلحة على منح تسهيلات مجانية بغرض التوثيق لهذه الفترة المجيدة في تاريخها، والتي لن تتكرر مستقبلاً، فالأمر يستحق ولا يجب أبداً نسيانه.
يقول الكاتب محمد الدسوقي رشدي: "جاء فيلم "الممر" ليؤكد أنّ شعب مصر له "كتالوج" يجيد قراءته من يعرف تاريخ الأمة، فالشعب عاد، جماعات وأفراداً، ليلتف حول بطولة أبنائه في عزّ العتمة، وفي لحظة انكسار حدثت عام 1967، هي لحظة لا ينساها الشعب؛ لأنّه حقّق أعظم انتصار عسكري ضدّ العدو نفسه، وعلى الأرض ذاتها بعد ستة أعوام، وحسم المعركة في ستّ ساعات".
يضيف الكاتب الصحفي: "أظهر عرض الفيلم تعطّش قطاعات كبيرة من المصريين لمعرفة التاريخ الحقيقي للحرب، بعد أن ناله كثير من المغالطات والغلو والانتقاد المغرض، ولهذا كنت أرى أن يكون فيلماً توثيقياً، لا درامياً، يعرض معارك حقيقية، فما عرض في الفيلم هو توليفة، صيغت بشكل درامي لا يمكن الإشارة إليها باسم معركة بذاتها".

ضجّة أم نجاح؟
أثار الفيلم ضجة كبيرة وواسعة شملت تقريباً عموم المصريين، ورأت جماعة الإخوان أنّ الفيلم يصرف الناس عن مشاكلهم الحقيقية، فيما رأى مراقبون وكتّاب كبار، منهم أحمد أيوب، رئيس تحرير مجلة "المصوّر"، في تصريح لـ "حفريات"؛ أنّ المشاهدة العالية دليل على أنّ المصريين في حاجة لهذه النوعية من الأعمال السينمائية والدرامية التي تقدم بطولات الجيش، خاصة أنّ مجموعة أفلام السبعينيات والثمانينيات لم تعد تناسب الأجيال الجديدة في تقنياتها ولغة حوارها، والثانية أنّ الشباب، وهم نسبة ليست بالقليلة ممن حضروا الفيلم، سينمائياً وتلفزيونياً، لديهم قبول بفكرة الجيش الوطني وبطولاته، لكننا على مدى الأعوام الماضية كنّا نخاطبهم بلغة لا تلقى قبولاً لديهم، وجاء "الممر" ليؤكد أنّ اللغة المطلوبة هي غير المباشرة والإقناع بأعمال تتناسب مع ثقافتهم.

اقرأ أيضاً: فيلم الجوكر.. هل يعكس خللاً آخر بين جيلين؟
العائلات رأت أنّ الفيلم فرصة لتقدم لأبنائها حدثاً لم يعايشوه، ولم يستوعبوا قيمته، وفق أيوب، بل وغرقوا تحت آلة الإعلام الإسرائيلية والإخوانية الكاذبة، التي تتفّه كلّ ما فعله ويفعله الجيش ومصر بشكل عام.
وينفي أيوب أن تكون الضجة حول الفيلم مصنوعة؛ لكنّه نجاح تحقق فعلياً؛ لأنّ أسبابه متوافرة، أما مستقبل هذه النوعية من الأفلام فيعتمد على حسن اختيار القصص، وفرق العمل، وعدم التسرع، وتقديمها بشكل متكامل، وبتقنيات عالية.
من ناحية أخرى؛ يرى الكاتب والناقد، آدم ميكيوي، أنّ الفيلم راق للدولة المصرية بما يتضمنه من خطاب يظهر بطولات الجيش في وقت كان يتعرض لنقد كبير، وأنّه لم ينجح نجاحاً كبيراً، لكنه حينما عرض تلفزيونياً فقد حقّق المطلوب، وساعد في ذلك إبهار المشاهد الحربية، وتنفيذ المعارك؛ حيث كانت كلّ أفلام الحروب المصرية تعتمد على ما قام به المخرج محمد راضي في محاكاته للعبور، وكانوا يقتطعون أجزاء مما فعله؛ لذا سنجد أنّ أفلاماً مثل: "الطريق إلى إيلات"، و"يوم الكرامة"، وغيرهما، كانت لديها مشكلة في تنفيذ الحروب، وأما "الممر"؛ فقد استعان مؤلفه ومخرجه، شريف عرفة، بجنوب أفريقي هو من أخرج المعارك بهذه الطريقة.

اقرأ أيضاً: كيف تحول فيلم الجوكر إلى قضية أمنية في الولايات المتحدة؟
آدم ميكيوي يرى أنّ "الفيلم محاكاة لإنقاذ الجندي رايان، ولا توجد فيه حبكة حقيقية، وأنّ كثيرين انزعجوا من مشهد "السنترال"، وكيف اعتدى ضابط بالجيش على مواطنين استهزأوا به، وبانسحاب عام 67، كما انزعجوا من صورة الصحفي الحربي، وكيف أنّها مشوشة وغير حقيقية، ما أثار غضب المجتمع الصحافي".
يقول ميكيوي: "كان الحوار الذي صاغه الشاعر أمير طعيمة ساذجاً، وكان من الممكن الاستعانة بسيناريست محترف، وكان في بعض التمثيل تصنّع، وكأنّهم يريدون التفاف الفيلم لصناعة نجم؛ حيث تركزت الصور على أحمد عز والـ (بوتوكس) في وجهه، حيث لم يظهر كجندي يعاني، فضلاً عن سذاجة في الطرح القصصي، رغم أنّ أفلام البروباغنادا مثل: "أنا كوبا"، و"إيفان الرهيب"، و"الأيدي الناعمة"، وغيرها كانت تقدم طرحاً منضبطاً.

سخرية من المدنيين أم الصحفيين فقط؟
يرى الكاتب والناقد، آدم ميكيوي، في حديثه لـ"حفريات" أنّ "الفيلم كان جيداً، رغم بعض العيوب، مثل تقديمه وجبة من السخرية من المدنيين لصالح العسكريين؛ حيث إنّ الذي كتب السيناريو اختار اسم "إحسان" للمراسل العسكري، وأظهره بـ "المستهزئ والمستهتر والخائف الجبان المتردد"، وعلى الناحية الأخرى؛ أظهر المجنّد أنّه لا يخشى شيئاً ويواجه الطائرات بصدرٍ عارٍ، وحتى عقارب الصحراء لا يهتم بها.
ويردّ الكاتب الصحفي، سامي عبد الراضي، على صفحته بالفيسبوك قائلاً: "معلوم للجميع أنّ المراسل العسكري يخضع لتحريات من جميع الأجهزة الأمنية في مصر، هو وعائلته، وتأتي الموافقة بعد فترة زمنية ليست بالقصيرة بشرط التزامه وشجاعته ووطنيته، وعليه فلا أصل لاختيار "محرر راقصات" محرراً عسكرياً في الواقع، وإن الأمر خضع لخيال (شريف عرفة)".

أثار الفيلم ضجة كبيرة وواسعة شملت تقريباً عموم المصريين، ورأت جماعة الإخوان أنّ الفيلم يصرف الناس عن مشاكلهم الحقيقية

ويعلق الكاتب الصحفي، خالد حريب، لـ "حفريات": "بغضّ النظر عن اللعبة الدرامية في الفيلم، فإنّ ما تمّ سرده له بعض في الواقع، وأنا أتساءل: "كم صحفي يشبه شخصية نجيب محفوظ (محجوب عبد الدايم)، لسنا أبرياء بهذه المهنة العجيبة المسماة بالصحافة، التي تتهاوى ليس بسبب تضييق الحريات، لكن لانتشار سرطان الفساد في نسبة كبيرة من جسدها؛ حيث الابتزاز واستغلال النفوذ والجهل النشيط.. لسنا أبرياء، ولو لدى الأغلبية منّا شجاعة الرفض والاستقلال لرفضنا فكرة الريشة التي يريدها البعض على رأس الصحفي، مهنتنا بها: حسن سبانخ المحامي، وبها الطبيب تاجر الأعضاء، وبها القابض على الجمر، وهم نسبة قليلة لا يمكن رؤيتهم بالعين المجردة.
دار الإفتاء المصرية، التي دخلت على خطّ الضجة، أصدرت بياناً قالت فيه إنّ "فيلم "الممر" عمل فني وجَّه ضربة موجعة لقادة حروب الجيل الرابع، والذين يستهدفون تثبيط الروح الوطنية ونشر الفرقة والاختلاف، ويكيدون لمصر وابلاً من الإشاعات والأكاذيب عبر صفحات التواصل الاجتماعي وفي وسائل الإعلام الحديثة، وهو عمل فني إبداعي رسم لوحة للصمود والفخر الوطني، وبثَّ الروح الوطنية في النفوس، وأبرز بطولات المصريين وتضحياتهم خلال المواجهة مع العدو، الأمر الذي أعاد روح النصر والفخر والاعتزاز بقيم الفداء والوطنية والاعتزاز بالهوية.

اقرأ أيضاً: كيف شخّص فيلم فندق مومباي مصادر الإرهاب؟
وبيّنت أنّ الفيلم بثّ قيماً دينية ووطنية مهمة، وعمل على رفع الروح المعنوية للمواطنين، وهذا هو دور الفنّ المنضبط الذي تحتاج له الأسرة المصرية، لإرشاد الناس ونشر الوعي، والفيلم بداية لعودة السينما المصرية الأصيلة، المنشغلة بقضايا وهموم الوطن، والمعبرة عن المصريين، والساعية لاسترداد الشباب من براثن التطرف، مشددة على أنّ القوى الناعمة المصرية هي إحدى الوسائل الفعالة في مواجهة تلك الحروب التي تمارسها أجهزة دعاية معادية بهدف تزييف الوعي وخفض الروح المعنوية للمصريين؛ حيث صورت مؤسسات الدولة الراسخة على أنّها العدو.
ورأى الكاتب نصر القفاص، في تصريحه لـ "حفريات"؛ أنّ  فيلم الممر "أصابنا برعشة الفخر بتطور صناعة السينما في بلادنا، وأنّ من أراد أن يمارس النقد ويستعرض عضلاته علينا، كمشاهدين، لن يلقى منا غير ما يلقاه الذين يحاولون اختصار مصر في نكسة 5 يونيو، دون رؤية انتصار أكتوبر، وسيكون مصيره، بالنسبة إلينا، كمصير الذين يرون في نكسة 24 حزيران (يونيو) 2012، حين حكم مصر أحد الإخوان الذين لا يعترفون، مع كلّ الخونة، بثورة 30 حزيران (يونيو) 2013".

الصفحة الرئيسية