كيف استجابت الحركات السلفية رقمياً في ظلّ الربيع العربي؟

كيف استجابت الحركات السلفية رقمياً في ظلّ الربيع العربي؟

مشاهدة

22/08/2019

الربيع العربي "Arab Spring" مصطلح صاغه مارك لينش، أستاذ العلوم السياسية بجامعة جورج واشنطن، يوم 6 كانون الثاني (يناير) 2011، من خلال مقال نشر له في مجلة "فورين بولسي"(Foreign Policy)، بعنوان (Obama’s Arab Spring) أو "ربيع أوباما العربي".  ومع صعود تيارات الإسلام السياسي؛ تحوّل المصطلح إعلامياً إلى "خريف الأصولية".

اقرأ أيضاً: المغرب: هل ينجح السلفيون التائبون في مواجهة التطرف؟
ما سُمّي بالربيع العربي كان بيئة مهيّأة لصعود تيارات سلفية، تفرض رؤيتها الشرعية على المجتمعات، لتختزل فيها الديمقراطية في صندوق اقتراع، ما جعل أبسط الحقوق الإنسانية رهن الاستفتاءات التي خاطبت المشاعر الدينية للجماهير.
هكذا تتحول الديمقراطية، وما سُمّي ربيعها العربي، في يد الإسلاميين، إلى آلة لفرض الغلبة والاستقواء الديني، لا حكم الأغلبية المؤسس على عدم المساس بحقوق المواطنة والمساواة الأساسية. 

السلفية المعاصرة في ميزان "الربيع العربي"
يعدُّ "الربيع العربي" منعطفاً تاريخياً في الحالة السلفية المعاصرة، لكن ما هي السلفية المعاصرة تحديداً؟

تتحول الديمقراطية وما سُمّي ربيعها العربي في يد الإسلاميين إلى آلة لفرض الغلبة والاستقواء الديني

يُستخدم مصطلح السلفية المعاصرة بهدف وصف التيارات السلفية في العصر الراهن، وهي تيارات تلتزم منهج السلف من منظورها وتحاول فرضه، وبعض من يستخدمون هذا المصطلح يفعلون ذلك بغرض تمييز السلفية المعاصرة عن منهج السلف الصالح، فيعدّون كلمة "معاصر" مرادفة للتشدد المستجد في الفكر الإسلامي، ويرون أنّ التشدد سمة معاصرة وليست ماضويّة.
شهد "الربيع العربي" تحوّلاً كثيراً من تنظيمات السلفية التقليدية والدعوية إلى العمل السياسي في العالم العربي، فخرج حزب النور السلفي في مصر من رحم الدعوة السلفية في الإسكندرية، كما نشأت أحزاب سلفية أقل انتشاراً في جماهيريتها، مثل: حزب الفضيلة، وحزب الأصالة، وحزب البناء والتنمية، وحزب السلامة والبناء.

اقرأ أيضاً: ما علاقة محنة خلق القرآن بصعود الصحوة السلفية؟
وجاء الانتشار الأوفر لحزب النور؛ كونه حزباً تأسس على خلفية العمل الدعوي والخيري الذي استطاعت الدعوة السلفية السكندرية (المدرسة السلفية فيما بعد) أن تحققه على الأرض من انتشار في كافة المحافظات، وعلى إثره تم بناء قواعد جماهيرية عبر الأعوام.

شهد الربيع العربي تحوّل كثير من تنظيمات السلفية التقليدية والدعوية إلى العمل السياسي

لكنّ الحضور السلفي لم يقتصر على مصر وحدها؛ فسلفيو تونس تظاهروا للمطالبة بضرورة صياغة مادة دستورية تنصّ على أنّ "الإسلام هو المصدر الأساسي للتشريع في تونس"، أما سلفية اليمن ما قبل الثورات، فلقد تشابهت مع السلفية المصرية في تشكيل القواعد الجماهيرية من خلال العمل الدعوي والخيري والمدارس الشرعية، فتميزت السلفية عن كثير من الأحزاب السياسية في تشكيل قاعدة اجتماعية منتشرة وواسعة في أرجاء البلاد.
وأثناء احتجاجات 2011؛ انقسمت السلفية في مواقفها، بين مؤيدين للسلطة يتمسكون بطاعة النظام بوصفه "ولي أمر المسلمين"، مثل؛ الشيخ يحيي بن الحجوري، ومؤيدين للثورة، مثل؛ تيارَي الإحسان والحكمة.
في مصر تبنى بعض السلفيين توجهاً رافضاً لانخراط السلفية في مشروع حزبي، مثل؛ خطاب الشيخ محمد سعيد رسلان، الذي قال: "أين الأحزاب في كتاب الله؟! هو حزب واحد: حزب الله، أتباع صحابة الرسول" ثم استشهد بالآية القرآنية: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بمَا لَديْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [سورة الروم: (32)]؛ فهو رافض للأحزاب بشكل عام، ويرى في التحزب تشبّهاً بالكافرين وافتراءً على الشريعة.

اقرأ أيضاً: لماذا يشعر السلفيون بالتفوق؟
لكن "الربيع العربي" أوحى لكثير من السلفيين بالتفكر في جدوى الخصومة مع السياسة، وجاء الرد من أبرز التيارات السلفية (الدعوة السكندرية) التي انخرطت في العمل الحزبي مع إبداء تحفظات على ديمقراطية مطلقة.
هذا التوجه المتحفظ إزاء الديمقراطية، هو ما يثير الريبة لدى معارضي السلفية من التيار المدني، أو على الأقل التيار غير المتسلف؛ حيث يخشون من ديمقراطية المرة الواحدة، ومن ثمّ إقامة الدولة الثيوقراطية الإسلامية بلا رجعة. 
على اختلاف المنهجية السلفية؛ بين مؤيد للتحزب ورافض له، تشترك السلفيات -على اختلافها- في قضية "أسلمة المجتمع"؛ فيصبح تطبيق الشريعة مطالبات جماهيرية، والغرض من هذه المنهجية هو العمل من قاعدة الهرم إلى أعلاه، كما قال الشيخ البرهامي، نائب رئيس الدعوة السلفية في مصر، في محاضرة ألقاها العام 2006؛ حيث رأى أنّ إقامة "الجماعة" الملتزمة بالفهم الصحيح للإسلام وعقائده وأحكامه هي السبيل للتغيير.
السلفية والثورة الرقمية
دخول السلفية الدعوية معترك السياسة لم يكن النتاج الأوحد للثورات؛ فقد حرّكت الثورات مجموعات شبابية سلفية، سواء دعوية أو حركية، تجاه الإعلام الرقمي، والتي أسماها الباحث المغربي منتصر حمادة "الغزو الإسلامي الحركي للثورة الرقمية"، ورغم أنّه قدّم نموذجاً من بلاده "المغرب"، إلا أنّ تجربة تفاعل الظاهرة الإسلامية الحركية مع الثورة الرقمية على شبكة الإنترنت حالة تواجدت في تونس ومصر، ومن ثم انتشرت في أنحاء البلاد العربية، وانتشرت معها ظاهرة اللجان الإلكترونية، وهي لجان مختصة تشنّ غارات من التبليغات على صفحات ومواقع العلمانيين.

تشترك السلفيات على اختلافها في قضية "أسلمة المجتمع" فيصبح تطبيق الشريعة مطالبات جماهيرية

الدعوة الإسلامية والسلفية وجدت في مطلع الألفية الثالثة مجالاً واسعاً في الإعلام التليفزيوني الفضائي، وانهمرت على المشاهد قنوات دينية سلفية الهوى، فيما عرفت بين مشاهديها بالقنوات الملتزمة، وقدّم فيها مشايخ السلفية برامجهم، وافتقرت العنصر الشبابي في مجملها، أما ظاهرة الدعاة الجدد؛ الذين تميزوا بملابسهم العصرية من بنطال وقميص، فكانوا من خارج التيار السلفي الصريح.
وفي هذا الصدد؛ فتح الإعلام الرقمي المجال أمام سلفية عصرية، ولعلّ أبرزها في مصر حركة "سلفيو كوستا"، ويتألف اسمها من شطرين، أحدهما "سلفيو"؛ نسبة إلى السلف الصالح، والآخر "كوستا"؛ نسبة إلى مقهى غربي شهير وسط القاهرة، وضمّت الحركة 25% من الأقباط في مجلسها، واهتمت بالعمل الخيري والمجتمعي، ويبدو أنّ "سلفيو كوستا" تنظيم حاول جاهداً إضفاء سمة الاعتدال على السلفية.  
لكنّ مربط الفرس؛ هو علاقة الحركة بالحريات وقيم المواطنة، وربما أعلنت الحركة ضرورة تأمين الحرية العقائدية للمسيحيين، لكن لم يختلف الخطاب هنا عن خطاب جماعة الإخوان المسلمين أو حزب النور السلفي، اللذين تعهّدا بالشيء نفسه.

ثورات الربيع العربي حرّكت مجموعات شبابية سلفية سواء دعوية أو حركية تجاه الإعلام الرقمي

لم تُختبر حركة "سلفيو كوستا" في قضايا أقليات عقائدية غير إبراهيمية، مثل قضية البهائية، أو في قضية المساواة بين الجنسين حقيقة، وكان محمد طلبة، أحد أبرز المؤسسين، يتحدث في نموذج احترامهم للمرأة عن السيدة عائشة، رضي الله عنها، زوجة الرسول صلى الله عليه وسلم، فتميّز خطاب الحريات بلغة شاعرية ماضوية تفتقد التعامل مع القضايا المعاصرة أو تتفادها قدر المستطاع. 
لكنّ "سلفيو كوستا" كان حراكاً غريباً عن السلفية، وكان يمثل حالة الاستثناء في انتقاء المفردات الحداثية داخل خطابه، ما جعل خطابه يبتعد عن الأيديولوجيا السلفية في كثير من الأحيان.
انتقد عضو مفتي الجماعة الإسلامية، أسامة حافظ، حركة "سلفيو كوستا"، قائلاً: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾، موضحاً أنّ الحركة لا تلتزم بصحيح المنهج الشرعي في السياسة الشرعية؛ بل تعتمد على الهوى، لكنّ اختيار نموذج الاستثناء "الشكلي" في "سلفيو كوستا" لا يحيد بالدراسة عن الملامح العامة للخطاب السلفي المتفاعل مع الثورة الرقمية.
الأسلمة والاختراق والتقية في الخطاب السلفي التواصلي
اعتمد تفاعل الحركات السلفية على ثلاثة محددات، لا تختلف عن المحددات على أرض الواقع، وهي على النحو الآتي: الأسلمة، والاختراق، والتقية، بحسب ما جاء في دراسة بعنوان "الغزو الإسلامي الحركي للثورة الرقمية، نموذج الإسلاميين المغاربة"، لمنتصر حمادة، ص 11 و15.
أولاً: الأسلمة
القاسم المشترك بين التنظيمات السلفية بشكل خاص والإسلامية بشكل عام، هي النهل من مرجعية إسلامية، بهدف أسلمة الدولة والمجتمع والتعليم، وتختلف السلفيات في مسار مشروع الأسلمة، فبعض السلفيات ترى أنّ ذلك يتحقّق بالانقلاب الفوري، وبعضها يميل إلى التمهّل والتدرّج، وبعض السلفيات ترى ضرورة التحالف مع فرقاء سياسيين كمرحلة أولية قبل الانقلاب عليهم بهدف تفعيل مشروع التمكين.
ثانياً: الاختراق
أي اختراق جميع الطبقات المجتمعية، العليا والمتوسطة والكادحة، واختراق مؤسسات الدولة رويداً رويداً، وتفعيل قاعدة ملء المكان الشاغر في شتى القطاعات، واختراق مؤسسات المجتمع المدني وتأسيس منظمات أهلية إسلامية الطابع، وهذا يذكرنا بما جاء في كتاب "نقد الخطاب الديني" للدكتور نصر حامد أبو زيد، حين تطرق لأزمة المجتمع المدني في ظل سيطرة الإسلاميين وتراجع القوى المدنية عن اتخاذ مواقف واضحة.
ثالثاً: التقية
الفاعل الأساسي في خطاب السلفية هو التقية؛ التي ينصلح بها المجتمع كلّما تمسك بمنهج السلف الصالح، وانتقلت التقية من العمل الحركي إلى الفضاء الرقمي، وفي حقيقة الأمر؛ يعدّ الفضاء الرقمي عملاً حركياً.
سلفنة الإنترنت
تنافست التيارات الإسلامية، على اختلاف منهجياتها، للسيطرة على الفضاء الرقمي فيما بينها، وتنافست مع المؤسسات الدينية الحكومية، مثل الأزهر، فانتشرت المواقع السلفية التي تنافس الأزهر في فتاواه.

حسب دراسة لمنتصر حمادة تفاعل الحركات السلفية رقمياً وفق ثلاثة محددات: الأسلمة والاختراق والتقية

لربما تبلورت ظاهرة سلفنة الإنترنت مع موجة الثورات، العام 2011، لكنّ نواتها كانت ظاهرة من قبل الثورة، وهو ما رصده الكاتب مصطفى شفيق علام، في مقال بعنوان "سلفنة الإنترنت، السلفية وتجليات التمدد بالفضاء الرقمي"، ويقول فيه: إنّ الاتجاهات السلفية، على اختلافها، استخدمت الإنترنت كوسيلة للفريضة الدعوية، وضرورة يحتمها الواقع، بل وعدّته باباً من أبواب الجهاد بالكلمة، ودرباً من دروب الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، مثل موقع شبكة "سحاب" السلفية، "أنا السلفي"، إضافة إلى مواقع إحياء تراث شيوخ التيار السلفي، مثل موقع ابن باز والشيخ الألباني، ...إلخ.
وكذلك التنظيمات الحركية السياسية قامت بتطويع الثورة الرقمية في نشر خطابها السياسي، بينما تجلّى الاستخدام الأخطر للثورة الرقمية على يد الجهاديين، خاصة تنظيم داعش، الذي تفنن في إخراج أفلام وثائقية قصيرة عن عملياته بتقنيات حديثة أشبه بأفلام الحركة الأمريكية، ليبثّها عبر مواقعه الرسمية التي بات يغرد من خلالها على قطع الرؤوس وحرق الأسرى.


الصفحة الرئيسية