خفايا الصفقة المنتظرة بين أمريكا وكوريا الشمالية مع إيران

صورة عمر الرداد
كاتب أردني وخبير بالتحليل الأمني الاستراتيجي
21634
عدد القراءات

2018-03-18

تتجه أنظار العالم إلى شرق آسيا، لمتابعة نتائج الانفراجة بين أمريكا وكوريا الشمالية، على خلفية إعلان الجانبين مفاوضات قادمة، شكّلت صدمة للمتابعين، خاصة أنّ هذا الإعلان جاء في ظلّ أجواء متشنجة، عنوانها ازدياد منسوب التصعيد بين أمريكا وكوريا الشمالية، وحرب نفسية بين الجانبين، حول امتلاك كلّ منهما "زرّاً نووياً"، يمكن الضغط عليه بأية لحظة.

التسريبات حول الاتصالات التمهيدية التي قادتها كوريا الجنوبية، تؤكّد تنازل كوريا الشمالية عن برامجها وأسلحتها النووية، وبرامجها الصاروخية، مقابل تعهدات أمريكية بحفظ نظام كوريا الشمالية، ووقف استهدافه من جهة، ورفع العقوبات الاقتصادية عن هذا البلد المنهك من جهة أخرى، ومن المستبعد ألّا تكون روسيا والصين على اطلاع، بشكل أو بآخر، على تلك الاتصالات التمهيدية، وربما الضغط على رئيس كوريا الشمالية لتقديم تنازلات، ومن الواضح أنّه تم التوافق على استجابة متبادلة لشرطي كوريا بحفظ النظام ووقف استهدافه، مقابل الشرط الأمريكي بوقف البرامج الصاروخية، و"تفكيك" البرنامج النووي، فيما سيكون رفع العقوبات موضع مفاوضات بين الجانبين، وهو ما يعني، بالخلاصة، انتصاراً يحققه ترامب، ويسجَّل له، منذ الحرب الكورية العام 1953.

كوريا الشمالية تمتلك قنبلة نووية ناجزة يمكن استخدامها وبرامج صاروخية متطورة ومنظومات صاروخية متنوعة، ما يقوّي موقفها التفاوضي

تطورات الصراع بين أمريكا وكوريا الشمالية، وما يمكن وصفه بالتحول المفاجئ في مواقف رئيس كوريا الشمالية، وباتجاهات تشي بـ "استسلام"، أرسلت رسالة بانتصار ترامب، قبل أن تبدأ المفاوضات، وهو ما يسجل له بين الرؤساء الأمريكيين، منذ الحرب الكورية العام 1953، وبمعزل عن نتائج المفاوضات، ولقاء القمة مع الرئيس الكوري الجنوبي، وفي الوقت نفسه طرحت تساؤلات حول إمكانية انسحاب المفاوضات على إيران، في ظلّ الصراع الأمريكي مع إيران، على الأسس ذاتها مع كوريا الشمالية، وتحديداً تجاه الملف النووي والبرنامج الصاروخي؟

ورغم التقاطعات الكثيرة بين كوريا الشمالية وإيران، على الأقل في المقاربة الأمريكية تجاه توجهات نظامي البلدين في تطوير الأسلحة النووية والصاروخية، وعضويتهما الدائمة في نادي قوى الشر العالمية، إلّا أنّ هناك اختلافات كثيرة بين إيران وكوريا، والمقاربة الأمريكية والغربية لحجم التهديد الذي تشكله كلّ من إيران وكوريا، وفيما يلي قراءة لمعطيات وسياقات التباين بين الدولتين، الذي سينعكس بالضرورة على طرق المعالجة الأمريكية:

إيران تمتلك برنامجاً نووياً، يخضع لمراقبة دولية صارمة، تحول دون إنتاج قنبلة نووية، على خلفية مراقبة نسب التخصيب

أولاً: إنّ كوريا الشمالية تمتلك "قنبلة" نووية ناجزة، يمكن استخدامها، وبرامج صاروخية متطورة، ومنظومات صاروخية متنوعة، وهو ما يقوّي موقفها التفاوضي. في المقابل؛ فانّ إيران تمتلك برنامجاً نووياً، يخضع لمراقبة دولية صارمة، تحول دون إنتاج "قنبلة "نووية، على خلفية مراقبة نسب التخصيب، إضافة إلى إعلان إيران أنّ برنامجها النووي ليس لغايات عسكرية، وأنّه مرتبط فقط بتقديم بدائل للطاقة، وللاستخدامات العلمية، فيما برامج إيران الصاروخية، تعتمد على تعديل وإعادة إنتاج صواريخ مستوردة من كوريا الشمالية والصين، ترتكز على تقليل الوقود والمواد المتفجرة، لضمان وصولها لأبعد هدف، وهو ما يعني أنّ برنامجي إيران النووي والصاروخي، لا يشكلان تهديداً جاداً بالمقاييس الأمريكية، كما لا يشكلان ورقة قوة تفاوضية للقيادة الإيرانية مقارنة مع كوريا.

ثانياً: إنّ الفضاء العام لآثار وتداعيات البرامج الكورية الشمالية، مقتصر على الإقليم الجغرافي المحيط بكوريا، وتحديداً على الصين واليابان وكوريا الجنوبية، وليس لدى كوريا الشمالية خطط لتصدير ثورتها، والتدخل في شؤون الآخرين، ولا طمع بالسيطرة على الإقليم المحيط بها، ويبدو أنّ كلّ برامجها مرتبطة بحالة دفاعية، وكلّ ذلك يتناقض مع المشروع الإيراني، وبرامج الحرس الثوري الإيراني، والوجود العسكري والسياسي الإيراني في مناطق النزاعات، في العراق وسوريا ولبنان واليمن وأفغانستان، وتهديد البحرين، وباتجاهات تستهدف تغيير موازين القوى لصالحها، هذا إضافة إلى علاقات موثقة مع الإرهاب العالمي ممثلاً بداعش والقاعدة.

ليس لدى كوريا الشمالية خطط لتصدير ثورتها، والتدخل في شؤون الآخرين، ولا طمع بالسيطرة على الإقليم المحيط بها

ثالثاً: في دوائر صنع القرار الأمريكي، لا تشكل كوريا الشمالية تهديداً لإسرائيل، فيما استهداف إسرائيل يشكّل أحد أبرز محاور السياسات الإيرانية، وتحديداً من خلال حزب الله اللبناني، وتعزيز هذا التواجد، منذ الثورة السورية، ببناء القواعد العسكرية، وإغراق سوريا بالمليشيات الإيرانية، وخوض الصراع على أسس مذهبية.

هذا التباين والفجوة العميقة في المقارنة بين نظامي كوريا الشمالية وإيران، يقلّل من احتمالات سيناريو مفاوضات أمريكية إيرانية، دون أن يستبعده بالكامل، خاصّة أنّ الصفقات تمت تاريخياً بين الخصوم المتشددين، كما هو حال كوريا الشمالية مع أمريكا، غير أنّ ما يضعف هذا السيناريو أكبر مما يجعل إمكانية حدوثه أمراً متوقعاً، ارتباطاً بحجم التنازلات التي على إيران تقديمها، والتي لن تتوقف عند البرنامج النووي والصاروخي؛ بل ستشمل ضرباً ونهاية للمشروع الإيراني برمّته، وهو ما لا يستطيع النظام الإيراني الإقدام عليه، خاصة في ظلّ انتفاضة الشعب الإيراني، المتواصلة منذ أواخر العام الماضي، ضدّ النظام الإيراني بنسختيه: "التيار المتشدد"، و"التيار الإصلاحي"، وضدّ "النجاحات" التي يسوقها الحرس الثوري الإيراني في الإقليم، التي تستهدف التغطية على "الفشل" الداخلي.

 

اقرأ المزيد...

الوسوم: