إيران.. جهاد في الحريات الشخصية

1895
عدد القراءات

2017-11-07

عاش الإيرانيون في ظل أنظمة لم تترك ركنًا من أركان الحرية الشخصية إلا وغيرته، بدأ هذا عندما زارت ملكة أفغانستان (الملكة ثريا) إيران في عهد رضا شاه، فأعجب الشاه بشخصية الملكة صاحبة الرؤى العلمانية وقَصة الشعر الجميلة، وبعد أن أبدى إعجابه بشخصية الملكة وإصلاحات زوجها (أمان الله خان) في بلاده، فرض على الإيرانيات أن يلبسن مثلها وينزعن الحجاب عن رؤوسهن بتعديل قانون الأحوال الشخصية عام 1936.

حاول رضا شاه أن يقدم نموذجًا علمانيًا مثل جاره أتاتورك الذي أعلن علمانية تركيا، كذلك أعجبته حركة التحرر النسوية في مصر التي بدأت بهدى شعراوي وقِصتها مع خلع اليشمك، لتبدأ مرحلة جديدة في إيران هي مرحلة "خلع الحجاب الإجباري" حتى وصل الأمر ببعض الإيرانيات أن يلزمن بيوتهن ولا يخرجن منها خوفًا من مخالفة القانون، بينما فرح علمانيو إيران بالقرار نكاية بالتيار الديني الذي بدأ مع قيام الثورة الدستورية (1905 و1907) وارتفع صوت أصحابه كثيرًا لأسلمة البلاد.
انتهت الحرب العالمية الثانية وما زال خلع الحجاب إجباريًا، حتى حكم الشاه الابن محمد رضا شاه الذي أعاد الحجاب إختياريًا لأن البلاد تمرّ بمنعطفات سياسية خطيرة (ثورة مصدق، هروب الشاه إلى أمريكا، القمع، إعدامات اليساريين، ظهور كتاب متمردين)، وعادت الإيرانية قادرة على تنسيق ملابسها دون أي إجبار على خلع الحجاب أو فرضه.

لا تخلو الصحافة الإيرانية من أخبار اعتقال الشباب بتهمة الاختلاط غير الشرعي وخدش الحياء العام والشبهة بالفسق

انتهى نظام الشاه بالثورة الإسلامية (1979) التي قام بها كل أركان المشهد السياسي في إيران، لكن الإسلاميين حكموا البلاد بينما غادر الجزء الآخر من الثورة "العلمانيون" إيران، وبهذا تعود الحريات الشخصية إلى طاولة القرارات التي سيتخذها مجلس الثورة وعلى رأسها المرشد الأعلى الخميني، الذي صعقَ الإيرانيات أثناء خطبته على هامش احتفال ديني ليقول: "ما دام للقادة الدينيين تأثير وقوة في هذا البلد، فإنهم لن يسمحوا للفتيات بأن يدرسن في نفس المدارس التي يدرس فيها الأولاد، ولن يسمحوا للرجال بالتدريس في مدارس البنات. إنهم لن يسمحوا بالفساد في هذا البلد".

صاغ مجلس الثورة قانون الأحوال الشخصية مرةً أخرى، أمر بزي موحد (الشادور الأسود) كذلك نهى عن الألوان الفاقعة وظهور كعوب وأرجل النساء، ثم منع الاختلاط في التعليم أو العمل أو حتى المقاهي والمطاعم والشواطئ والحدائق، وأقبلت مرحلة جديدة من المنع على المدن الإيرانية التي عاشت ردحًا علمانيًا من الزمن، وأعلن مجلس الثورة عن جهاز جديد لمراقبة تقيد النساء بقانون الحريات الشخصية الذي فصلته الثورة.
تندد المعارضة الإيرانية "خارج إيران" بالحجاب الإجباري وقمع الحريات الشخصية في إيران؛ أبرزها "حركة مجاهدي خلق" التي تعد أكبر وأنشط حركة معارضة إيرانية منذ تأسيسها عام 1965 على أيدي مثقفين إيرانيين وأكاديميين كان لهم دور كبير بثورة 1979 إلا أنهم غادروا إيران بعد الثورة الإسلامية، بالإضافة إلى المستنيرين والفنانين والكُتَّاب الإيرانيين الذين ينددون بالحجاب الإجباري منذ سنوات، دون فائدة.
لا تخلو الصحافة الإيرانية من أخبار اعتقال الشباب بتهمة الاختلاط غير الشرعي وخدش الحياء العام والشبهة بالفسق، والعديد من التهم التي توجه لشباب تواجدوا معًا في مقهى أو بيت أو مزرعة شخصية أو حتى في عرس مختلط تمنعه السلطات وتتحرك أجهزة الدولة لاعتقال من فيه إذا عرفت بالخبر من الوشاة أو المخبرين.

تدهمُ الأجهزة الأمنية أماكن تواجد الشباب وتأخذهم جميعًا إلى المركز الأمني حيث سيواجهون عقوبتهم بين سجن وغرامة وتعهد، كذلك تسجل عليهم قضية لها أن تسيء لسمعة المتواجدين هناك، أغلبهم من الطلبة أو زملاء العمل وأحيانًا أقارب، فمنع الاختلاط في حفلة أو مأدبة طعام لا يختلف عن منع إقامة الحفلات الموسيقية الذي يغزو إيران ويزيد عن حده مؤخرًا، رغم استهجان الناشطين والمثقفين الإيرانيين والكثير من المسؤولين الذين لا يملكون أي سلطة أمام التيار الديني المتشدد الذي يفوز دائمًا على كل التيارات.

خلال الأشهر الثلاثة الأولى من السنة الإيرانية الحالية ضبطت قوات الأمن 200 طن من المخدرات

آخر الممنوعين من الغناء المطرب الإيراني علي رضا قرباني الذي أجبر على الغناء (Onlin) لجمهوره، ومثله الموسيقار والمطرب الإيراني شهرام ناظري الذي نقل إلى المستشفى بسبب منعه عن الغناء وتكبده خسائر نفسية وإنتاجية كبيرة، وآخر اقتحامات الأمن لجلسات مختلطة يتخللها الاحتفال كان في مدينة أصفهان حيث اعتقل أكثر من 64 شابًا بعد مداهمة مزرعة يحتفلون فيها؛ بتهمة تجاوز قانون منع الاختلاط ونشر صور الجلسة على مواقع التواصل الاجتماعي.

يؤكد المسؤولون الإيرانيون على أن مداهمة جلسات الاختلاط ومنع الحفلات الموسيقية المختلطة (وحتى المنفصلة) يحفظ الشعب الإيراني من الانحلال والتفسخ وفقدان هويته الإسلامية، رغم أن الإحصائيات الرسمية تقول عكس هذا، فقد تضاعف عدد مدمني المخدرات في إيران بالسنوات الست الأخيرة ليصل إلى 2,8 مليون، وخلال الأشهر الثلاثة الأولى من السنة الإيرانية التي بدأت في 20 مارس ضبطت قوات الأمن 200 طن من المخدرات التي يستهلكها أكثر من 17 مليون إيراني متعطل عن العمل، كذلك تضاعف عدد الملفات القضائية المختصة بالسرقة والمخدرات إلى 15 مليون ملف عام 2015 في تزايد ملفت للملفات القضائية التي فتحت في سنة 2014 وكانت 11 مليون ملف، ومن البديهي أن العدد تضاعف في السنتين الأخيرتين "2016/2017".

أرقام لا تنسجم مع قمع الحريات بهدف المحافظة على المجتمع من الانحلال والفسق وفقدان هويته، على الأقل لأن أكثر من 15% من الإيرانيين لا يتمتعون بأدنى سبل العيش الكريم في مختلف المحافظات الإيرانية تزامنًا مع ارتفاع نسب الطلاق والبطالة والإدمان وعمالة الأطفال وغيرها من الآفات التي تصرح بها المصادر الإيرانية الرسمية والجمعيات الحقوقية العالمية.

 

اقرأ المزيد...

الوسوم: