الرؤية الطائفية للإسلام في وعي المسلمين اليوم

صورة محمد جميل أحمد
كاتب سوداني وباحث في قضايا الإسلام السياسي
1287
عدد القراءات

2018-05-01

إنّ الإسلام بطبيعته المنفتحة على الأديان، وبوصفه الرسالة الأخيرة للبشرية، يضمّ، نظرياً، مبادئ كونية، كانت وما تزال إحدى مبررات الشرط الإنساني لرسالته، وإذا ما بدا أنّ ذلك الشرط الحاكم لقيمه الإنسانية قد تحقق تاريخياً، لمرة واحدة على الأقل، في تجربة المسلمين الأوائل، بما تشهد عليه شواهد وافرة وشهادات غير المسلمين، حتى حين وصفوا التغيير الذي غيّر مرة، وإلى الأبد، حدود العالم القديم، كما أكّد ذلك العديد من مؤرخي الغرب (وبدا محيَّراً لكثيرين إذ عجزوا عن تفسير الشروط الإنسانية التي أدت إلى ذلك التحول الذي أصاب العالم القديم)، حتى قال المؤرخ البلجيكي "هنري بيرن"، واصفاً ذلك التحول التاريخي الذي أحدثه الإسلام في حوض المتوسط، بقوله: "لقد دمر الإسلام الوحدة التاريخية للمتوسط، مرةً وإلى الأبد"، وهو كذلك ما عبّر عنه المؤرخ والفيلسوف المغربي "عبد الله العروي" حين وصف الفتوحات الإسلامية بأنّها: (معجزة بشرية).

الشروط التي تمكن بها المسلمون الأوائل في تحقيق ذلك التحول الكبير، كانت جزءاً أصيلاً من وعيهم بهوية الإسلام وحقيقته

بطبيعة الحال، إنّ تلك الشروط التي تمكن بها المسلمون الأوائل في تحقيق ذلك التحول الكبير، كانت جزءاً أصيلاً من وعيهم بهوية الإسلام وحقيقته (التي كان من أهم أسبابها؛ الإدراك اللغوي الكامل في فهم النص القرآني، ومعاصرة التجربة التاريخية الأولى للإسلام بكافة تجلياتها).

وإذا ما أمكننا النظر في فلسفة التشريعات، التي تعكس المبادئ الكلية التي أكدها القرآن بوضوح شديد: الكرامة الإنسانية، وحدة الأصل الإنساني، المساواة، سنجد أنّ مدلول الآية الكريمة {وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً لتكونوا شهداء على الناس}، يتصل بعمق شديد بالشروط التي تقتضيها هذه المهمة؛ مهمة الشهادة على البشر، بما تعنيه تلك المهمة؛ من معرفة، وقيم، وإدراك حقيقي للقوانين الإنسانية التي تحكم البشر في كلّ بيئاتهم. بمعنى آخر؛ إنّ ما حققه المسلمون الأوائل في شروط علاقاتهم الإنسانية مع غير المسلمين، لم يكن يصدر عن أدنى تفسير طائفي لتلك العلاقات (ناهيك عن الممارسات الطائفية)، ما يعني أنّ الحساسية العالية للوعي الإنساني بشروط مهمة "البلاغ المبين" كانت في صلب الممارسات التي اختبر بها المسلمون الأوائل علاقاتهم بكافة المجتمعات الإنسانية التي اتصلوا بها، وهو ما يفسّر لنا مثلاً: أنّ المسلمين في المشرق العربي كانوا أقلّية حتى القرن الخامس عشر الميلادي؟!

كما يفسّر لنا، في الوقت ذاته، أنّ التشريعات التي أقرّها القرآن في علاقات المسلمين بغيرهم؛ في الزواج والتواصل الإنساني، كانت ناشطة وفعَّالة طوال قرون.

ما حققه المسلمون الأوائل في شروط علاقاتهم الإنسانية مع غير المسلمين لم يكن يصدر عن أدنى تفسير طائفي لتلك العلاقات

ورغم أنّنا لا نعرف، على وجه التفصيل، الطرائق اللامتناهية للعمليات التاريخية المتراكمة التي غير بها المسلمون مجتمعات قديمة؛ إلّا أنّ نتائجها وشروطها ما تزال ماثلةً وواضحةً لكل من يتأمل الحراك التاريخي للمجتمعات، وعمليات التغيير التي تنتظم قوانينها عبر القرون.

لكن من يتأمل حال المسلمين اليوم، في الأزمنة الحديثة، يدرك تماماً أنّ ثمة بعداً ذا طبيعة طائفية في نظرتهم للإسلام، ووعيهم الكلي بحيثياته، ما يدل بوضوح على انفكاكهم عن تلك القيم والشروط الإنسانية التي ميزت الرؤية الإنسانية والقيمية للعلاقات البينية للمسلمين، مع غيرهم في عصور الإسلام الأولى، ما أدى في النهاية، إلى تحوّل مجتمعات مختلفة ومتعددة إلى الإسلام.

ذلك أنّ النظرة الطائفية للمسلمين المعاصرين، وما تستبطنه من خوف، وعدم ثقة بالتواصل الإنساني، هي نظرة تكشف لنا عمق اشتغال آليات التخلف في وعي المسلمين المعاصرين وذهنياتهم المشوشة، وما تعُجُّ به من تناقضات عطلَّت علاقاتهم الطبيعية المفترضة مع العالم الحديث.

استنتاج الجانب الطائفي في تصرفات المسلمين اليوم، تدل عليه شواهد وافرة، لا تحتاج منا إلى أدلة، لكن إذا ما حاولنا رفع حالة التناقض التي يعيشها المسلمون اليوم فيما بينهم (ناهيك عن علاقتهم بالآخرين) أمام مرآة كاشفة بوضوح للبنية الطائفية في رؤيتهم، سنجد أنّ العلاقات المتوترة بين الشيعة والسنة، كمثال، أكبر دليل على تلك الحال التي تختزن خوفاً عميقاً من الآخر الحميم، وهو خوف لا مبرر له إلا الجهل، وغياب الثقة بالذات، وفقدان الرؤية المعرفية.

التشريعات التي أقرّها القرآن في علاقات المسلمين بغيرهم؛ في الزواج والتواصل الإنساني، كانت ناشطة وفعَّالة طوال قرون

إلى جانب هذا الانسداد التاريخي لعلاقة المسلمين بالعالم الحديث، جاءت الرؤية الأكثر طائفية وانغلاقاً للإسلامويين، لتصبّ مزيداً من التوتر على علاقة المسلمين بالعالم، بحيث وصلت تلك العلاقات المأزومة في رؤى الجماعات الإرهابية، كالقاعدة، إلى حالات من العنف الإرهابي الفظيع الذي شهدناه في مطلع هذا القرن، عبر أحداث 11 سبتمبر الإرهابية على يد جماعة القاعدة.

ما تزال اشتغالات الرؤية الطائفية واستبطانها لـ "إسلام" خائف ومشوّش، إلى جانب رؤى قيامية للدواعش، مثلاً، هي الأسباب الخطيرة التي تعيد إنتاج أزماتنا المأزومة أصلاً، في العلاقة مع العالم الحديث.

ولا خروج من تلك الأزمات إلا برؤى مقاصدية معاصرة ومستنيرة، تعيد تعريف قضايا الإسلام المعاصرة، وفق المقاصد الكلية لفلسفته، عبر تطوير الرؤى التاريخية الجسورة التي اختفت بداياتها الواعدة مع: الشاطبي، وابن رشد، وابن خلدون.

اقرأ المزيد...

الوسوم: