هل يستغل الإسلاميون في المغرب الحريات الفردية لإطاحة خصومهم؟

المغرب

هل يستغل الإسلاميون في المغرب الحريات الفردية لإطاحة خصومهم؟


09/10/2019

أطلق رموز السلفية في المغرب حملة لتكفير النائب البرلماني والقيادي في حزب اليسار الموحّد، عمر بلافريج، بسبب دعوته إلى تعديل بعض القوانين المرتبطة بالحريات الفردية بالمغرب.

وأشارت الأمانة العامة لفيدرالية اليسار الديمقراطي إلى أنّها تُتابع بقلق "حملة التشويه والترهيب التي تشنّها عناصر ظلامية ضدّ عمر بلافريج، ممثل الفيدرالية في البرلمان".
وأضافت فيدرالية اليسار الديمقراطي في بيان: "الهجوم الذي يتعرض له بلافريج بسبب مواقفه المبدئية والشجاعة، من أجل الدفاع عن حريات المواطنين والمواطنات وحقوقهم المشروعة".
"تيار الإخوان المسلمين... ورأي المعارض"
وقالت الفيدرالية إنّها "تدين هذه الحملة والواقفين وراءها، وتنوّه بالمناسبة بأداء الرفيقَين عمر بلافريج ومصطفى الشناوي، وتؤكّد دعمها المطلق لهما".
دعت الفيدرالية أعضاءها إلى "مواجهة كلّ المحاولات الدنيئة التي تستهدف أطر الفيدرالية وتنظيماتها، سواء على المستوى المحلي أو الوطني".

اقرأ أيضاً: التوقّف والتبيّن: جماعة لا همّ لها سوى تكفير الناس
ووفق جريدة "الصباح" المغربية؛ "أكّد عمر بلافريج البرلماني المغربي، أنّ مستوى ردّ الفعل، في رأيه، يعكس إلى أيّ حدّ يتّحد تيار الإخوان المسلمين بكلّ مكوّناته ضدّ رأي معارض".
وبحسب المصدر ذاته؛ يُؤكّد بلافريج أنّ "هذا التحالف الواسع بين من يدبّرون الشأن الحكومي، ويسيّرون الجهات والمجالس، في إشارة إلى موقف العدالة والتنمية، ورموز السلفية الجهادية خارج المؤسسات، يُؤكّد أنّ جبهة الإخوان متراصة في مواجهة كلّ الأصوات المعارضة".
دعا البرلماني اليساري  عمر بلافريج إلى إلغاء عدد من المواد التي تُجرم الحرية الفردية

الصراع بين الحداثيين والمتشددين
ودعا بلافريج إلى إلغاء عدد من المواد التي تُجرّم الحرية الفردية، ومنها المواد 489 و490 و491، في القانون الجنائي، مشيراً إلى أنّ التعديلات التي تتعلق بالقانون الجنائي، فرصة لضمان الحريات الفردية، ومن جهة ثانية طالب بتشديد العقوبات ضدّ الجرائم التي تقترف ضدّ القاصرين، من أجل حماية المجتمع.

خطاب الطهرانية الذي تعتمده رموز الجماعات الإسلامية بالمغرب لم يعد مؤثراً كالسابق بعد أن كشفت مجموعة من الأحداث نفاقهم

ومن جهته، يرى الباحث المغربي يوسف مساتي أنّ "هناك إشكالاً حقيقياً في هذه المسألة، ما كان يجب على بلافريج أو الحداثيين بالمغرب الانسياق خلف هذه الدعوات"، مشيراً إلى أنّ "الدخول في الفعل وردّ الفعل يُضعف هذه الدعوة".
وأضاف: "الحداثيون بالمغرب انشغلوا بالردّ على المتشددين أكثر من انشغالهم بفتح حوار مجتمعي، يضمّ جميع الأطياف، حول ملف الحريات الفردية، لكنّنا أصبحنا اليوم كأننا أمام فئة ضالة تحاول الدفاع عن نفسها".
ومن جهة أخرى، يقول مساتي: "من خلال تأملي لتفاعلات مع هذه القضية لم أجد من يرغب في فتح نقاش جاد حول الحريات الفردية بالمغرب؛ لأنّ هناك رفضاً مجتمعياً، بسبب هيمنة التيارات المحافظة بالمجتمع المغربي".
التيار الإسلامي وملفّ الحريات الفردية
وهل يستغل التيار الإسلامي ملف الحريات الفردية لإضعاف التيار الحداثي؟ يُجيب الباحث المغربي في حديثه مع "حفريات": "الأصوليون كانوا دائماً يلعبون على وتر الأخلاق، وإذا تأملنا الأدبيات الفقهية منذ الفترة العباسية، أو منذ ما يعرف بـ "عصر التدوين"، كلّ الأدبيات الفقهية تُحذّر من شيوع الفاحشة والفساد، يعني الخطاب نفسه من العباسيين إلى يومنا، مرّ أكثر من 1200 عام، وما يزال الخطاب القائم على اعتبار أنّ الأمة في خطر وأنّ أخلاق الفجور تتربص بها".

يتعرض بلافريج خلال المدة الأخيرة إلى هجمة شرسة وصلت إلى حدّ تكفيره
ويُتابع مساتي: "الجماعات الأصولية تُدرك أنّ الإنسان المتحرر سيفقدها هيمنتها، لأنّها تستمدّ وجودها وهيمنتها باعتبارها وصية على الأخلاق".
ويضيف الباحث المغربي: "اليوم تزداد حدّة توظيف السياسي لهذا الخطاب؛ لأنّ الحركات الأصولية لا تتوفر على أيّة برنامج أو رؤية، وفي جميع المناطق التي حكمت فيها قادت المنطقة إلى الخراب والحروب، لم يعد لها من ورقة سوى تنصيب نفسها وصية على الأخلاق".

اقرأ أيضاً: هل توسع الغزالي في باب التكفير بالقياس؟
ويرى المصدر ذاته أنّه "يجب على الحداثيين، ومن يُؤمنون بالحريات الفردية، تطوير خطابهم داخل المنظومة، لا من خارجها؛ لأنّ الخطاب خارج المنظومة يجعل الحريات الفردية كأنّها عدوّة للدين، وعوضاً عن القول إنّ الدين يقيّد الحريات الفردية يجب البحث من داخل النصوص الدينية للدفاع عن حقّ الإنسان في حريته الفردية".
ويُشدّد مساتي على أهمية إعادة قراءة النصّ الديني، لنستوعب أنّه ليس ضدّ الحريات، مؤكّداً على أهمية تطوير الخطاب الحالي للحداثيين، وتجنّب الاصطدام مع المجتمع المغربي، مشيراً إلى أنّ مثل هذه المواجهات تضعف ولا تقوّي.
"الإسلام دين المملكة"
وفي المقابل؛ رأت رحمة معتز، الباحثة في الاجتهاد وفقه الواقع، والمختصة في قضايا التطرف والتكفير؛ أنّه "عوضاً عن المطالبة بإلغاء المواد التي تُجرّم الحريات الفرديّة، كان يجب على الطرفين الحوار، انطلاقاً من أنّ مرجعية المملكة المغربية هي الشريعة الإسلامية".
وفي حوارها مع "حفريات"، قالت إنّ "الدستور المغربي يعترف بأنّ الإسلام دين المملكة، وليس القانون وحده، فإن كان المجتمع فيه كلّ المخالفات برمّتها، لا يبيح لنا ذلك أن نسنّ قوانين، ونلغي أخرى، بحسب أهوائنا وقناعاتنا، ويجب علينا علاج مكامن المشكل".

اتّهم البشير عصام المراكشي، أحد رموز السلفية بالمغرب، بلافريج بمحاولة هدم الدين، وعلّق على مطالبته بإلغاء تجريم الحريات الفردية

وأشارت الباحثة إلى أنّ "البرلماني عمر بلافريج، بمطالبته بعدم تجريم الحريات الفردية، أراد بذلك منح حلّ سحريّ لمشاكل ينبض بها المجتمع، وكان يجب عليه أولاً أن يبحث عن قوانين تحفظ كرامة المواطن في عيشه وعمله وصحته ومسكنه وتعليمه، ...إلخ".
ويتعرض بلافريج، خلال المدة الأخيرة، إلى هجمة شرسة وصلت إلى حدّ تكفيره من قبل الكتائب الإلكترونية للتيارات الأصولية في المغرب، ردّاً على تصريحاته حول الحريات الفردية.
واتّهم البشير عصام المراكشي، أحد رموز السلفية بالمغرب، بلافريج بمحاولة هدم الدين، وعلّق على مطالبته بإلغاء تجريم الحريات الفردية بالقول: "أيها المسلمون: إسلامكم، الذي هو رأس مالكم، في خطر، فإنّ هؤلاء القوم يريدون هدمه لَبِنَة لَبِنة، حتى لا يبقى منه شيء، استيقظوا قبل فوات الأوان".
وعلى تكفير عمر بلافريج، تُعقّب الباحثة رحمة: "المذهب الفقهي التي تتبنّاه الدولة، لا يبيح لأهل "بطاقات التكفير"، وإخراج الناس من الملة، القول أو الفعل بدون ضوابط مارسها الفقهاء بحرص شديد، وعوضاً عن ذلك؛ يجب فتح النقاش، ويجب ألّا نتعامل مع الموضوع بالفعل وردّ الفعل، وإمارة المؤمنين بمؤسساتها لا تبيح لأيّ أحد التكفير".
اتهم البشير عصام المراكشي، أحد رموز السلفية بالمغرب، بلافريج بمحاولة هدم الدين

تقسيم الرأي العام إلى حداثي وتقليداني
وفي سياق متصل؛ يرى المختص في علم النفس، رضا إمحاسني أنّ "حملة تكفير وتشويه عمر بلافريج، البرلماني المعروف بنشاطه السياسي وتواصله بشكل مستمر مع المواطنين، جاءت للتقليل من قيمة الجهود التي يبذلها في الساحة السياسة بالمغرب".

اقرأ أيضاً: نسويات مغربيات في مرمى تكفير المتشددين والتحريض على قتلهن
ويُضيف إمحاسني أنّ "الحملة ضدّ بلافريج بدأت مع انتقاد رئيس الحكومة وأمين العام لحزب العدالة والتنمية، سعد الدين العثماني، لعمر بلافريج، وتعبئة الجماهير ضدّه، كوسيلة لاستعادة الحزب الإسلامي لشعبيته، تحت ذريعة أنهم يدافعون عن الأخلاق".
وأوضح رضا إمحاسني، في حديثه مع "حفريات"، أنّ "إطلاق حزب العدالة والتنمية لحملة ضدّ بلافريج ناجمة عن الفراغ السياسي للحزب، وعجزه عن تحسين الوضعية الاجتماعية والاقتصادية للمواطن المغربي".
وتابع المختص في علم النفس أنّ "رأسمال دعاة الفكر المتشدّد بالمغرب هو التكفير وتقسيم الرأي العام بالمغرب إلى حداثي وتقليداني، وهذا التقسيم يشكل خطراً على المجتمع؛ لأنّه يحرض على الكراهية والعنف".
ويرى إمحاسني أنّ "خطاب الطهرانية الذي تعتمده رموز الجماعات الإسلامية بالمغرب لم يعد مؤثراً كالسابق؛ بعد أن كشفت مجموعة من الأحداث نفاقهم الأخلاقي وازدواجية خطابهم".

الصفحة الرئيسية