الشيعة العرب (1)..هكذا سيطرت إيران على الخطاب الشيعي

606
عدد القراءات

2018-01-29

تحاول الجماعات التي تعتمد في بقائها على الإسلام السياسي أن تظل بمأمنٍ من النقد، بإظهار نفسها على أنّها الممثل الشرعي والوحيد للطائفة الدينية التي تحتضنها، ولا تقبل الاختلاف، خصوصاً من قِبلِ من يؤمنون بذات دينها أو مذهبها، ولعلّ هذا، هو السبب الرئيسي لخفوتِ أو اختفاء الأصوات المعتدلة من الشيعة العرب، وعدم ثبات موقفهم من إيران، وأذرعها في العالم العربي.

المعاقل العربية الأولى للشيعة

للشيعة العرب معاقلهم الأولى في الأرض العربية الإسلامية، ويرتبط تاريخهم المذهبي والسياسي بالعراق على وجه التحديد؛ حيث بدأ في الكوفة مع نقل الإمام علي بن أبي طالب مركز خلافته إلى هناك، وكانت المدينة تضم الشيعة إلى جانب السنة (وفق التقسيم الذي ظهر لاحقاً)، إلى أن توسع التشيع بعد حادثة كربلاء ومقتل الإمام الحسين، وبحسب ما يراه الباحث والكاتب إسحق النقاش في كتابه: "شيعة العراق" شهد هذا البلد "تطور المذهب، ومعظم الأحداث المؤسسة له".

أمّا لبنان، المشهورة بجبل عامل كمعقلٍ قديمٍ للشيعة اللبنانيين العرب منذ ما قبل القرن العاشر الميلادي كما يوثق الرحالة العربي ابن جبير في كتاب رحلاته، فامتازت ولا زالت، بعلمائها من الشيعة العرب، ويُعدّ علماء وشيوخ جبل عامل من الشيعة "أصحاب دورٍ أساسي في انتشار التشيع في بلاد فارس آنذاك"، وكان من أبرزهم "بهاء الدين العاملي" و "علي الكركي" بحسب ما يذكره الباحث نبيل الحيدري في كتابه "التشيع العربي والتشيع الفارسي"."

يُعد علماء جبل عامل من الشيعة أصحاب دورٍ أساسي في انتشار التشيع في بلاد فارس

ويرى الحيدري، من خلال كتابه، المنشور عن دار الحكمة في لندن العام 2014، أنّ العاملي والكركي "لعبا دوراً في تثبيت الدولة الصفوية التي أخذت تفرض التشيع كمذهبٍ للدولة بعد صعودها منذ العام 1500م".

من جهته، قال الباحث العراقي في العلوم السياسية والخبير في الشأن العراقي حميد حبيب لـ"حفريات" إنّ "الشيعة العرب وحوزاتهم في العراق، تعد الأساس كمرجعياتٍ دينية للشيعة منذ القرن السابع الهجري، وذلك بتأسيس حوزة الحلة على يد الإمام المطهر، ثم انتقلت الحوزات بعد ذلك إلى النجف وكربلاء".

 

الشيعة العرب وحوزاتهم في العراق، تعد الأساس كمرجعياتٍ دينية للشيعة منذ القرن السابع الهجري

صعود التشيع الصفوي

ويضيف حبيب "بعد أن احتاجت الدولة الصفوية إلى خطاب ديني يدعم الدولة في مواجهة السنة والعثمانيين في صراعها معهم، أخذت ترسخ المذهب الشيعي، ودرس العديد من الفارسيين المذهب في حوزات العراق، غير أنّ الصفويين أدخلوا طقوساً غريبة عن المذهب الشيعي إلى المعتقدات التي أخذوا يفرضونها بالإجبار على أهل فارس الذين كان معظمهم من السنة".

وبسؤاله عن أبرز هذه المعتقدات، أكّد حبيب أنّ "سب الصحابة، والضرب بالسلاسل والسيوف، واللطم على حادثة كربلاء التي تم توظيفها بشكل كبير "كرمز"، تعد كلها من أبرز ما تم إلصاقه بالتشيع الفارسي حتى يختلف عن "التشيع العربي الذي لم يكن يقبع تحت سيطرة الصفويين آنذاك، ولم يكن شيوخه أو أئمته يرضخون لأحد".

منذ قيام "الثورة الإسلامية" في إيران العام 1979، خرج الخميني برؤية مفادها أنّ "الدولة الإسلامية السياسية لا تقوم إلا بوجود ولي فقيه

السيطرة الإيرانية على الخطاب الشيعي

وبشكل عام، يشير الباحث العراقي إلى أنّ مراحل عديدة في القرن العشرين، مكّنت إيران من السيطرة على الخطاب الشيعي الديني واستغلاله بعد بقائه "مستقلاً بشكل عام، وعدم خضوعه لمرجعية دينية خارجة عن الحوزات في العراق"، ومن أبرز هذه المراحل والأسباب وفق قوله: "تحجيم الملكية في العراق للحوزات الشيعية العربية حتى العام 1958، ثم قيام النظام الشيوعي في العراق حتى عام 1963 باستكمال هذا التحجيم لأسباب سياسية، مما أدى إلى هجراتٍ لمراجع الشيعة وأئمتهم من العراق تحت طائلة القمع، الذي استمر في عهد نظام البعث وتخللته اغتيالاتٌ لبعض مراجع الشيعة، حتى نهاية التسعينيات من القرن العشرين".

الدولة الصفوية مزجت الدين بالسياسة وفرضت التشيع في بلاد فارس بالقوة وأدخلت عليه طقوساً غريبة

ويعد كل هذا، بحسب حبيب، "كافياً لجعل إيران تستغل تهافت وسقوط المرجعيات الشيعية العربية تحت طائلة القمع، حتى تُوجه الأنظار إلى قُم بصفتها البديل، والمرجع الأساسي الوحيد، والمأوى لعلماء الشيعة العرب والإيرانيين، بعد أن كانوا في بلادهم العراق ولبنان وغيرها، هم المرجعية الدينية، فأصبح الشيعة العرب والإيرانيون فيما بعد، يطلبون العلم فيها".

ومنذ قيام "الثورة الإسلامية" في إيران العام 1979، وخروج الخميني برؤية مفادها أنّ "الدولة الإسلامية السياسية لا تقوم إلا بوجود ولي فقيه، هو المرجع، وبالتركيز على قم كمرجعية فقهية وحيدة للشيعة"، تم توظيف كل ما ذكر سابقاً، من أجل خدمة مصالح الدولة الإيرانية بعد الثورة، وخدمة رجالها بمزج السياسة بالتشيع، وأصبح يُنظرُ إلى الشيعة العرب في العراق ولبنان ودولٍ أخرى على أنّهم "أتباع النموذج الإيراني في الإسلام الشيعي، وأصبحت أغلب الأدبيات الثقافية والسياسية حول الشيعة مرتبطة بإيران الخميني، رغم تشكل وجودهم الحديث ومراجعهم الدينية في النجف وكربلاء تحديداً، منذ منتصف القرن الثامن عشر".

وبالرغم من أنّ معاقل الشيعة العرب في العراق ولبنان، تسبق تطور وانتشار التشيع في بلاد فارس بعقودٍ طويلة غير أنّ "الولاء" للتشيع الإيراني؛ دينياً وسياسياً، الذي بدأ سطوته من بعد الثورة الإيرانية، أصبح يبدو "النموذج الوحيد" الذي تحاول السياسة الإيرانية تسويقه اليوم، والقول إنّه لا وجود للشيعة في العالم العربي سوى من خلالها، وهو ما أنتج حركاتٍ سياسية وجماعات في العالم العربي، تعمل على خدمة إيران، وتطبق شعاراتها، مثل؛ حزب الله، والحوثيين، الذين يحاولون كذلك، إسكات أي صوتٍ شيعي إيراني أو  عربي يواجههم بالنقد والوقائع التاريخية والعقلانية، من أمثال علي شريعتي، علي الأمين، هاني فحص، وسواهم من الشيعة العرب.

اقرأ المزيد...

الوسوم: