الاختيار

الاختيار

الاختيار


27/10/2025

سامح فايز

قضيت أول معسكراتى فى شعبة الإخوان داخل قريتى قبل عقدين من الزمان على الأرض التى تحتضن الآن المتحف المصرى الكبير، فأنا ابن قرية كفر غطاطى، الظهير الشعبى لأرض المتحف المتاخمة للأهرامات الثلاثة.

وفى نهاية التسعينات من القرن الماضى عرفت الطريق إلى الإخوان طفلاً فى الحادية عشرة من عمرى، تلقفته يد الجماعة ولجنة التربية بالتنظيم. وكانت المعسكرات والكتائب ولقاءات الأسر هى الأعمدة التى تقوم عليها عملية تنشئة الأشبال داخل الإخوان؛ ومنها ما كانت تنظمه الشعبة فى شهر رمضان بعد صلاة الفجر، حين نتجمع منطلقين إلى المنطقة الصحراوية على أطراف القرية، نمارس فيها رياضة كرة القدم ونتلقى بعض تعاليم الإخوان والقصص الدينية التى تخدم فكرتهم عن الدولة الإسلامية. وكانت أرض المتحف فى تلك المنطقة وهى أرض فضاء هجرها قاطنوها تاركين بعض المبانى والمعدات التى تشير إلى أنها كانت تابعة لواحدة من شركات المقاولات، ووسط ذلك توجد مجموعة من الملاعب الرياضية التى احتوت تدريباتنا داخل المعسكر، وعلى أطراف تلك الأرض منطقة صحراوية ضخمة متاخمة لمدينة سكنية سنعرفها لاحقاً باسم حدائق الأهرام.

ولأن قريتى، وما زالت، لا توجد بها مدرسة ثانوية سواء للتعليم الفنى أو العام، فكان نصيبى أنا وأقرانى فى القرية أن نسير بضعة كيلومترات يومياً مخترقين تلك الأرض الصحراوية حتى نصل إلى مدرستنا مدرسة الأهرام الثانوية بنين.

ما زلت أتذكر نظرة الريبة التى نراها على أعين المارة عندما يشاهدون مراهقين يخرجون من خلف جبال الرمال فى منطقة صحراوية تحاذى أرضاً عسكرية ويمثل السير فيها خطورة عليهم.

مضت السنوات وتركت الإخوان فى نهاية دراستى الجامعة عام 2005، ثم اشتبكت معهم بعد أحداث يناير 2011. وفى أثناء تلك الرحلة ظلت تلك الأرض الفضاء تحمل من نفسى جانباً عشته طفلاً، أن تلك الأرض هى التى شهدت محاولات تجنيدى وتحويلى من إنسان محب للوطن إلى آلة لا ترى سوى الجماعة.

تذكرت كل ذلك وأكثر وأنا أمر بشكل يومى على مدار عقدين من الزمان، فأجد الأرض الفضاء وقد تمددت فيها المبانى التى اكتملت مؤخراً، فأصبحت المتحف المصرى الكبير. شاهدت البنايات الأولى المجاورة لحدائق الأهرام والتى تمثل معامل الترميم ومخازن الآثار، وشاهدت كما شاهدنا جميعاً نقل تمثال رمسيس من موقعه القديم إلى أرض المتحف، وحتى سنوات لاحقة كنت أمر عليه بشكل يومى وأنظر إليه وأنا ألقى السلام مبتسماً: «إزيك يا جدى». ثم وقبل شهور بدأت تجهيزات حفل الافتتاح، ومعها سألت نفسى السؤال المنطقى فى تلك اللحظة: «ماذا لو لم تكن ثورة يونيو؟»، سألتها أيضاً: «ماذا لو لم يستجب الجيش المصرى والرئيس عبدالفتاح السيسى لنداءات الملايين التى خرجت إلى الشوارع». الإجابة المنطقية هى استمرار حكم الجماعة، والإجابة الأكثر منطقية أن تلك الأرض التى كانت صحراء جرداء تستقبل معسكرات أشبال الإخوان، ربما أصبحت معسكرات أكبر مثل التى رأيناها فى دول مجاورة نعرفها ظنت أنها نفذت مشروع الدولة الإسلامية، بيد أن نتيجة مشروعهم المزعوم كانت نهاية تلك الدول، فأصبحت ممزقة تحكمها الميليشيا والجنود المرتزقة.

قد يظن بعضهم أننى أكتب ذلك المقال تملقاً لسلطة أو نظام، وهو تصور بديهى فى مجتمعات عاشت لسنوات تحت سطوة أنظمة سياسية فاسدة، لكن ما أكتبه الآن هو ما عشته بالفعل على مدار ربع قرن، كتبته اليوم مسترجعاً سنوات من البحث والاختيار؛ البحث عن أجوبة أسئلتى المختلفة عن حقيقة الوجود، والاختيار بين الوطن والجماعة، فأما الاختيار فكان للوطن، أما الأسئلة فمن المؤكد أن الإجابة لن تكون لدى رجعية الإسلام السياسى!

الوطن




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية