إسطنبول... تحدٍّ جديد لتركيا أردوغان

إسطنبول... تحدٍّ جديد لتركيا أردوغان

مشاهدة

كاتب ومترجم جزائري
25/04/2019

ترجمة: مدني قصري


إكرم إيمام اوغلو، مرشّح حزب الشعب الجمهوري، وهو حركة كمالية، في بلدية إسطنبول، أُعلِن فوزه رسمياً، في 17 نيسان (أبريل) 2019، بعد أكثر من أسبوعين من الانتخابات، هذه النتيجة هي أخطر هزيمة لحزب العدالة والتنمية، منذ وصوله إلى السلطة في عام 2002، هذه الانتكاسة هي انتكاسة رجب طيب أردوغان، الذي أدار حملة محمومة (102 اجتماع في 50 يوماً)، بينما كرئيس للجمهورية، لا شيء يُجبره على ذلك.

في محاولة أخيرة للطعن في الاقتراع أطلق حزب العدالة والتنمية إجراءات جنائية، متّهماً حركة غولن بالوقوف وراء التزوير

في محاولة أخيرة للطعن في الاقتراع، أطلق حزب "العدالة والتنمية" إجراءات جنائية، متّهماً حركة غولن بالوقوف وراء التزوير، الأمر الذي كان سيفيد المرشح الناجح، لكن من غير المرجح أن تنجح هذه المشاحنات الخاسرة، إنّ تنظيم انتخابات جديدة لا يخلو بالفعل من خطر على الحزب في السلطة؛ لأنّه يمكن أن يزيد من تعبئة المعارضة، ويشجع على اختبار انتخابي جديد؛ أي تصويت استفتاء ضدّ النظام.
الانتظار اللامتناهي لإعلان النتائج وفرضية إلغاء التصويت زاد من تدهور صورة تركيا على الساحة الدولية، وعلى العكس؛ فإنّ قبول خسارة إسطنبول من قبل السلطة القائمة، يدل على أنّ فضاءات الاحتجاج، وحتى فضاء الحرية، ما تزال موجودة في هذا البلد، رغم التحول الاستبدادي الذي شهده منذ عدة أعوام.
إكرم إيمام اوغلو

عندما يصبح نصر ضيق نصراً كبيراً
انتصار إكرام إيمام اوغلو ضئيل: 13 729 صوتاً للناخبين، البالغ عددهم 11 مليون ناخب، في مدينة يزيد عدد سكانها عن 16 مليون نسمة، لكنّ الأمر يكتسي بُعداً رمزياً قوياً، عندما يتذكر المرء أنّ فوزاً في الانتخابات البلدية، في إسطنبول، عام 1994، هو الذي كشف عن رجب طيب أردوغان لعامة الناس.

اقرأ أيضاً: بالأرقام.. ديون حكومة أردوغان
حزب العدالة والتنمية يواسي هزيمته من خلال التذكير بأنّه، مع فوزه بـ 44.3٪ من مجموع البلاد؛ فإنّه يحتفظ بأغلبية مريحة، وهي أغلبية مطلقة، لأنه يستطيع أن يعتمد على دعم "MHP"، حزب اليمين المتطرف، القومي، كجزء من تحالف الشعب.
احتفال مثير للشفقة
علاوة على ذلك؛ احتفل أردوغان "بنجاحه" بطريقة مثيرة للشفقة، في ليلة الانتخابات، قبل أسبوعين، بإلقاء كلمته التقليدية من الشرفة (رسالة موجهة إلى المناضلين من شرفة مقر حزب العدالة والتنمية في أنقرة)، قبل أن يصمت أخيراً، لمدة أربعة أيام (رقم قياسي!)، نتيجة إحباطه بسبب هذه النتيجة.

السيطرة على ستّ مدن كبرى
لأنّ الذي ادعى، في الماضي، أنّ الفوز في الانتخابات يأتي أوّلاً من إسطنبول، يعرف جيداً أنّ نتائج التصويت المحلي تتمّ أوّلاً في ساحة المدن الكبيرة، خاسرة كانت أم فائزة، أم محافظة على نتائج سابقة، من هذه الزاوية؛ نرى أنّ نتائج البلديات، في 31 آذار (مارس) الماضي، نتائج أضحت مقلقة للغاية بالنسبة إلى حزب العدالة والتنمية، وبالفعل، فالمعارضة، التي سيطرت أيضاً على العاصمة أنقرة، واحتفظت بالمدينة الثالثة في البلاد، أزمير، تسيطر الآن على ستّ مدن من أكبر عشر مدن في تركيا.
الركود الاقتصادي والشعور بالخوف وفقدان التأثير
لهذا الفشل أسباب كثيرة؛ لا شكّ في أنّ تدهور الوضع الاقتصادي هو التفسير الأول، علماً بأنّ مكاسب حزب العدالة والتنمية في المجال الاقتصادي هي الأساس الذي بنى عليه أردوغان قاعدته الانتخابية، التي بدت وكأنها لا تُقهَر، وقد أدى الانخفاض المذهل لليرة التركية إلى طلب الرئيس أردوغان من مواطنيه أن يبيعوا ما يملكونه من ذهب وعملات أجنبية لإنقاذ العملة الوطنية، فبسبب هذا الوضع انفجر التضخم في غضون عام، متجاوزاً عتبة 20٪ عدة مرات، ناهيك عن ارتفاع نسية البطالة الآن إلى أكثر من 14٪ سيما بطالة المتخرّجين الشباب.

إنّ تنظيم انتخابات جديدة لا يخلو بالفعل من خطر على الحزب في السلطة؛ لأنّه يمكن أن يزيد من تعبئة المعارضة

السبب الرئيس الثاني لتراجع حزب العدالة والتنمية، سببٌ سياسي وأمني بشكل بارز؛ فقد أحدث الانقلاب الفاشل في يوليو 2016، وعمليات التطهير غير المسبوقة، التي أعقبت ذلك، في القطاعين العام والخاص، القلق، بل وحتى الشعور بالخوف داخل جمهور الناخبين في الحزب الحاكم. كثير من الناس لديهم الآن أحد أفراد أسرهم أو أحد معارفهم ضحية لهذا القمع، الذي غالباً ما يُنظر إليه على أنه غير مبرّر بعد مرور ثلاث أعوام تقريباً على الانقلاب، لا ينبغي أن ننسى أن القمع جزءٌ من دوّامة استبدادية تبدو بلا مخرج هي أيضاً؛ حيث راكم زعيمُ الحزب الحاكم سلطات كبيرة في أعقاب مراجعةٍ دستورية تم تبنيها بدقة عن طريق الاستفتاء، قبل عامين.

اقرأ أيضاً: صفعة جديدة لأردوغان.. ماذا سيكون ردّه؟
السبب الأخير للأداء الضعيف لحزب العدالة والتنمية في هذه الانتخابات المحلية، ينبع من مجموعة من العوامل الاجتماعية الدائمة: فقدان نفوذ الحركة الحاكمة من الأجيال الشابة، والتراجع الانتخابي في المناطق الأكثر حضرية والأكثر ديناميكية في البلاد، ويبدو أنّ أطفال المحافظين الجدد، الذين أوصلوا أردوغان إلى السلطة منذ ما يقرب من عشرين عاماً، يُلقون اليوم نظرة أقلّ رضا على سجله السياسي.

أربعة أعوام أكثر تعقيداً مما هو متوقّع
فجأة، يجد رئيس الدولة التركية، الذي بدا أنه قد أنجز معظم المشاريع في العام الماضي؛ حيث حقّق فوزاً أسهل مما كان متوقعاً في الانتخابات الرئاسية والتشريعية المبكرة، التي سمحت له بتثبيت نظامه الرئاسي الجديد، نفسه الآن في موقف أكثر حساسية بكثير مما كان متوقعاً، في مواجهة الأعوام التي تفصله عن الاحتفال بالذكرى المئوية للجمهورية، والذي جعل منه رمزاً سياسياً يهدف إلى دعم الإعلان عن ترشيحه المحتمل للانتخابات الرئاسية، لعام 2023.

اقرأ أيضاً: أردوغان وحزبه.. هل ما يزال الرهان على قاعدتهما الدينية مجدياً؟
أصرّ قادة حزب العدالة والتنمية كثيراً، في الأيام الأخيرة، على حقيقة أنه بعد التصويت المحلي الذي جرى للتو، ستكون تركيا قادرة على التمتع بإجازة لمدة أربعة أعوام خالية من المنافسات الانتخابية، يتم تقديم هذه الفترة كهدوء مفيد يجب أن يسمح بتنفيذ الإصلاحات التي تفرض نفسها، لرؤية البلاد وهي تسترد الاستقرار الاقتصادي، لكنّ الأعوام القادمة قد تكون نقطة تحوّل صعبة على النظام.
في إسطنبول، رغم احتفاظه بنفوذ الأغلبية في مجالس البلديات بالمدينة؛ فإنّ حزب العدالة والتنمية يجب عليه أن يتصدى لمعارضة قوية تعززها انتصاراتها، ومزوّدة بزعيم جديد يراه البعض كخليفة محتمل لـ رئيس أحدث فراغاً من حوله، بما في ذلك في تشكيلته السياسية.

اقرأ أيضاً: داوود أوغلو يُهاجم أردوغان
العاصمة العثمانية السابقة، مسرح مشاريع النظام الكبرى (المطار، الجسر، الأنفاق، المترو، المسجد الكبير على تل جامليكا، وقناة البوسفور المزدوجة، ...)، التي أصبحت الآن معرضة للخطر؛ بسبب الوضع الاقتصادي المتفاقم، ستكون، بلا شكّ، في قلب التحولات السياسية المستقبلية في البلاد.
من شكوك داخلية إلى توترات دولية
تضاف إلى هذه المنظورات الداخلية المجهولة حالةٌ دوليةٌ لم يسبق لها مثيل، بسبب التقارب الذي حدث بين أنقرة وموسكو، في سياق الأزمة السورية، هذا الموقف الإستراتيجي، الذي تمّ التأكيد عليه بالفعل منذ عامين في سياق عملية أستانا (دورة لحل النزاع بقيادة سورية بادرت بها روسيا، وكذلك إيران)، أصبح أكثر تشدداً، خلال الأشهر الأخيرة، مع إعلان قرار تركيا الحصول على بطاريات الصواريخ المضادة للصواريخ، الروسية S-400، حلف الناتو يعدّها غير متوافقة مع نظام دفاعه.

اقرأ أيضاً: هزيمة إسطنبول كشفت نقاط ضعف أردوغان
بحكم قلقها من الانجراف الأوروآسيوي لحليفتها، أرسلت إليها الولايات المتحدة إنذاراً حقيقياً، طالبة منها التخلي عن هذا القرار، تحت طائلة الاضطرار إلى الاستغناء عن تزويدها بالطائرة F-35، الطائرة المقاتلة الأمريكية الجديدة، التي طلبت أنقرة مئة نسخة منها، من موسكو، في 9 نيسان (أبريل)، أكّد أردوغان أنّه لن يتراجع عن طلبه طائرات S-400، وقد ألمح وزير خارجيته إلى أنّ تركيا ستحصل على إمدادات من مصادر أخرى، في حال وضعت واشنطن تهديداتها موضع التنفيذ.

أدّى انخفاض الليرة التركية إلى طلب أردوغان من مواطنيه أن يبيعوا ما يملكونه من ذهب وعملات أجنبية لإنقاذ العملة الوطنية

على أيّة حال؛ فإن المواجهة مع واشنطن حول هذه المسألة يمكن أن يكون لها عواقب اقتصادية خطيرة على تركيا رجب طيب أردوغان، في الوقت الذي أصيح فيه ضعيفاً من جراء الخسارة التي تكبدها، في أكبر مدينتين في البلاد.
الصعوبات الاقتصادية: أردوغان ينتقد التغطية الإعلامية الغربية
انتقد الرئيس رجب طيب أردوغان، الخميس الماضي، بشدة، وسائل الإعلام الغربية؛ حيث اتهمها بتضخيم الصعوبات الاقتصادية التي تواجهها تركيا، مستهدفاً بشكل خاص "الفاينانشال تايمز"، بسبب مقالٍ عن البنك المركزي التركي.
وقال أردوغان، في كلمة أمام إحدى النقابات في أنقرة: "بعض الدوائر في الغرب تحاول بكل وسائلها الإعلامية عرضَ اقتصادنا كما لو كان على الأرض، منتهياً"، وأضاف "دعهم يفعلون ما يريدون ويكتبون العناوين التي يريدونها، تركيا واقفة، ومستمرة في النمو".


يمرّ الاقتصاد التركي بفترة صعبة للغاية، مع أوّل ركودٍ له منذ 10 أعوام، وتضخّمٍ بنسبة 20٪، وسقوطٍ لليرة التركية، التي فقدت ما يقرب من ثلث قيمتها مقابل الدولار في العام الماضي، هذا الاضطراب هو أحد العوامل الرئيسة التي أدت إلى هزيمة حزب أردوغان في إسطنبول وأنقرة، خلال الانتخابات البلدية التي عقدت الشهر الماضي.

اقرأ أيضاً: أردوغان الحائر بين تركيته وإخوانيته
انتقد رئيس الدولة التركية بشدة، خاصة صحيفة "فاينانشال تايمز" الاقتصادية البريطانية، التي ذكرت الخميس الماضي؛ أنّ البنك المركزي التركي قام بتضخيم احتياطياته من العملات الأجنبية بشكل مصطنع، والتي ذابت في الأسابيع الأخيرة، وتسبب نشرُ هذا المقال في مزيد من الانخفاض في قيمة الجنيه، الذي فقد ما يصل إلى 2٪ من قيمته، الخميس، وتم تداوله في منتصف النهار بـ أكثر من 5.8 مقابل الدولار.

اقرأ أيضاً: كيف أفسد أردوغان العلاقات العربية التركية؟
وقال أردوغان: إنّ ""الفاينانشيال تايمز" تكتب بعض الأشياء، اكتبي ما تشائين، الوضع في بلدي واضح"، "يا "فاينانشال تايمز"! هل تعلمين أنّ تركيا تستضيف 4 ملايين لاجئ، كم عدد اللاجئين الذين تستضيفهم بلادك؟".
حكومة أردوغان تهاجم بانتظام وسائل الإعلام الغربية، وقد سبق لرئيس الدولة في الماضي أن اتهم المراسلين بأنهم "جواسيس".
ضاعفت الصحافة التركية الموالية للحكومة هذا الأسبوع، من هجماتها على وسائل الإعلام الأجنبية، بعد أن ذكرت هذه الأخيرة أنّ وزير المالية التركي فشل في إقناع المستثمرين خلال رحلة قام بها مؤخراً إلى الولايات المتحدة.
وتُندّد منظماتٌ غير حكومية، بانتظام بتآكل حرية الصحافة في عهد أردوغان؛ إذ تحتل تركيا المرتبة 157 في مؤشر حرية الصحافة في منظمة "مراسلون بلا حدود".


المصدر: theconversation.com

الصفحة الرئيسية