%40 نسبة الطلاق في مصر: الأسرة في خطر

مصر

%40 نسبة الطلاق في مصر: الأسرة في خطر

مشاهدة

20/09/2018

تشير الإحصائيات الرسمية إلى وقوع حالة طلاق في مصر كل أربع دقائق، وأخرى تشير إلى حالة طلاق كل دقيقتين، وهو ما جعل الدولة في حالة استنفار لمواجهة الظاهرة التي تهدد كيان الأسرة.

وارتفعت في النصف الأخير من القرن العشرين نسبة الطلاق في مصر، لتتصدر المركز الأول عالمياً؛ حيث بلغت الأرقام ذروتها عام 2017 لتصل إلى 40%.

اقرأ أيضاً: إكراهات الزواج والطلاق لدى الأقباط المصريين

بدأ ناقوس الخطر يدق أجراسه في العام 1998 الذي بلغت نسبة الطلاق فيه، بحسب إحصاءات المركز القومي للمرأة 30%، وهو ما جعل المشرعين على أهبة الاستعداد لتقديم تشريع يحد من نسب ارتفاع الطلاق، فصدرت المادة رقم 21 من القانون رقم 1 لعام 2000 والتي نصت على "أنّه لا يعتد في إثبات الطلاق عند الإنكار إلا بالإشهاد والتوثيق.." واستمر معدل الطلاق في الانخفاض بالفعل كما هدف المشرع، حتى جاء الطعن في عدم دستورية تلك المادة في برلمان 2006، ليعود حال الطلاق لسابقه، قافزاً لنسب قياسية ما بين عامي (2006 -2015)، حتى اعتلت مصر الصدارة العالمية في نصيبها من الطلاق.

ما فعلته التشريعات من تقليل معدلات الطلاق يضع المراقب أمام أهمية التشريع ودوره في المجتمع كضامن ومحرك أساسي لعملية تطور المجتمعات، وقد ساهم الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في رصد الشرائح العمرية والاجتماعية للمطلقين والمطلقات، لسهولة الوقوف على المحرك الخفي وراء انتشار حالات الظاهرة.

أوردت تقارير المركز القومي للمرأة زيادة قضايا الخلع بين النساء اللائي يتعرضن للضرب والإهانة من أزواجهن المدمنين

وأوضح تقرير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الصادر عام 2017، أنّ أعلى نسبة طلاق في مصر كانت من نصيب القاهرة، بمعدل 198 ألف حالة، تلتها الإسكندرية ثم بورسعيد، التي ترواحت النسب فيهم على التوالي (3.9، 3.7، 3.5 في الألف)، فيما تراوحت بقية المحافظات بين 3.1 -1.3 في الألف، أما الأقل في معدل الطلاق فكانت محافظة أسيوط التي بلغت النسبة فيها 0.9 في الألف تلتها المنيا وسوهاج وجنوب سيناء، وتصدرت الفئة العمرية ما بين 25 – 40 عاماً الأكثر طلباً للطلاق، ونال أصحاب الشهادات العلمية مراكز الصدارة، تلاهم عمال المصانع والموظفين وفئة محدودي الدخل، أمّا الأقل طلباً للطلاق فكانوا أصحاب الشهادات الجامعية وفوق المتوسطة من الذكور والإناث، على حدٍ سواء، كما تبين أنّ قرابة 30% من تلك القضايا الماثلة أمام المحاكم للفصل فيها، كانت قضايا خُلع، وهو ما ذكرته مديرة مكتب شكاوى المجلس القومي للمرأة، الدكتورة هناء رفعت في ورشة تثقيفية للنساء؛ إذ إنّ 80% من قضايا الخلع التي تقيمها النساء ضد الرجال سببها تعاطي الأزواج للمخدرات والعنف الواقع على المرأة جراء سلوكيات الزوج المضطربة.

تسجل القاهرة أعلى نسبة طلاق في مصر بمعدل 198 ألف حالة

تسلع العلاقات الحداثية

الدور الأهم الذي تمثله لغة الأرقام، هو الوقوف على الحقائق الكامنة وراءها، والإمساك بالخفي والمستعصي على العقل تحليله، وما أشارت إليه الإحصائيات الرسمية في دلالالته يعكس تغيراً واضحاً في بنية المجتمع ككل، واضطرابات أسرية تقف كمحرك أساسي لظواهر اجتماعية أخرى والعكس، فمعدلات الزيادة الواضحة لنسب الطلاق في الحضر، وانخفاضها في الريف والصعيد تشير إلى الدور الذي يلعبه شكل العلاقات الأسرية والإنسانية في التمسك باستمرار منظومة الأسرة التي أصابها التفسخ في المدن، جراء عوامل الحداثة وثقافة الرأسمالية التي أصبحت تسلع العلاقات الإنسانية، وتجعل الاستهلاك في مقدمة الرغبات الإنسانية بعدما كان إقامة الروابط ورأس المال الاجتماعي هما أول رغبات الإنسان ومحرك إبداعه واستمرارية حياته في شكلها الطبيعي.

اقرأ أيضاً: ألمانيا: مبادرة لمنع تعدّد الزواجات

وناقش ذلك باستفاضه، الفيلسوف وعالم الاجتماع البولندي زيجمونت باومان في نظرية السوائل، التي رصد فيها كيف تغيّر شكل العلاقات الإنسانية بفعل الرأسمالية، حيث استعرض كتابه الحداثة السائلة ما أصاب العلاقات الإنسانية من تفسخ واضمحلال جراء عدم الاستقرار الذي أصبح سمة مجتمعات ما بعد الحداثة، حيث أصبح كل شيء فيها قابلاً للتسليع وحلّت استراتيجية الإشباع الفوري محل الروابط الإنسانية العميقة القائمة على التضامن بين شريكين يتعاهدان على ألاّ يفرقهما إلّا الموت، وصارت دعاوى الطلاق أسهل ما يمكن إجراؤه بعد استهلاك السلعة (الزوج أو الزوجة) بعدما فقدت السلعة الموجودة صلاحيتها، وصار من الواجب الركض وراء سلعة جديدة مبهرة لإشباع الرغبة الإنسانية التي تحللت من إنسانيتها وأصبحت تتمحور حول ثقافة السلعة المعروضة في الأسواق، وقد كان أول ما طالته تلك المنظومة هو (الزواج).

أثرت عوامل الحداثة وثقافة الرأسمالية بجعل الاستهلاك في مقدمة الرغبات الإنسانية

ورسخت الرأسمالية ثقافة السلعة لدى البشر، حتى الآخرين أصبحوا وسيلة لتحقيق الإشباع، وعندما تخفق الوسيلة في إشباع الغرض الذي تمّ شراؤها لأجله يتم استبدالها بأخرى. ويستمر باومان في استعراض ما حل بالمجتمعات الحداثية من أمراض القلق والوسواس القهري الذي يخلق شعوراً مستمراً بانعدام الأمان، وتهتك دائرة الثقة التي تشعر الإنسان بالخوف والأنانية المفرطة، ولعل من سمات القلق حين يعصف بالنفس أن يتحول الناس إلى كائنات مفرطة العصبية لا تطيق تأخر رغباتها، وتسعى فوراً لإشباع الرغبات المتقدة التي صورتها الرأسمالية في أدمغتهم، براقة تنذر بمزيد من السعادة، بينما لا تحمل بواطنها سوى المزيد من القلق، ومتطلبات الإشباع الذي لا ينتهي أبداً.

في ضوء ذلك، تحولت الخلافات "التافهة" بين الزوجين إلى صراعات مريرة، والاحتكاكات الطفيفة ليست إلّا دلالة على اختلاف جوهري لا يقبل التجاوز عنه، والسبب في ذلك ما أشار إليه عالم الاجتماع الأمريكي وليام إسحاق توماس لما آلت إليه علاقات البشر في العصر الراهن: "إذا افترض الناس أنّ التزاماتهم مؤقتة وحتى إشعار آخر، فهذه الالتزامات تصير في الغالب الأعم مؤقتة بالفعل نتيجة أفعالهم"، وفقدان الوجود الاجتماعي للأمن والأمان دافع لتصور العالم من حولنا باعتباره مجموعة من منتجات متراكمة، من أجل الاستهلاك الفوري، وتصور العالم بأكمله، بما في ذلك البشر الذين يسكنونه، مجموعة من السلع الاستهلاكية تجعل الحديث عن روابط إنسانية دائمة أمراً عسيراً.

تفسخ الطبقة الوسطى

رئيسة المركز القومي للمرأة، الدكتورة مايا مرسي، قالت إنّ ارتفاع معدلات الطلاق في مصر أصبحت أمراً مزعجاً مهدداً لاستقرار المجتمع، وهو ما عزته إلى سهولة الطلاق أمام صعوبة الزواج ونفقاته التي أصبحت عبئاً كبيراً على كاهل غالبية الأسر المصرية، التي لا تزال تتمسك بشكل معين للقبول بالزوج المناسب لابنتهم، وهو ما يجعل الطلاق أمراً أسهل من الزواج.

وأشارت مرسي في حوار نشرته جريدة "الوطن" المصرية، إلى التغيرات الاقتصادية التي طالت المجتمع المصري قبل 40 عاماً، خاصةً في العقدين الأخيرين؛ حيث بدأ عصر سياسات الإفقار منذ تسعينيات القرن الماضي، بعد تطبيق نظام التكيف الهيكلي لصندوق النقد الدولي في مصر، وهو ما أصاب الطبقات الإجتماعية بخلل كبير بفضل تأميم المصانع والشركات وتسريح العمالة بلا بدائل لملايين الأسر المتضررة جراء السياسات الاقتصادية.

مايا مرسي: إنّ ارتفاع معدلات الطلاق أمر مزعج مهدد لاستقرار المجتمع

يضاف إلى ذلك نسب التضخم التي واصلت الارتفاع وبلغت ذروتها عام 2016 لتبلغ 300%، بحسب المركزي للإحصاء، وهو ما أضعف الطبقة الوسطى التي كانت تمثل الغالبية العظمى لشرائح المجتمع المصري، فصارت التحولات الطبقية أيضاً عاملاً مهماً في زيادة معدلات الطلاق.

سهولة التطليق

وأكدت أستاذة علم الاجتماع السياسي، الدكتورة هدى زكريا لـ "حفريات" أنّ "الظروف الاقتصادية أضرت في الآونة الأخيرة بالمجتمع المصري بشكل لا مثيل له؛ حيث أدّى تفسخ الطبقة الوسطى إلى اضطرابات نفسية واجتماعية جعلت العزوف عن الزواج، وسهولة التطليق سلوك المعظم من الشباب، وهو ما عكسته نسب الطلاق في المتزوجين حديثاً؛ حيث كثرت حالات الطلاق في السنوات والأشهر الأولى من الزواج، وهو ما يدل على انعدام قيمة الروابط الإنسانية لدى هؤلاء الأشخاص". واعتبرت زكريا أنّ ذلك "يعكس أيضاً انعدام قيمة الأسرة أمام ثقافة الاستهلاك التي حلت محل التكافل الاجتماعي والتراحم بين الزوجين، فلم نعد نسمع عن قصص الحب التي يبني فيها الأزواج حياتهم معاً، وعند حلول أوّل خلاف تنهار تلك المنظومة الهشة القائمة على فكرة الإشباع والاستهلاك فحسب".

اقرأ أيضاً: الهند: السجن 3 سنوات لرجال الطلاق "بالثلاثة"

ومن خلال الأرقام أيضاً يمكن رصد المؤشرات الأخرى المتعلقة بالطلاق؛ فبالنظر إلى وضع المرأة المصرية، يجد المراقب أنّ نسبة النساء المعيلات في مصر وصلت إلى 40% أي قرابة نصف النساء هن المعيل الوحيد لأسرهنّ إمّا بسبب الطلاق أو تغيب الزوج وامتناعه عن التواصل مع أسرته، وكثير من قضايا الخلع يثبت فيها وقوع العنف الجسدي أو الجنسي من قبل الرجل، وكذلك انعدام تشريعات صارمة تتحكم في ظاهرة العنف ضد الزوجات والاغتصاب الزوجي.

الدكتورة هدى زكريا لـ "حفريات": الظروف الاقتصادية أضرت في الآونة الأخيرة بالمجتمع المصري بشكل لا مثيل له

وأوردت تقارير المركز القومي للمرأة زيادة قضايا الخلع بين النساء اللائي يتعرضن للضرب والإهانة من أزواجهن المدمنين، وهو ما يتماهى مع تصدر مصر في نسب تعاطي المخدرات، ما يعكس التداخل بين عدة عوامل اجتماعية، تدفع المواطنين للوقوع في دائرة الطلاق.

وذكرت الكاتبة والطبيبة المصرية نوال السعداوي، في كتابها "المرأة والجنس" أنّ الارتفاع المطّرد لنسب تعاطي المخدرات بين الرجال في المجتمع المصري، يرجع إلى "الضغوط الاقتصادية التي تلاحق الرجال في مصر كضحايا النظام الرأسمالي بشكل مباشر، وكذلك الاضطرابات النفسية الناتجة عن فشل العلاقة الحميمية بين الزوجين نتيجة لارتفاع معدلات ختان الإناث المتسبب الأول في الإعاقة الجنسية للمرأة". وقالت السعداوي إن ذلك يدفع الرجال "نحو المخدرات هرباً من كل الفشل الملحق بهم الناتج عن العادات والتقاليد والسياسات الاقتصادية التي تعصف بالطبقات الوسطى والمهمشة".


الصفحة الرئيسية