4 من كلّ 10 نساء في تركيا يتعرضن للعنف الجسدي

4 من كلّ 10 نساء في تركيا يتعرضن للعنف الجسدي

مشاهدة

05/09/2020

ترجمة: محمد الدخاخني

تعرّضت بينار غولتكين، وهي طالبة جامعية تبلغ من العمر 27 عاماً، للخنق، قبل أن يُحشر جسدها في برميلٍ وتُشعل فيه النّيران.

"كان برميلاً نستخدمه لحرق القمامة"، يقول المتّهم بقتلها، جمال متين آفشي، وهو صاحب ملهى ليليّ يبلغ من العمر 32 عاماً، للنّيابة في وقت لاحق، وفق تقارير بثّتها وسائل إعلام محلّية؛ إنّه قد ملأ البرميل بالإسمنت قبل رميه في الغابة، ويخبر الشّرطة بأنّه انغمس في "نوبة غيرة" لأنّ السّيّدة غولتكين تريد هجره.

اقرأ أيضاً: انسحاب بولندا وتركيا من اتفاقية اسطنبول: هل تشريع العنف يصنع أسراً متماسكة؟

في تركيا، حيث قُتلت 400 امرأة، على الأقلّ، في قضايا عنف أسريّ، العام الماضي، أثارت الجريمة، التي وقعت في تمّوز (يوليو)، غضباً متجدّداً بسبب الفشل في مكافحة إساءة معاملة النّساء.

وتتعرّض 4 من أصلّ كلّ 10 نساء في تركيا للعنف الجنسيّ أو الجسديّ مرّةً واحدةً على الأقلّ في حياتهن، وفقاً لبيانات حكومية حلّلتها مجموعة مناصرة مقرّها إسطنبول، تُدعى "نساء من أجل حقوق النّساء - طرق جديدة".

عقد من الزّمان

لقد مرّ ما يقرب من عقد من الزّمان منذ أن اجتمع القادة الأوروبيّون في إسطنبول للتّوقيع على معاهدة تهدف إلى مكافحة العنف الأسريّ، وهي اتّفاقية اعتُبرت في ذلك الوقت تقدّماً ملحوظاً في مجال حقوق المرأة.

جانب من احتجاج في اسطنبول لحث الحكومة التركية على عدم الانسحاب من الاتفاقية

ارتفع عدد القتلى من النّساء في تركيا عاماً بعد عام، وارتفعت أيضاً الانتهاكات على نطاق أوسع، وتفاقمت مؤخّراً بسبب الإغلاق من جرّاء فيروس كورونا، ومع ذلك، تدرس الحكومة التّركية الانسحاب من الاتّفاقية، الّتي توسّط فيها مجلس أوروبا، وهي منظّمة لحقوق الإنسان وسيادة القانون، تضمّ 47 دولة عضو، بما في ذلك عدة دول من الاتّحاد الأوروبيّ، إضافة إلى روسيا وتركيا.

وبينما فشلت الحكومة التّركية، وفق معظم الرّوايات، في الوفاء بوعودها بالتّصدّي للعنف المنزليّ، أثارت فكرة تخلّي تركيا عن المعاهدة، المعروفة باسم "اتفاقية إسطنبول"، غضباً واسع النّطاق.

تصاعد الخلاف داخل الدّوائر الحاكمة عندما تقدّم الفرع النّسائيّ لحزب العدالة والتّنمية بشكوى جنائية ضدّ كاتب عمود إسلامويّ استخدم إهانات جنسية عند إشارته إلى العضوات الّلواتي أيدن الاتّفاقية

خرج المتظاهرون، بقيادة النّساء، في كافّة أنحاء البلاد إلى الشّوارع للاحتجاج، وتأخّر اتّخاذ قرار بشأن هذه القضية في وقتٍ يتعاطى فيه الرّئيس رجب طيّب أردوغان مع مصالح متضاربة.

وأصبح الصّراع على المعاهدة، الذي يدور ليس فقط في تركيا، لكن أيضاً في أجزاء أخرى من شرق ووسط أوروبا، حول ما هو أكثر بكثير من الوثيقة نفسها، التي لا تحمل قوّة القانون، والتي هي، على كلّ حال، متواضعة في مقترحاتها.

ورغم أنّ انتقاداتها نادراً ما تستند إلى أيّ شيء مكتوب في المعاهدة أو أيّ شيء تدعو إليه بشكل مباشر، فقد هاجمت الجماعات اليمينية، التي ضمّت إليها مروّجي نظريّات المؤامرة والقوميّين الغيورين.

 الاتفاقية باعتبارها تهديداً للسّيادة الوطنية

كما انتقد هؤلاء المعاهدة باعتبارها تروّج "للسّياسات الجندرية"، وتدفع باتّجاه "أيديولوجيا الحركة المثلية"، مع توظيف القادة الشّعبويّين لها باعتبارها طوطماً لأمراض الدّيمقراطية الّليبرالية على النّمط الغربيّ.

اقرأ أيضاً: عن فيديو آية الصباغ: هل العنف ضدّ المرأة "أسرار عائلية"؟

وقد توقّفت عملية التّصديق على الاتّفاقية في العديد من الدّول الأوروبية، بما في ذلك بلغاريا والتّشيك والمجر ولاتفيا وسلوفاكيا، وروسيا لم توقّع عليها حتّى.

وفي الآونة الأخيرة؛ أشارت الحكومة البولندية إلى أنّها تدرس الانسحاب أيضاً، وفي حين يقرّ العديد من المدافعين عن المعاهدة بحدود فعالية الاتّفاقية، فإنّها تحمل صدى رمزيّاً عميقاً، وأن تكون طرفاً في الاتّفاق، كما يقولون، يعني أن تقرّ فعليّاً بكونك جزءاً من مجتمع يناضل من أجل المساواة وحقوق الإنسان.

ظهرت في احتجاج في وارسو ضد خطط بولندا الانسحاب من اتفاقية اسطنبول لوحات تحمل أسماء ضحايا العنف المنزلي

في تركيا؛ مع انتشار أنباء عن احتمال انسحاب الحكومة من المعاهدة هذا الشّهر، نزل الآلاف إلى الشّوارع للاحتجاج.

وفي أحد التجمّعات، في إسطنبول، هذا الشّهر، ردّدوا هتافاً يقول: "الخيار لنا، القرار لنا، الّليل لنا، الشّوارع لنا".

وتقول كثيرات من المدافعات عن حقوق المرأة في تركيا؛ إنّه عوضاً عن الانسحاب من المعاهدة، يجب على الحكومة استخدامها لإصلاح نظام يسمح غالباً بالعنف المنزليّ دون عقاب.

اقرأ أيضاً: جسد المرأة: صراع ديني علماني أم اقتصادي؟

وكانت وسائل الإعلام التّركية قد امتلأت بقضايا النّساء الّلواتي يطلبن مساعدة الشّرطة والمحاكم، لكن يجري تجاهلهن، وأحياناً يتعرّضن لعواقب مميتة.

ووجد تقرير صادر عن قوّات الدرك التّركية، وهي هيئة وطنية لإنفاذ القانون؛ أنّه من عام 2008 إلى عام 2017، قُتلت حوالي 2,487 امرأة، مع زيادة كبيرة في عدد القتيلات بعد عام 2013.

وقد قُتلت الغالبية منهنّ، 62%، على أيدي أزواجهنّ أو أزواجهنّ وعشّاقهنّ السّابقين؛ و28% منهنّ قُتلن على أيدي أقارب آخرين، ونسبة أقلّ بكثير، 10%، قُتلن على أيدي متعقّبين أو جيران أو غيرهم.

الصّورة الكئيبة للعنف الأسريّ

بالرّغم من الصّورة الكئيبة للعنف الأسريّ الّتي ترسمها الأرقام؛ فإنّ الإيمان بتلقّي أيّ دعم من النّظام القانوني يبدو ضئيلاً، ووفق المنظمة "نساء من أجل حقوق النّساء - طرق جديدة"، فإنّ 7 فقط من بين كلّ 100 امرأة يتعرّضن للعنف يُبلغن الشّرطة بذلك. ويشارك المدّعون العامّون في حوالي 4% فقط من القضايا.

ومن بين الحالات التي تُرفع إلى المحكمة، تنتج أحكام بالإدانة عن 21 في المئة، وحتّى في هذه الحالة، غالباً ما تكون العقوبات متساهلة.

منظمة "نساء من أجل حقوق النّساء..": 7 فقط من بين كلّ 100 امرأة يتعرّضن للعنف يُبلغن الشّرطة بذلك. ويشارك المدّعون العامّون في حوالي 4% فقط من القضايا

في الواقع؛ كانت حالة عنف منزليّ قد وقعت منذ ما يقرب من عقدين من الزّمن، وهي الّتي صدمت تركيا وأحرجتها ودفعتها لاتّخاذ إجراءات وساعدت في حثّ مجلس أوروبا على صياغة المعاهدة الأصلية. فعندما حاول حسين أوبوز دهس زوجته السّابقة بسيّارته، حُكم عليه بالسّجن ثلاثة أشهر. وعندما طعنها سبع مرّات، حكم عليه بدفع غرامة. "نتشاجر كثيراً لأنّ والدتها تتدخّل [في حياتنا]"، قال للشّرطة في ذلك الوقت.

من مسيرة في اسطنبول ضد العنف الأسري في يوليو الماضي باسطنبول

وأخيراً؛ في 11 آذار (مارس) 2002، عندما حاولت والدة المرأة اصطحاب ابنتها، ناهد أوبوز، إلى مكان آمن، أوقف السّيّد أوبوز السّيّارة وأطلق النّار على المرأة المسنّة وأرداها قتيلة.

وبعد استنفاد كافّة السّبل في النّظام القانونيّ التّركيّ، رفعت السّيّدة أوبوز القضية إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، وجاء أوّل قرار للمحكمة يتعلّق بالعنف المنزليّ بالإجماع وتبيّن أنّ تركيا قد فشلت في أداء واجبها لحماية السّيّدة أوبوز من زوجها السّابق، الذي يسيء إليها بالرغم من سنوات من التّحذيرات وتاريخ من العنف.

اقرأ أيضاً: قرارات جديدة في صالح المرأة السعودية... ما علاقة رئاسة الحرمين؟

وعندما جمع مجلس أوروبا القادة في إسطنبول، عام 2011، لإضفاء الطّابع الرّسميّ على معاهدة مكافحة العنف المنزليّ، كانت تركيا أوّل دولة تعهّدت بدعمها.

تقول فريدة أجار، وهي أستاذة في جامعة الشّرق الأوسط التّقنية في أنقرة، والّتي لعبت دوراً رئيساً في صياغة الاتّفاقية: "إنّني مستاءة للغاية ومخيّبة الآمال لرؤية هذا التّغيير في موقف الحكومة التّركية". وتضيف أنّه عندما وصل أردوغان إلى السّلطة الوطنية للمرة الأولى، عام 2003، كان لحزبه قاعدة دعم أوسع بكثير وكانت سياسته تتّجه نحو الغرب.

وتتابع: "يعتمد الحزب الآن على جمهور أصغر من النّاخبين، والّذي يشمل مجموعات غالباً ما يكون لديها أجندات دينية بشكل أكبر".

اقرأ أيضاً: أمثال شعبية قللت من شأن المرأة على مر التاريخ

وقد بدا أردوغان ممزّقاً من جرّاء الأصوات المتنافسة حول هذه القضية، بما في ذلك أصوات داخل عائلته.

وكان قد خطّط لجمع حزب العدالة والتّنمية الحاكم للإعلان عن قرار بشأن المعاهدة في الخامس من آب (أغسطس)، لكنّ الاجتماع تأجّل وسط احتجاجات واسعة النّطاق.

إحدى بنات أردوغان

ويُذكر أنّ إحدى بنات أردوغان، سمية أردوغان-بيرقدار، تعمل في مجلس إدارة مجموعة حقوقية تُدعى جمعية المرأة والديّمقراطية والّتي دافعت عن الاتّفاقية.

وتقول الجمعية في بيانٍ لها: "في علاقةٍ لا يوجد بها حبّ واحترام ويعذّب طرف الآخر بالعنف، لا يمكننا الحديث عن 'الأسرة' بعد الآن"، في مواجهةٍ لحجّة الأسرة الّتي تستخدم كثيراً من جانب نقّاد المعاهدة.

ابنة أردوغان، سمية أردوغان بيرقدار، الثالثة من اليمين، تعمل في مجلس إدارة مجموعة حقوقية دافعت عن الاتفاقية

وتصاعد الخلاف داخل الدّوائر الحاكمة عندما تقدّم الفرع النّسائيّ لحزب العدالة والتّنمية بشكوى جنائية ضدّ كاتب عمود إسلامويّ استخدم إهانات جنسية عند إشارته إلى العضوات الّلواتي أيدن الاتّفاقية.

وندّد أردوغان بالإهانة ودعا إلى الوحدة في صفوف حزبه، وأشار إلى أنّ تركيا قد تُعدّ اتّفاقيّتها الخاصّة لمنع العنف ضدّ المرأة.

لكنّ هذا التّصريح لم يكن كافياً لتطمئن المجموعات النّسائية.

من جانبها، تقول بيرفو سيكر، من منظّمة "نساء من أجل حقوق النّساء - طرق جديدة": "حقيقة أنّ المعاهدة ما تزال قيد المناقشة تُظهر أنّهم لا يؤمنون بالمساواة".

وتضيف: "وهذا يعني أنّهم لن يُظهروا أيّ إرادة لتحقيق المساواة".

مصدر الترجمة عن الإنجليزية:

مارك سنتورا، "نيويورك تايمز"، 25 آب (أغسطس) 2020

الصفحة الرئيسية