هل ينجح الغنوشي في البقاء على رأس "النهضة" المتمزقة؟

هل ينجح الغنوشي في البقاء على رأس "النهضة" المتمزقة؟

مشاهدة

30/06/2020

بعد تكرّر تأجيله، قرّرت حركة النهضة الإسلامية بتونس (صاحبة الأغلبية البرلمانية) عقد مؤتمرها الحادي عشر، أواخر العام الحالي، في ظلّ تكهنات بترحيله إلى العام القادم، وسط خلافاتٍ متصاعدة حول التمديد لرئيسها راشد الغنوشي، الذي تزعمها لـ46 عاماً متتاليةً.

وبالرغم من أنّ النظام الداخلي للحركة، التي تنصّب نفسها حامية الديمقراطية في البلاد، ينصّ على أنّه "لا يحق لأيّ عضوٍ أن يتولى رئاسة الحركة لأكثر من دورتين متتاليتين"، فإنّ راشد الغنوشي يتزعّمها منذ 1991، ويسعى حالياً وفق معطياتٍ قادمةٍ من كواليس مجلس شورى الحركة، إلى الترشّح مجدّداً لرئاستها لمدّةٍ نيابيةٍ جديدةٍ.

محرزية العبيدي: الديمقراطية في العالم العربي والإسلامي بحاجةٍ لوجود زعيمٍ كالغنّوشي وليست فقط حركة النهضة التي تحتاجه

مساعي الغنّوشي والمقرّبين منه داخل الحركة، تجري وسط تصاعد خلافاتها الداخلية، وانقسامها إلى تيارين، أحدهما يدعو صراحةً لعدم التجديد للغنوشي واحترام النظام الداخلي، وآخر يرى أنّ خروج الغنوشي سيؤدي إلى مشاكل كثيرة في "النهضة" أهمّها الانشقاقات التي يمكن أن تحدث بسببه.

وكان الغنوشي نفسه قد أكّد في حوارٍ له مع قناة "نسمة" التونسية، إنّه "سيحترم هذا القانون ما دام قائماً"، رغم أنّه أكد في تصريحاتٍ صحفيةٍ سابقةٍ أنّ بقاءه على رأس الحركة تحدده مصلحة الحزب ومصلحة البلاد، وهو ما اعتبره مراقبون للشأن السياسي التونسي، رغبةً خفيةً لدى الغنّوشي في البقاء على رأس الحركة، عبر التحايل لتغيير قانون الحركة الداخلي.

انتقادات للغنوشي بالسعي إلى تغيير نظام النهضة من أجل البقاء على رأسها

الغنوشي سيبقى رئيساً للحركة؟

وتبقى إمكانية تمديد فترة رئاسة الغنوشي للحركة أمر وارد، خاصّةً أنّ هناك مؤشرات عديدة على رغبته في ذلك، أوّلها تأجيل عقد المؤتمر الحادي عشر، وتتالي التصريحات التي تدفع بهذا الاتّجاه، وهو ما أكّده عددٌ من قيادات الحركة في تصريحات مختلفة لـ"حفريات"، إذ أكّدت محرزية العبيدي القيادية بالحركة ومستشارة الغنوشي بالبرلمان، أنّ الديمقراطية في العالم العربي والإسلامي، والوضع غير المستقر في تونس بحاجةٍ لوجود زعيمٍ له نظرة وممارسة كالغنّوشي، وليست فقط حركة النهضة التي تحتاجه.

محمد بوعود: الغنّوشي هو الوحيد الذي يعرف كافّة معطيات التنظيم العالمي للإخوان المسلمين من التمويلات إلى الشخصيات المهمة وغير المهمّة وكل تفاصيله

وحول إمكانية تغيير نظام النهضة الداخلي ليُمكّن للغنوشي من البقاء في منصبه كرئيس للحركة، قالت العبيدي في تصريحها لـ"حفريات"، إنّ كل شيء وارد، مشيرةً إلى وجود ثلاثة مواقف داخل الحركة، يدفع أوّلها نحو إرساء مبدأ التداول على رئاسة الحركة، فيما ينادي الثاني بالإبقاء على الغنّوشي حفاظاً على مصلحة الحزب والبلاد، ويعتقد الرأي الثالث أنّ تجديد قيادة الحركة مهم، لكنّ بقاء الغنّوشي أهم.

كما أكّد النائب عن الحركة محمد القوماني في حديثه لـ"حفريات"، على أنّ القانون الحالي للحركة يمنع الغنّوشي من الترشّح مرّةً أخرى لرئاسة الحركة، لكن كل شيء يبقى وارداً بحسب نقاشات المؤتمر الحادي العشر، الذي سينعقد قريباً، لافتاً إلى إمكانية تغيير النظام الداخلي، بما يخوّل للغنوشي مواصلة رئاسة  الحركة.

القوماني كشف أيضاً عن وجود رغبةٍ لدى عددٍ مهم من قيادات الحركة، للمنافسة على خلافة الغنّوشي، لكن لم يقدّم إلى حدّ اللّحظة أي منهم ترشّحه.

مجلس شورى النهضة يؤجل مؤتمر الحركة لأواخر العام الحالي وسط تكهنات بترحيله إلى العام المقبل

في المقابل، قال النائب عن الحركة سليم بسباس إنّ مجلس الشورى أكّد على ضرورة التداول على رئاسة الحركة، وعلى ضرورة احترام النظام الداخلي، وإنّ المؤتمر سيطرح قيادةً جديدةً، لأنّ القيادة الحالية (راشد الغنّوشي) استوفت مدّتها القانونية.

وأقرّ بسباس لـ"حفريات" بأنّ فكرة بقاء الغنوشي على رأس حركة النّهضة تم التداول فيها داخل هياكل الحزب، ويوجد حولها اختلاف كبير، لكنّ المؤتمرون سينحازون بكل تأكيد إلى مصلحة النهضة والبلاد قبل كلّ شيء، فيما تظلّ كل الاحتمالات واردة، وفق تعبيره.

هل يقسّم الغنّوشي حركته

وتواجه الحركة عدّة مشاكل، خصوصاً في ما يسمي بـ"الانتقال القيادي"، في أجواء مشحونة بالتجاذب والمغالبة، بين نفوذ الغنوشي وتمسّكه بكرسي الرئاسة، وبين دعواتٍ ملحة إلى ضرورة تغييره، خصوصاً بعد الاتهامات التي وُجّهت له مؤخراً بالانفراد بالقرار.

هذه الخلافات قسّمت النهضة إلى تيارين يرى أوّلها أنّ أولويات المرحلة تقتضي بقاء الغنوشي على رأس الحركة، وأنّ خروجه في هذا الظرف المتوتر داخلياً وإقليمياً سيؤدي بالضرورة إلى مشاكل كثيرة داخل الحركة وقد يعجل ببروز انشقاقات، لاسيما وأنّ طموحات بعض القيادات بدأت تتوسع في اتجاه خلافة الغنوشي حتى لو كان ذلك على حساب الاستقرار الداخلي للحزب.

إبراهيم الحدّاد: الغنّوشي مازال لم يستنفذ أساليبه في الضغط من أجل البقاء في قيادة الحركة برغم توليه المنصب لـ46 عاماً على التوالي

في المقابل، تشكّلت جبهة معارضة لهذا التوجه، وقد ضمّت عدّة قياداتٍ تاريخيةٍ، خرجت مؤخراً عن صمتها، وأعلنت صراحةً معارضتها لاستمرار الغنّوشي على رأس حركتهم، ومن أبرزهم وزير الصحة عبد اللطيف المكي، الذي اعتبر أنّ "النهضة لها قيادات قادرة على حمل المشعل، وهناك طلبة قادوا الحركة في وقت من الأوقات" (في إشارة إلى الوضع قبل الثورة عندما كان الغنوشي وعدد من القيادات في المهجر)، إلى جانب وزير حقوق الإنسان السابق سمير ديلو الذي قال إنّه من غير المعقول أن يتم تغيير النظام الداخلي للحزب ليصبح على مقاس أي شخص، حتى ولو كان في حجم راشد الغنوشي.

أحلام الغنوشي تقسم النهضة إلى تيارات

هذه الجبهة تحظى أيضاً بدعم رئيس الحكومة الأسبق، القيادي في "النهضة"، علي العريّض، الذي أكّد دعمه لمنطق تشبيب قيادة الحركة، وتسليم المشعل إلى الجيل الشبابي، فضلاً عن قياداتٍ كبيرةٍ داخل الحركة.

وكانت مجموعةٌ من قيادات الصفّ الأوّل للحركة قد نشروا عريضة نهاية (أيار) ماي الماضي تطالب بضمان التداول القيادي في الحركة بما يسمح بتجديد نخبها وذلك وفق مقتضيات نظامها الأساسي والأعراف الديمقراطية وسلطة المؤسسات والتوافق على إنجاز إصلاح هيكلي عميق، استجابةً لمتطلّبات الواقع ولحاجيات البلاد".

المجموعة ضمّت كلاً من رئيس مجلس الشورى عبد الكريم الهاروني، ومسؤول مكتب العلاقات الخارجية رفيق عبد السلام (صهر الغنوشي)، ومسؤول المكتب السياسي نور الدين العرباوي، ومسؤول مكتب الانتخابات محسن النويشي، ونائب رئيس مجلس الشورى مختار اللموشي، ومسؤول مكتب المهجر فخر الدين شليق، ونائب رئيس مكتب العلاقات الخارجية سهيل الشابي، ومسؤول المكتب النقابي محمد القلوي، وآخرين.

ويرى المحلل السياسي إبراهيم الحدّاد أنّ الغنّوشي الذي لن يقبل بالخروج من رئاسة الحركة، مازال لم يستنفذ أساليبه في الضغط من أجل البقاء في قيادة الحركة، برغم توليه المنصب لـ46 عاماً على التوالي، وبرغم عدم قدرته حالياً، صحياً ولا نفسياً على مواصلة قيادة الحركة بنفس الطريقة.

ويعتقد الحداد في تصريحه لـ"حفريات"، أنّ الغنّوشي سيلحق ضرراً بحركته، في حال مضى في تنفيذ تكتيكه السياسي للاستمرار على رأسها ، وقد يشتّتها، ويقسّمها، بطريقةٍ قد لا يستطيع جمع شتاتها ثانيةً، خاصّةً أن الاستقالات انطلقت قبل حتّى تنفيذ مخططه.

استقالات متتالية داخل النهضة

ويواجه الغنوشي انتقاداتٍ كبيرةٍ من داخل حزبه واتهاماتٍ باحتكار الحزب وتمويلاته والتفرّد بالرأي من طرف قيادات معارضة له، باتوا يشكلون أغلبية بالحركة، تدعوه إلى التنحي عن منصبه وبعث دماء جديدة.

وقد شهدت الحركة تبعاً لذلك استقالاتٍ كثيرة في الأشهر الماضية، كاستقالة قائدها التاريخي عبد الحميد الجلاصي وأمينها العام زياد العذاري، وقبله رياض الشعيبي وزبير الشهودي وحمادي الجبالي، فضلاً عن استقالة قيادات شبابية، مثل زياد بومخلة وهشام العريض، عكست حالة الانقسام والتشتتّ الذي تعيشه الحركة هذه الفترة.

كما استقال أيضاً الرجل الثاني للحركة، ونائب رئيسها عبد الفتاح مورو، واُعتبرت الاستقالة بمثابة "الصفعة" القوية للحركة، وأنها منعرج مفصلي في تاريخها، إذ هي نتيجة معركةٍ داخلية حول غياب الديمقراطية في النهضة.

ورجّح المحلل السياسي محمد بوعود أن تتواصل الانشقاقات والاستقالات داخل الحركة في حال تمسّك الغنوشي برئاستها لمدّةٍ نيابيةٍ جديدةٍ، وقد يشهد المؤتمر غضباً وانسحاب عددٍ مهمٍ من أعضائه، مشدّداً على أنّ الغنوشي كأيّ مسؤولٍ عربي لن يستسلم بسهولة، ولن يتنازل عن منصبه طواعيةً إلا في حال وجد نفسه مجبراً على ذلك.

ولفت بوعود في تصريحه لـ"حفريات"، إلى أنّ الغنّوشي هو تقريباً الوحيد الذي يعرف كافّة معطيات التنظيم العالمي للإخوان المسلمين، من التمويلات إلى الشخصيات المهمة وغير المهمّة وكل تفاصيله، وهو ما يجعل من تغييره أمراً معقداً، وما يصعّب اختيار خليفته، مضيفاً أنّ أغلب أعضاء مجلس الشورى يقفون إلى صفه ويدعمونه، وبالتالي فإنّ بقاءه على رأس الحركة لن يسبب إشكالاً كبيراً، طالما أنّ البيان الأخير للمؤتمر سيكون بإمرته.

الصفحة الرئيسية