هل يمكن للإسلام تقديم قراءة بيئيّة للعالم؟

البيئة

هل يمكن للإسلام تقديم قراءة بيئيّة للعالم؟

مشاهدة

25/09/2019

تسعى الدراسات ما بعد الكولونيالية إلى تحرير الإسلام من الاستشراق، والمتخيّل الغربي المحيط به، والاستفادة منه في إعادة قراءة تاريخ العلوم الإنسانيّة الغربيّة، ليتحوّل "الإسلام" بمعناه الواسع إلى مساحة للتفكير بـ "العالم"، والاستفادة من قدرته على التأثير في حلّ بعض المشكلات الطارئة التي تواجه البشريّة، هذه القراءة المعاصرة نراها في دراسات البيئة، والتقسيمات المرتبطة بها، التي تحاول توظيف الفهم "الإسلامي" للوجود، في سبيل الحفاظ على الكوكب والاستفادة من الخطاب الإسلامي للوقوف بوجه التهديد البيئي الذي قد يودي بنا كبشر وبكوكب الأرض.

يتطلب الإسلام البيئي أيضاً قراءة جديدة لما تسمّى "الآيات البيئيّة"، تلك التي تتناول مخلوقات الأرض وأساليب التعامل معها

تكمن أهمية الإسلام كمبحث في الدراسات الإنسانيّة وما بعدها في التقسيمات الأنطولوجيّة التي يقدمها لما هو "طبيعيّ" و"ثقافيّ"، خصوصاً أنّه لا يرى في "الإنسان" سيداً على الأرض؛ بل "خليفة"، يضمن حياته وحياة المخلوقات الأخرى عليها، هذه القراءة ترتبط بإعادة فهم وتأويل المراجع الإسلاميّة "القرآن الكريم والحديث النبوي"، من وجهة نظر أبعد عن "الحرفيّة" أو تلك التقليديّة،  وذلك لتقديم فهم جديد لها، بالاعتماد على أخلاقيات "خضراء"، والتزامات اجتماعيّة توظّف مفاهيم الفقه والعقيدة الإسلاميّة، التي لا تجعل من الحفاظ على "الحياة" بمفهومها الواسع مسؤولية كلّ شخص على حدة فحسب؛ بل جهداً مؤسساتياً يقوم به الجميع، كإعادة توظيف مفهوم "الخلافة على الأرض"  لضمان حياة كلّ المخلوقات، كالاعتماد على الأحاديث النبوية التي تحرّم الصيد للمتعة والتسلية، أو تجعله مكروهاً، كقول النبيّ محمّد ﷺ: "مَنْ قَتَلَ عُصْفُورًا بِغَيْرِ حَقِّهِ، سَأَلَهُ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .قِيلَ: وَمَا حَقُّهُ؟ قَالَ: أَنْ تَذْبَحَهَا فَتَأْكُلَهَا، وَلَا تَقْطَعْ رَأْسَهَا فَيُرْمَى بِهَا".

كتاب "البيئويّة الإسلاميّة: الدين والأساس الاجتماعيّ"
نكتشف المفاهيم السابقة أكثر والعلاقة بين المؤسسة الغربيّة والدراسات الإسلاميّة العالميّة في كتاب "البيئويّة الإسلاميّة: الدين والأساس الاجتماعيّ"؛ الصادر هذا العام، عن منشورات جامعة كولومبيا، للبروفيسورة آنا جيد، التي تعمل في جامعة ويسكانسون -ماديسون، المتخصصة في الدراسات البيئيّة وتاريخ الأديان، وسبق أن صدرت لها عدة كتب في الدراسات الإسلاميّة.
نحو مبادرة بيئيّة إسلاميّة
المقاربة الأولى للإسلام البيئي تتجلى بالمبادرات العالميّة التي تقوم بها الجمعيات المدنية العالميّة والوطنيّة، في محاولة لمخاطبة "المسلمين" و"غير المسلمين" بلغة علميّة  وأخلاقية تتبنى قيم الإسلام في سبيل الحفاظ على البيئة، وهذا ما نراه في مبادرة "قانون بيئي إسلامي" في إندونيسيا، أو ما يمكن تسميته "فقه البيئة"، التي تدعو  إلى تطوير الصناعات وبثّ رسائل للمسلمين ليكونوا جزءاً من الحلّ، وخصوصاً في شهر رمضان، حيث يزيد الاستهلاك؛ إذ تمّ التعاون مع خطباء المساجد لحثّ المصلّين على البدء بأنفسهم، والأخذ بعين الاعتبار الضرر الذي يتركه البلاستيك على الكوكب، الأمر ذاته في "الإعلان العالميّ الإسلامي للتغيّر المناخي" الذي صدر في إسطنبول، عام 2015، برعاية الأمم المتحدة، والذي دعا فيه العديد من الأكاديميين ورجال الدين إلى الوقوف يداً بيد مع "الإنسانيّة"، في سبيل إنقاذ الكوكب، الذي جعله الله لنا، وسخر لنا ما فيها.

اقرأ أيضاً: التغيّر المناخي يعيد تشكيل خريطة العالم والطبيعة البشرية
المحاولتَان السابقتان تسعيان لجعل الأدبيات الإسلاميّة جزءاً من الحراك "الغربيّ اللاديني" في سبيل إنقاذ الكوكب، وجعل المسؤولية مشتركة بين الجميع في رهان على خطاب أخلاقي وإنسانيّ،  ويمتدّ الأمر إلى مبادرات "رمضان الأخضر" و"الحجّ الأخضر" في مختلف أنحاء العالم، والذي يتمّ الترويج له حتى في الولايات المتحدة من قبل منظمة التجمع الإسلامي لأمريكا الشماليّة، والتي تدعو لإعادة التدوير، والحفاظ على الطعام في الشهر الفضيل، والأمر ذاته مع الحجّ الأخضر، الذي يقارب الموضوع بوصفه نصائح عامة لا تتدخل في العبادات والطقوس.
النصوص البيئيّة
الحديث عن البيئة في السياق الإسلاميّ، يتطلب إعادة النظر في النصوص المُؤسِّسِة "القرآن والسنّة"، وإنتاج قراءة لها تحافظ على قيمتها المقدسة مع جعلها تشمل مفاهيم أنطولوجية أوسع، خصوصاً أنّ الإسلام يأخذ بعين الاعتبار الكائنات كلّها: "بشر، نباتات، حيوانات، جنّ، ملائكة"، و هي مفاهيم تسعى الأنطولوجيا الغربيّة ما بعد الإنسانويّة لإدخالها ضمن أدبياتها، خصوصاً أنّ الإسلام يسعى لخلق توازن بين "الموارد" و "الاحتياجات" لتكون كافية للجميع، و هنا تبرز أهمية  القصص التاريخيّة  في التراث الإسلاميّ،  فكما تعتمد الدراسات ما بعد الإنسانيوية على الخيال العلمي والسينما لتبرير ورسم متخيلات عن مستقبل الكوكب، فلم لا تستخدم مثلاً القصة المشهورة، المختلف على أمرها، التي أمر فيها الخليفة عمر بن عبد العزيز  "بنثر القمح على رؤوس الجبال"، صحيح هي موضع جدل حول حقيقتها؛ بل ويرى فيها البعض مجرد اتهام للخليفة بهدر أموال المسلمين، لكنّ قيمتها المتخيلة مشابهة لتلك التي تمتلكها السينما.

الموقّعون على الإعلان الإسلامي العالمي للتغيّر المناخي
يتطلب الإسلام البيئي أيضاً قراءة جديدة لما تسمّى "الآيات البيئيّة"، تلك التي تتناول مخلوقات الأرض وأساليب التعامل معها، في محاولة لجعل النصّ القرآني أوسع وأقدر على إعادة النظر في علاقات العام لا فقط البشريّة، بل أيضاً العلاقة بين "الطبيعيّ" و"البشريّ"، ما يعني أدوات تأويل جديدة، وفهماً للنص القرآني يشمل كلّ "المخلوقات"، وتفترض هذه القراءة عدم انتهاك شرعيّة أو قدسية النصّ، بل الاستفادة من تأويله في تقديم خاطب أشمل وأوسع، كأن نقرأ مثلاً: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾، ثمّ نأخذ بعين الاعتبار مفهوم "إفساد الأرض"؛ بوصفه لا يشمل فقط العداوة مع الآخرين أو نشر الأذى والتخريب، بل جعله مفهوماً طبيعياً يتناول كلّ ما هو "حيّ"، وتبنّي مفاهيم العدالة الإلهية تجاه كلّ ما هو "موجود"، بالتالي؛ ضمان حياته واستمراره، والأهم إعادة النظر بمفهوم "القيامة"، و"فناء الحياة الدنيا"، بوصفها مفاهيم ثقافيّة وروحيّة، ولا تعني ترك العالم على حاله والانصياع لخرابه، فهذا التخريب بشريّ لا ربّانيّ.

ثمة مبادرة "قانون بيئي إسلامي" في إندونيسيا أو ما يمكن تسميته "فقه البيئة" تدعو  إلى  تطوير الصناعات

تتسع هذه القراءة لتشمل؛ السيرة النبويّة، والحديث، وقراءة حياة النبي ﷺ، وتصرفاته، ليس بوصفه نبياً للبشر فقط؛ بل على أنّه قائم على توازن العالم، وتطوير النظام الفقهي لاحتواء مقاربات الحفاظ على البيئة و التوازن في العلاقة مع الكوكب، وتوظيف الرحمة ليس بوصفها للعالمين فقط؛ بل لمكوّنات العالم الطبيعيّة، خصوصاً أنّ نظام العبادات يأخذ بعين الاعتبار مثلاً قصور الموارد فيما يتعلق بالوضوء، واستبدال الماء بالتراب للتيمم، الأمر ذاته في مفاهيم التلوث،  فكما الماء يُصبح "نجساً" إن نفق فيه حيوان، الأمر ذاته ينسحب على التلوّث الذي تسبّبه المصانع، بوصفه يفسد المياه وينجسها،  وتحريم تلويث المياه يجعل الأداة الفقهيّة تنطبق على المؤسسات وتواجه "الصناعة" بوصفها الملوّث الأول للكوكب.

اقرأ أيضاً: المناخ يتسبب بفصل عنصري بين الفقراء والأغنياء.. كيف ذلك؟
"حفريات" تواصلت، لإلقاء مزيد من الضوء على هذه القضية، مع ماركو أومو درام، المحاضر في جامعة باريس الأولى، والمهتم بالدراسات ما بعد الإنسانية ونظريات الأرض-غايا، حيث قال إنّ "احتواء الثقافات المحلية والمفاهيم اللاغربيّة ليس للتنظير فقط؛ بل للاستفادة من المفاهيم الأخلاقية والممارسات الاجتماعيّة التي تحويها كلّ ثقافية في سبيل جعل قضية البيئة مركزية، ليس في الخطاب الرسمي والأكاديميّ فقط؛ بل أيضاً ضمن الحياة اليوميّة".
وأضاف بأنّ "تحرير الخطاب الإسلامي من الهيمنة الاستشراقيّة في العالم الغربي، جعله أكثر انفتاحاً على العلوم الإنسانيّة، التي بدورها بدأت تفقد مركزيتها، وتثبت عدم جدواها، كونها مرتبطة بتاريخ من العقلانيّة الشديدة والحداثة التي شهدنا نتائجها المدمّرة منذ الحرب العالميّة الثانيّة حتى الآن، ما جعل العلوم الإنسانيّة تواجه نقصاً فيما يتعلق بالبيئة ككائن حيّ، لتتجه نحو ثقافات أخرى، تمتلك فهماً أوسع للعالم، لا يقوم على أساس سيادة (الإنسان) على الأرض، بل على اعتباره شريكاً فيها".

الصفحة الرئيسية