هل يمكن لأقلية تغيير الموروثات المجتمعية تجاه النساء؟

هل يمكن لأقلية تغيير الموروثات المجتمعية تجاه النساء؟

مشاهدة

12/07/2020

كم عددكم؟ هو السؤال الأكثر شيوعاً لمحاولات التهميش من حقوق الأقليات العددية، بل إنّ ربط العدد بالحقوق هو سمة شائعة تركن إليها بعض الجماعات أو المجتمعات كحجّة لرفض حقوق الغير، أو تستند إليها حين تمنح الحقوق في صورة عطية أو إحسان مشروط.

ربط العدد بالحقوق سمة شائعة تركن إليها بعض الجماعات أو المجتمعات لرفض حقوق الغير

لكنّ توجّهات الأغلبية وسطوتها ليست مرتبطة فقط بحقوق الأقليات الدينية والعرقية، فهي أيضاً مرتبطة بالمنظومة القيمية والأخلاقية في المجتمع، أو ما تراه تلك الأغلبية -حسب تصوّراتها الثقافية والدينيةـ صوابية أخلاقية، خاصة تجاه النساء، على الرغم من أنّ النساء لا يُشكّلن أقلية عددية.

الأقليات الفكرية والمنظومة القيمية في المجتمع

سؤال العدد لا يتمّ توجيهه إلى الأقليات العددية فحسب، بل وإلى من ينتمي للأغلبية العقائدية بالوراثة، لكنه يحمل فكراً متحرّراً مخالفاً لموروث المجتمع الذي نشأ عليه، فتصبح قوى التحرّر أقلية في ثنايا الأغلبية.

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون: أوهام ومناورات وعنصرية ضد المرأة.. هذه آخر أزماتهم

"الرأي العام الذي تحمله الأغلبية لا ينفي سخافة الفكرة"، وردت هذه العبارة في كتاب الزواج والأخلاق للفيلسوف البريطاني (برتراند راسل) الصادر في العام 1929، والذي حطّم من خلاله المنظومة القيمية للأخلاق في العصر الفيكتوري، بما في ذلك مباركة المجتمع للاغتصاب الزوجي حينها؛ ويقول راسل في هذا السياق: إنّ الاغتصاب الزوجي في إطار منظومة الزواج كان أكثر شيوعاً من حوادث الاغتصاب في بيوت الدعارة.

ما سعى راسل لقوله هو: إنّ توجّهات الأغلبية ليست بالضرورة هي الحقيقة المطلقة، فكثرة العدد لا تعني الصوابية، بل هناك أنماط للاجتماع على القهر تحت مسمّيات أخلاقية ودينية في بعض الأحيان.

كثرة العدد لا تعني الصوابية فهناك أنماط للاجتماع على القهر تحت مسمّيات أخلاقية ودينية

 وعلى الرغم من أنّ فكرة راسل كانت تسير عكس المنظومة الأخلاقية السائدة، إلّا أنه كان سابقاً لزمانه، حيث قامت تلك المجتمعات التي ناهضته بتجريم الاغتصاب الزوجي فيما بعد، ولم تعُد ممارسة العلاقة الزوجية بدون رضا الزوجة مشروعة للأزواج، بل أصبحت جريمةً يُسجن عليها الزوج، فعقد الزواج ليس عقد ملكية، وهو الأمر الذي تُنازع من أجله حركة الحقوق النسوية والإنسانية في البلاد العربية، حتى يومنا هذا، وتُواجه بسببه مقاومة شديدة، على اعتبار أنّ حقوق المرأة من حقوق الإنسان، وليست حقوقاً فئوية.

تحوّل الأقلية النوعية إلى كتلة حرجة   

في العام 1970، قامت الباحثة الأمريكية وأستاذة علم الإدارة والمهتمة بسيسولوجيا تمكين الأقليات وتغيير ثقافة التعامل معهم "روسبيتث موس كانتر" بإصدار دراسة عن شركة وظّفت النساء ضمن فريق التسويق لديها.

 وما توصلت إليه الدراسة هو أنّ النساء واجهن التنميط والمضايقات والتحقير بشأن الطبيعة الأنثوية، بل   والتشكيك في القدرات الذهنية بالمقارنة مع الرجال، كما واجهن العزلة والاتهامات بالأداء السيّئ وتثبيط الهمم في بادئ الأمر حين كنّ يُشكّلن نسبة 15%، وحين ازدادت نسبة العاملات إلى 35% قمن بتشكيل جماعات ضغط وتحالفات، ونجحن في خلق ثقافة مغايرة لتلك الثقافة الرافضة لدخولهن معترك المجال التسويقي في الشركة من أساسه.   

تاريخ الحركة النسوية كان يعجّ بظاهرة المطالبات الفردية التي تتحوّل إلى أقليات نوعية تواجه الرفض

الأقلية العددية في هذه الحالة السابق ذكرها كانت أقلية نوعية، لأنّ النساء يُشكّلن نصف المجتمع تعداداً، لكنهن مثلّن أقلية نوعية في مكان العمل موضوع الدراسة؛ أي إنهن أقلية نوعية تحوّلت إلى ما يُعرف في علم الاجتماع بـ"الكتلة الحرجة"، ويُدرس هذا المصطلح في إطار الديناميكية الاجتماعية أو sociodynamics))، أي قدرة الأقليات النوعية على الاندماج، وفرض وجودها، ليس كأقلية نوعية، وإنّما كأمر واقع وطبيعي وجزء من تطوّر المجتمع.  

لم تكن هذه الدراسة غريبة في  بياناتها، فتاريخ الحركة النسوية شرقاً أو غرباً كان يعجّ بظاهرة المطالبات الفردية التي تتحوّل إلى أقليات نوعية تواجه الرفض، قبل أن تُشكّل مطالباتها كتلة حرجة تؤثر في صنع السياسة العامة والنظرة السائدة في المجتمع، ولعل أشهر هذه الأمثلة يظهر جلياً في الحركة النسوية العالمية التي طالبت بحقّ النساء في التمثيل النيابي، على سبيل المثال لا الحصر.  

لكنّ هذه الدراسة تحديداً لم تكن منوطة بأطر الحراك النسوي التقليدي ولا زعاماته، بل بحراك حقوقي غير مُنظّم داخل مكان عمل ذي حيز صغير، تحرّكت فيه العاملات بهدف تشكيل جماعات الضغط، من خلال رفضهن تحمّل ما لم يعد تحمّله محتملاً، فبات الانسحاب من ظروف تكبّدهن كسب الرزق أمراً مرفوضاً.

ولهذا، فإنّ دراسة تأثير النساء في سوق العمل وفي مجال العمل العام وفي أماكن الدراسة، تنبع من رفض الصورة التحقيرية عن أجسادهن، والتي تجعل منهن هدفاً للاستثارة الجسدية بغضّ النظر عن ملابسهن. وهي دراسة يجب ألّا تغفل الجانب الاقتصادي، حيث لم يعد الانسحاب من سوق العمل أو الدراسة بسبب تضييق الخناق حلاً سائغاً، بل لجأت النساء إلى خلق مناخ لا يقبل تضييق الخناق.

اقرأ أيضاً: الجهاديات.. هكذا تغير دور المرأة في صفوف التنظيمات المتطرفة

 وهذا أمر لا يخصّ موطن الدراسة المشار إليها فقط، وإنما هي حالة اجتماعية اقتصادية عابرة للحدود الجغرافية، ولكن تظهر بتمثلات مختلفة، حسب الموروث في كلّ منطقة جغرافية ومدى سطوته في المجتمع والتشريع.  

في كتابه البحثي "أفضل الملائكة في جوهر الطبيعة البشرية: كيف قلّ العنف" الصادر العام 2011، يقول أستاذ علم النفس المعرفي وأستاذ اللغويات بجامعة هارفارد (ستيفن بنكر) إنّ "العنف ضد النساء في تاريخ البشرية يقلّ في إطاره العام، وإنّ الماضي كان يحمل مآسي أكثر مما نشهدها اليوم"، ولم تكن دراسة بينكر منوطة بإطار جغرافي مُعيّن أو مختصّة بدول الغرب وحدها، بل شملت دراسة أنثربولوجية لتاريخ الحراك النسوي، تحديداً في الفصل الثامن والفصل العاشر من كتابه.  

اقرأ أيضاً: من أين تستقي المرأة مصادرها الدينية؟

قد تكون هذه النظرية غير مستساغة كثيراً، لكنّها أيضاً تحمل حجّة تاريخية مدعّمة بالإحصائيات في مجالات العمل والتعليم وتقلد النساء للمناصب القيادية، ويُمكننا إسقاط هذه النظرية على ما كابدته النساء في الشرق الأوسط، تحديداً في المئة عام الماضية، فلا يُمكننا ادّعاء أنّ حال النساء في زمن سابق مطابق لحالها اليوم، بل ربما كانت التحديات أشدّ وطأة في الماضي، لكن لم تكن هناك وسائل تواصل اجتماعي ترصد كافة تفاصيل النضال والتحديات. 

فوسائل الإعلام الحديثة لم تكن قد تطوّرت كما هي الآن، ولم تكن متوفرة كما هي الآن، فلم ترصد شبكات الإعلام الإلكتروني النسب المرتفعة من زواج القاصرات ولا ختان الإناث في أزمنة سابقة، ولم ترصد رفض المجتمع تعليم وعمل المرأة في أزمنة سابقة، بسبب فتاوى ومعتقدات دينية صدرت من مؤسسات دينية تُوصف بالوسطية، ولم ترصد كاميرات الهواتف النقالة مشهداً لشيوخ الأزهر، وهم مجتمعون لإصدار فتوى ترفض حقّ المرأة في العمل السياسي والنيابي في أيار (مايو)  1952، على اعتبار أنّ "من يولي المرأة فهو آثم".

كما لم تتناقل مواقع التواصل الاجتماعي تسجيلاً مرئياً للشيخ محمد بخيت، مفتي الديار المصرية العام 1915م، وهو يقول: إنّ الزوج لا يلزمه مداواة زوجته إذا مرضت بمرض عضال، فلا يلزمه أن يأتي لها بدواء المرض ولا أجرة الطبيب، علماً بأنّ هذه الفتوى صدرت في عصر لم تخرج فيه المرأة للعمل بل صدرت في زمن قاوم فيه رجال الدين والمجتمع دعوات عمل المرأة!

اقرا أيضاً: تزايد العنف ضد المرأة في مصر في ظل رخاوة القوانين

التطوّر في نيل بعض الحقوق وليس جميعها، لم يكن عطايا سلطوية، وإنما لعبت فيه الأقليات الحقوقية المؤثرة والفاعلة دوراً كبيراً، وهي الأقليات التي شكّلت الكتلة الحرجة، فاستطاعت أن تجتذب من خلال الحراك قاعدة كبيرة مؤيدة لها، حتى وإن كانت هذه القاعدة من أجيال تالية لا من الأجيال التي عاصرتها.

تلك الكتلة الحرجة التي تُطالب بالمزيد من تكافؤ الفرص لم تعد إلى المربّع صفر تاريخياً كما يبدو، حتى وإن شهد الحراك الحقوقي النسوي انتكاسات ثقافية في مراحل اضمحلال تاريخية.    

التحرّش بالنساء.. هل له علاقة بالحراك النسوي؟  

تزداد يوماً بعد يوم موجات مناهضة التحرّش بالنساء، وتزخر مواقع التواصل الاجتماعي بحملات تستهدف البوح بما تمرّ به النساء من تحرّش لفظي أو جسدي، وكذلك رفض تحميل ضحية التحرّش مسؤولية الجريمة، أو كما يشار إليها في الثقافة العامة وفي فتاوى بعض المشايخ، بـ"المجني عليها المثيرة للاعتداء".  

وغالباً ما يتمّ التعامل مع جرائم التحرّش على أنّها رغبات للرجل الذي تحمله هرموناته الذكرية المستفحلة على هذا الفعل، كرد فعل على الأنثى غير المبالية بالقيم المجتمعية.

التطوّر بنيل بعض الحقوق لم يكن عطايا سلطوية وإنما لعبت فيه الأقليات الحقوقية المؤثرة والفاعلة دوراً كبيرا

 وهذا التفسير تشوبه مغالطتان: أولاهما أنه يحمل في طياته نظرة ازدراء للرجل نفسه ويجعله يبدو بلا عقل، تتحكّم فيه هرموناته كلما رأى أنثى، على الرغم أنّ التحرّش لا علاقة له بالفحولة، بل قد يكون نتاج غياب الثقة في المقدرة الجنسية. وكانت هذه النظرية موضوع عدّة دراسات في مجال علم النفس الإدراكي، ومن بينها دراسة بعنوانSex Roles  (الأدوار الجنسية) والتي قام من خلالها الأكاديميان الأمريكيان ((Lee Harper و(Kimberly Rios) بدراسة الحالة النفسية لبعض الرجال المتهمين بالتحرّش، وتبيّن لهما من خلال الدراسة أنّه على الرغم من ادّعاءات الفحولة، إلا أنّ هؤلاء الرجال كانوا يعانون من الرهاب بالعجز الجسدي، ممّا أوحى إليهم باستخدام التحرّش وسيلة للتقليل من النساء في محيطهم ومحاولة إخضاعهم بالتحرّش كوسيلة للتأكيد على أنّ الرجال في مكانة تراتبية أعلى تماماً، كما هو تصوّر هؤلاء الرجال عن سيطرة الرجال في العلاقة الجسدية.

أمّا المغالطة الثانية، فهي التصوّر القائم على أنّ التحرّش فعل رغبة بحت، فالتحرّش يقع في إطار الاضطرابات السلوكية، وليس الرغبة الطبيعية بين جنسين بالتراضي، وعليه فإنّه فعل عنف يسعى إلى  إخضاع المرأة عقاباً لها على مزاحمة الرجال بيئتهم، حسب ما يتصوّره المتحرّش، وقد يصل الأمر إلى تصوير التحرّش كونه فعلاً أخلاقياً في سبيل العفة ضدّ النساء المتباهيات بجنسانيتهن أو أنوثتهن، حتى وإن لم تكن جذّابة  في نظر المتحرّش.

قد يمثل التحرّش هنا نمطاً من أنماط اعتراض المتعصّبين على ما حققته النساء في مجالات عدّة، وقد يتجلّى هذا الأمر في عبارات شائعة توحي بضرورة تحمّل المرأة ما تناله، طالما ارتضت النزول لمجال العمل أو الدراسة أو المجال لعام، وكأنّ التحرّش بالآخر، في نظرهم، فطرة إنسانية.   

التحرّش عنف قطعي الدلالة تجاه النساء، إلّا أنّ النظر إليه كونه تقهقراً تاماً لحركة الحقوق ونسفاً تاماً لما حققته النساء على مرّ العقود الماضية، قد لا يكون في محله، فهو يُعدّ بالفعل مرحلة اضمحلال يمكن الخروج من إشكاليتها أو مقاومتها، خاصّة مع بزوغ حراك منظّم وآخر غير منظّم يتسم بالسمة الشعبية، فيه تقاوم الأقلية المؤثرة الفاعلة (الكتلة الحرجة) تلك الموروثات، وترفض التطبيع مع نظريات التحرّش التي تُحمّل المرأة مسؤولية الممارسات العنيفة التي تتعرّض لها بسبب رغبتها في التحرّر عقلاً وجسداً. 


الصفحة الرئيسية