هل وصل ابن بطوطة إلى الصين؟

هل وصل ابن بطوطة إلى الصين؟

مشاهدة

14/07/2021

استأثرت رحلة ابن بطوطة باعتناء المفكّرين والباحثين والنقّاد منذ ابن خلدون حتى عصرنا هذا. ورغم كل ما أحاط بها من علامات استفهام، سواء بخصوص اشتمالها على بعض الخوارق أم بخصوص إملاء أحداثها من جانب ابن بطوطة على كاتب السلطان المُرَيْني بعد سبعة وعشرين عاماً من الشروع فيها، إلا أنها ما زالت تحتكر قصب السبق في الحديث عن نظام الفتوّة في بعض ديار الإسلام وعن فرقة الحشّاشين الإسماعيليين وعن طائفة السّحرة الهنود. ومع أنّ كبار المستشرقين مثل؛ كراتشكوفسكي ودوزي قد أكبروا الرحلة وصاحبها، وعدّوهما من أوثق الرحلات والرحالة، إلا أنّ بعض الباحثين لم يدخروا وسعاً للتشكيك في مصداقيتها، وخاصة على صعيد تمكّن ابن بطوطة من الوصول إلى الصين؛ فزعموا أنّ ما أورده بخصوص الصين ليس أكثر من مسموعات تساقطت إليه من رحّالة أو تجار آخرين نجحوا في الوصول إلى الصين فعلاً. وعلى كثرة الأدلة الخارجية التي يمكن الاستناد إليها لتأكيد وصول ابن بطوطة إلى الصين، مثل استفاضته في الحديث عن تفاصيل المجتمع البحري والمجتمع الزراعي والمجتمع المالي في الصين، إلا أننا سنعمد في هذا المقال إلى التدليل الداخلي المستمد من نص فريد وفاتِن ومُلهم جداً.

مع أنّ كبار المستشرقين قد أكبروا رحلة ابن بطوطة وصاحبها، وعدّوهما من أوثق الرحلات والرحالة، إلا أنّ بعض الباحثين لم يدخروا وسعاً للتشكيك في مصداقيتها

يقول ابن بطوطة: "وأهل الصین أعظم الأمم إحكاماً للصّناعات وأشدّهم إتقاناً فيها، وذلك مشهور من حالهم، قد وصفه الناس في تصانيفهم فأطنبوا فيه. وأما التصوير فلا يجاريهم أحد في إحكامه من الروم ولا من سواهم، فإنّ لهم فيه اقتداراً عظيماً. ومن عجيب ما شاهدت لهم من ذلك أني ما دخلت قطُّ مدينة من مدنهم ثم عدت إليها إلا ورأيت صورتي وصور أصحابي منقوشة في الحيطان والكواغد، موضوعة في الأسواق.

ولقد دخلت إلى مدينة السلطان فمررت على سوق النقّاشين، ووصلت إلى قصر السلطان مع أصحابي، ونحن على زيّ العراقيين، فلما عُدت من القصر عشيّاً، مررت بالسوق المذكورة فرأيت صورتي وصور أصحابي منقوشة في كاغد قد ألصقوه بالحائط، فجعل كلُّ واحد منّا ينظر إلى صورة صاحبه لا تُخطئ شيئاً من شبهه. وذُكر لي أنّ السلطان أمرهم بذلك، وأنهم أتوا إلى قصره، ونحن به فجعلوا ينظرون إلينا ويصوّرون صُورنا، ونحن لم نشعر بذلك، وتلك عادة لهم في تصویر كلّ من يمرُّ بهم، وتنتهي حالهم في ذلك إلى أنّ الغريب إذا فعل ما يوجب فراره عنهم، بعثوا صورته إلى البلاد وبُحث عنه، فحيثما وُجد شَبَه تلك الصورة أُخذ.

اقرأ أيضاً: لماذا عشق طرفة بن العبد الحياة والموت معاً؟!

وإذا قَدِم التاجر المسلم على بلد من بلاد الصين، خُيّر في النزول عند تاجر من المسلمين المتوطّنين أو في الفندق، فإن أحبَّ النزول عند التاجر حُصر ماله وضُمّنَه التاجر المتوطّن وأَنفق عليه منه بالمعروف، فإذا أراد السفر بُحث عن ماله، فإن وُجد شيء منه قد ضاع غُرّمه التاجر المتوطّن.

وإن أراد التسرّي اشترى له جارية وأسكنه بدار يكون بابها في الفندق، وأَنفق عليهما، وكذلك إن أراد التزوّج تزوَّج. وأما إنفاق ماله في الفساد فشيء لا سبیل له إليه، لأنهم يقولون: لا نريد أن يُسمع في بلاد المسلمين أنهم يخسرون أموالهم في بلادنا!

وبلاد الصين آمن البلاد وأحسنها حالًا للمسافرين، فإنّ الإنسان يسافر منفرداً مسيرة تسعة أشهر، وتكون معه الأموال الطائلة، فلا يخاف عليها. وترتيب ذلك أنّ لهم في كلّ منزل ببلادهم فندقاً عليه حاكم يسكن به في جماعة من الفرسان والرجال، فإذا كان بعد العشاء جاء ومعه كاتبه، فكتب أسماء جميع من يبيت به من المسافرين وأقفل باب الفندق عليهم، فإذا كان بعد الصبح جاء ومعه كاتبه، فدعا كل إنسان باسمه وكتب به تفصيلًا، وبعث معهم من يوصلهم إلى المنزل الثاني، ويأتيه ببراءة من حاكمه أن الجميع قد وصلوا إليه، وإن لم يفعل طلبه بهم، وهكذا العمل في كل منزل ببلادهم. وفي هذه الفنادق جميع ما يحتاج إليه المسافر من الأزواد وخصوصاً الدّجاج والأوّز، وأما الغنم فهو قليل عندهم ".

زعم بعض المستشرقين أنّ ما أورده ابن بطوطة بخصوص الصين ليس أكثر من مسموعات تساقطت إليه من رحّالة أو تجار آخرين نجحوا في الوصول إلى الصين فعلاً

 وأما على صعيد المستوى البلاغي، فيمكننا ملاحظة أنّ النص يخلو من المفردات التي تتطلّب اللجوء إلى المعجم؛ فهي واضحة وسهلة حتى للقارئ المعاصر باستثناء(كاغد، يتسرّى) اللتين يمكن تقدير معناهما من خلال السياق. وهذا يعني أنّ النص -من حيث الأسلوب- متطابق مع غايته؛ وهي التوجّه للقارئ العام. كما يُلاحظ أنّ النص مقسّم إلى: فقرة رئيسة متوسطة الطول، وثلاث فقرات شارحة متوسطة الطول، وفقرة ختامية طويلة. ولا ينبغي أن تفوتنا ملاحظة أنّ منشئ النص يكتب كما يتحدث؛ حتى يتمكّن راوي النص من سرده / إلقائه على المستمعين. ناهيك بأنّ جمل النص متوسطة أو قصيرة، وهي تنحو بوجه عام النحو التالي: جملة إخبارية متوسطة -جملة شارحة- جملة تقريرية. كما أنّ الوصف يُعزّز بالحكاية الشخصية أو التعليق الشخصي، لتعميق مصداقية النص. ومن الضرورة بمكان ملاحظة أن منشئ النص يوظّف بعض آليات التخييل المستمدة من الموروث الديني (فإن الإنسان يسافر منفرداً مسيرة تسعة أشهر الخ).

اقرأ أيضاً: هل كان حاتم الطائي أكرم العرب حقاً؟

 وأما على المستوى السّيميائي (الكلمات المفتاحية) فإنّ الكلمات:

 الصناعة، التصوير، النقش، الكاغد، الفندق؛ تتعاضد لتعميق معنى ودلالة (التفوّق التقني الفني السياحي). وأما على المستوى الفكري؛ من منظور تحليل الخطاب أو من المنظور الحِجاجي، فإنّ هناك العديد من الأدلّة الداخلية التي يمكن استقاؤها من النص لتأكيد مصداقيته، مثل:

أ - مبادرة منشئ النص إلى تعزيز ما أورده من أحكام وأوصاف في مستهل الفقرة الأولى، بالشروع في سرد مشاهداته الشخصية.

ب - التسلسل المنطقي في سرد المشاهدة (المرور مع أصحابه عبر سوق النقّاشين، الدخول إلى مدينة السلطان مع أصحابه، العودة مساءً من مدينة السلطان مع أصحابه، المرور مجدّدا بسوق النقّاشين، ملاحظةُ تعليق صوره وصور أصحابه).

ج - تأكيد المنشئ أنّ كل واحد أخذ ينظر إلى صورة صاحبه المعلّقة ويلاحظ التشابه الشديد بين الصورة والصاحب وليس العكس (أي النظر إلى صورته الشخصية)، يُعزّز مصداقية الحكاية.

د - الاعتناء بتحديد نوع الزي (زي العراقيين) مؤشّر حاسم. 

هـ - الاعتناء بالتدّرج في تأكيد وفرة الغذاء، من العام إلى الخاص إلى الأخص، مُفْحِمٌ جداً: (وفي هذه الفنادق جميع ما يحتاج إليه المسافر من الأزواد، وخصوصاً الدّجاج والإوز، وأما الغنم فهو قليل عندهم).

وأما على المستوى الحضاري، فإن مُخرَجات النص بالغة الوفرة والتقارب، مثل: القطع بتفوّق الصينيين في الصناعات والفنون على كل الأمم. والتنبيه على تسخير الفن في الصين (أحياناً) لخدمة الأمن الداخلي. والإشادة بتقدّم النظام الفندقي في الصين واقترانه بالنظام العسكري الصارم منذ قرون طويلة. والتنويه بحرص الصينيين على سمعتهم التجارية في العالم الإسلامي. وتأكيد وجود جالية مسلمة وثرية في الصين منذ قرون طويلة. والإقرار بوفرة الغذاء في الصين فضلاً عن الإقرار بتوفر الأمن والأمان للمسافرين. ومن الملاحظ أن منشئ النص لا يصرّح بتردّي أحوال العالم الإسلامي في القرن الثالث عشر، مقارنة بتقدّم أحوال الصين؛ من باب الحرص على عدم إساءة التفسير، كونه أملى رحلته وهو يتفيّأ ظلال السلطان أبي عنان المريني في فاس!

الصفحة الرئيسية