هل نعلن الوطن العربي منطقة منكوبة فكرياً؟

هل نعلن الوطن العربي منطقة منكوبة فكرياً؟

مشاهدة

30/11/2019

البطالة التي تأكل الأخضر واليابس في معظم أقطار الوطن العربي، لم تعد تقتصر على أسواق العمل؛ بل هي امتدت منذ سنين إلى حقل الثقافة والفنون، وبالمعنيين: المعيشي والذهني؛ إذ فضلاً عن التراجع المؤسف لموارد مؤسسات القطاع العام التي كانت ترعى الثقافة والمثقفين وتنفق عليهما بسخاء، فإنّ ثمة فقراً مدقعاً في الأفكار إلى حد يسمح لنا بإعلان الوطن العربي منطقة منكوبة فكرياً!

اقرأ أيضاً: المعلّقات بين المقدّس والمدنّس
من الإنصاف – قبل الاتجاه لتوصيف أعراض هذه البطالة الفكرية الفادحة- التأشير على أبرز الأسباب التي نحسب أنّها قادت إلى هذا المآل. ولا ريب في أنّ عدم الاستقرار السياسي الذي يسود العالم العربي منذ عقود – بوصفه منطقة صراع دائم- وما يصاحب هذا الحال من قلق وتوتر وانعدام وزن، يمثل بيئة طاردة للأفكار والمفكّرين. كما أنّ هيمنة الثقافة الاجتماعية المحافظة على أفكار الوطن العربي منذ منتصف العقد السابع من القرن المنصرم حتى الآن، قد لجمت كثيراً من نزعات المفكّرين العرب إلى اجتراح الأفكار والمغامرة بإطلاقها، وخاصة بعد أن تعرّض أكثر من مفكر عربي للاغتيال أو لمحاولات الاغتيال! ومن البديهي أن نضيف إلى ما تقدم القول بأنّ المستوى المعيشي للمثقفين بوجه عام وللمفكّرين بوجه خاص، قد تدنى إلى مستويات غير مسبوقة، ما دفع بغير قليل منهم إلى الهجرة للغرب الذي لم يدّخر من جهته وسعاً، لاستقبال من هاجروا والإنفاق عليهم بسخاء.

ثمة فقر مدقع في الأفكار إلى حد يسمح لنا بإعلان الوطن العربي منطقة منكوبة فكرياً

وقد يقول قائل: إنّ عدم الاستقرار السياسي في العالم العربي ليس بالشيء الجديد، فقد أعقبت هزيمة حزيران 1967 – رغم فداحتها- حالة من التحفّز الفكري العربي على كل الصعد، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وأيديولوجياً، إلى درجة أنّنا نستطيع أن نعدّد أسماء عشرين مفكّراً عربياً لامعاً في العقد السابع فقط من القرن العشرين! فلماذا تجلّى العرب في ترجمة نظرية التحدي والاستجابة في السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات من القرن المنصرم، وفشلوا بعد ذلك في هذه الترجمة؟!

اقرأ أيضاً: منظمات المجتمع المدني وأحصنة طروادة
لا أماري في وجاهة هذا الاستدراك؛ بل إنّني أتبنّاه وأضيف إليه قائلاً: إنّ حلقات "الربيع العربي" التي بدأت – فيما أزعم- بسقوط نظام صدام حسين في العراق بدعم أمريكي سافر، واستؤنفت باندفاع جماهيري عفوي في العديد من الأقطار العربية لاحقاً، تستدعي القول بأنّ البنية الحافزة للتفكير وإطلاق الأفكار قد توفرت فعلاً! وهل هناك ما هو أكثر حفزاً للمفكّر من التحوّلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأيديولوجية العاصفة، كي يغادر صومعته ويمتطي صهوة أمواج الرأي العام العاتية؟! ويؤسفني القطع بأنّ معظم مثقفي الوطن العربي المعدودين – وفق استطلاع أجريته قبل عام واحد فقط- يعتقدون بأنّ "الربيع العربي" مثّل كابحاً شديداً للحريات الفكرية، خلافاً لما هو رائج في الأوساط الشعبوية للمثقفين العرب!
وقد يقول قائل أيضاً: إنّ المستوى المعيشي للمثقف العربي بوجه عام والمفكّر العربي بوجه خاص، في عشرينيات وثلاثينيات وأربعينيات القرن المنصرم، لم يكن مرضياً. ومع ذلك، فقد شهدت هذه العقود الثلاثة حالة من العصف الفكري غير المسبوق. ولن أماري أيضاً بخصوص وجاهة هذا الاستدراك؛ بل إنني سأعزّزه بهذا التساؤل: هل تعني هذه المصادرة أنّ الثقافة العربية الآن تعاني من أزمة أفق مسدود، سواء توفّرت لها الظروف النموذجية أم لم تتوفّر؟!

اقرأ أيضاً: الثنائيات الضدّية المزيّفة في الثقافة العربية
قلنا آنفاً: إنّ أعراض هذه البطالة الفكرية قد بلغت مستويات غير مسبوقة على كل الصعد: ففي حقل الفكر والفلسفة مثلاً هناك حالة مؤسفة من الاتجاه إلى التعيّش على أفكار العقلانيين النقديين العرب، وبوجه خاص محمد عابد الجابري وفهمي جدعان، عبر إعادة إنتاجهما بصيغ وقوالب لغوية جديدة تدعو للرثاء! وفي حقل النقد الأدبي هناك استعادات لمعظم - إن لم يكن لكل- الأسئلة التي سبق لطه حسين أن أثارها وخاصة على صعيد التعامل مع الموروث! وعلى المستوى الاقتصادي انتهى الإسهام النظري الأصيل بانتهاء حياة كل من سمير أمين وجلال أمين. وأما بخصوص الاستثمار في الموروث العربي الإسلامي وتوجيهه وفقاً لاتجاهات الرأي العام فحدّث ولا حرج! إلى درجة تسمح لنا بالقول إنّ محترفي الاستثمار في هذا الحقل تحوّلوا إلى متعهّدين ومقاولين حسب الطلب؛ إذ بقدرة قادر يمكن لأحدهم أن يُلبس ابن خلدون لبوس المنظّر الرائد للفلسفة المادّية التاريخية، كما يمكن لآخر أن يُلبس صعاليك العصر الجاهلي لبوس الثوار المبشّرين بالصراع الطبقي، ناهيك بالغزالي وابن سينا وابن رشد الذين تحوّلوا إلى ماركات فكرية مربحة، كيفما وجّهتها.

أعراض هذه البطالة الفكرية بلغت مستويات غير مسبوقة على كل الصعد من خلال إعادة إنتاج ما أُنتج من أفكار

ويؤسفني أن أختم هذه المقالة التي قد تقضّ مضاجع بعض من استمرأوا لعبة إعادة إنتاج ما أُنتج من أفكار، بالقول: إنّ تهافت المفكّرين والمثقّفين العرب على الظهور في وسائل الإعلام – وخاصة المحطّات الفضائية- قد حوّلهم إلى معلّقين في أحسن الأحوال؛ إن لم يكن لأن هذه المحطّات تتوجّه إلى جمهور عام يضيق بلغة ومنهجيات التفكير العميق، فلأن الإصرار على تكرار الظهور قد أفرغ هؤلاء المفكّرين والمثقفين من عمقهم الإستراتيجي المتراكم، وحوّلهم إلى نجوم يجيدون لعبة ملء فراغ ساعات البثّ على مدار أربع وعشرين ساعة!


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية