هل سعت الحركة الصهيونية لاستيطان شرق الأردن؟

الصهيونية

هل سعت الحركة الصهيونية لاستيطان شرق الأردن؟

مشاهدة

03/01/2019

تفاقمت أزمة اليهود في أوروبا، وبدأ البحثُ، حثيثاً، عن الملجأ، فأشار بعض قادة اليهود إلى ولاية سوريا العثمانية، وانبثقت الحركة الصهيونية، وتصاعدت المساعي، لكن؛ هل كانت فلسطين، بحدودها المعروفة الآن، وحدها المستهدفة؟!

سوريا الجنوبية هي الحلّ

مع بداية تصاعد أزمة اليهود في أوروبا وروسيا، خلال القرن التاسع عشر، بدأت تظهر استجابات مختلفة لهذه الأزمة، وكان من بينها دعوة البعض للاستيطان في سوريا (ولاية سوريا العثمانية)، وبالأخصّ في جنوبها، وهي المنطقة التي تشمل اليوم الأردن وفلسطين؛ وذلك باعتبار أنّها كانت مهملة وأقلّ كثافة سكانية من الشمال، وهو ما يهيئ لإمكان قبول المشروع من قبل الباب العالي، خصوصاً مع عرض الأموال والعودة على الدولة العثمانية بالنفع، وهي التي كانت تعاني آنذاك من أزمات مديونية حادّة.

اقرأ أيضاً: الجسر الذي ربط ضفتي نهر الأردن

ولا بُدّ من الإشارة إلى أنّ هذه الدعوات لم تكن تدعو لإقامة دولة، وإنما إلى تأسيس مستوطنات زراعية، وفي أبعد الحالات دعت إلى أنْ يكون لها نوع من الحكم الذاتي تحت سيادة السلطان. وقد طرحت فكرة الاستيطان اليهودي لجنوب سوريا في مؤتمر برلين للقوى الاستعمارية المنعقد عام 1878.

طرحت فكرة الاستيطان اليهودي لجنوب سوريا في مؤتمر برلين عام 1878

لماذا شرق الأردن؟

اتجّه عدد من الدعوات إلى تفضيل منطقة شرقي الأردن بالتحديد، باعتبار أنّ أراضيها كانت خصبة وصالحة للزراعة ووفيرة المياه، وكانت الدعوات تتحدث، تحديداً، عن المناطق الواقعة من نهر الأردن، غرباً، وحتى درب الحج الشامي (الذي أصبح فيما بعد مسار خط سكة حديد الحجاز) شرقاً، ومن نهر اليرموك شمالاً، حتى أرض مؤاب جنوباً. بسبب قلّة الكثافة السكانية في هذه المناطق آنذاك، وتدني أسعار الأراضي فيها، إضافة إلى وجود "الأراضي الأميرية" التي كانت ملكاً للسلطان؛ حيث يمكن شراؤها منه مباشرة.

بعد قيام الإمارة حاولت الوكالة اليهودية مراراً اختراق شرقي الأردن عن طريق بوابة الاستثمار

وينقل "تسفي إيلان" في كتابه "التوق للاستيطان اليهودي في شرقي الأردن؛ 1871-1947"، أن أوّل من دعا إلى استيطان اليهود لشرقيّ الأردن هو ضابط سلاح الهندسة البريطاني السير "تشارلز وارن"، الذي قَدِمَ إلى المنطقة عام 1867 ضمن فريق عمل "صندوق استكشاف فلسطين" البريطاني، وقام بإعداد عدّة أبحاث عن منطقة شرقي الأردن وغربه، وانتهت دراسته إلى ضرورة الشروع بالاستيطان اليهودي في منطقة "جلعاد" بشرقي الأردن، والتي فضّلها كمكان للاستيطان على "غرب الأردن" (فلسطين)، لما تتمتع به من مناخ ممتاز، وتنوّع نباتي. ورأى "وارن" إمكانية تحويلها إلى جنة غنّاء، من خلال استغلال مياه نهر الأردن والأودية التي تصبّ فيه، ودعا لتأسيس شركة استيطان يهودي لشرقي الأردن، بحيث تستأجر الأراضي من الدولة العثمانية، مقابل قيام الشركة بتسديد الديون التركية الأوروبية.

السير تشارلز وارن.. أول من دعا لاستيطان شرقي الأردن

ثم تبع ذلك دعوة "يهوشع يلين"، الذي دعا لاستيطان شرقي الأردن، وأسس عام 1871 شركة لاستثمار واستصلاح أراضي "غور نمرين" شمال شرق البحر الميت (في الشونة الجنوبية)، تمهيداً لعمليات استيطان يهودي في المنطقة، وقام بعقد اتفاقية مع شيوخ عرب النمر، سكان المنطقة، ولكن المشروع لم يحظَ باهتمام من قِبَل اليهود أنفسهم آنذاك، لما كان يحتمله من مغامرة بسبب عدم ضمان الأمن.

اقرأ أيضاً: حين يتساءلون: أليست الصهيونية فشلاً؟

ووفق ما ينقله المؤرخ الأردني، عصام السعدي، في كتابه "الأطماع الصهيونية في شرقي الأردن؛ 1862-1946" فإنّ الخطة الاستيطانية الأهم طُرحت عام 1879، من قبل "لورانس أوليفانت"، الرحّالة الإنجليزي الشهير الذي قَدِمَ إلى المنطقة، وطاف شرقي الأردن، ووضع كتابه الشهير "أرض جلعاد" الذي طرح فيه الخطة المعروفة بـ "خطة استيطان أرض جلعاد". دعت الخطة لإقامة كيان سياسي يهودي مستقلّ فيها، وذلك بالحصول من السلطان العثماني، وبالطرق الدبلوماسية وأدوات الضغط البريطانية، على "امتياز" لإقامة مجتمع يهودي في "جلعاد" (التمسية التوراتية للبلقاء) مدته خمسة وعشرون عاماً على أنْ يمنحه السلطان حق إقامة حكم ذاتي، مع بقاء السيادة الفعليّة عليه بيد السلطان، وقد اقترح أوليفانت تقديم مبلغ مالي كبير لشراء هذا الامتياز، لإغراء السلطان الذي كانت دولته تعاني من الظروف المالية الصعبة. وكان أوليفانت يرى ضرورة إنقاذ الدولة العثمانية من مشاكلها وأزماتها حتى تقف حاجزاً في وجه التوسّع الروسي، ورأى أنّ ذلك يكون عبر إدخال عنصر اقتصادي نشيط في جسدها، وهو العنصر اليهودي.

 

 

ناقش أوليفانت تفاصيل الخطة في دمشق مع والي سوريا "مدحت باشا"، الذي أبدى موافقته، مع اقتراحه إجراء تعديلات طفيفة عليها لضمان موافقة الباب العالي، ثم رُفعت إلى السلطان عبد الحميد الذي تحمّس وأبدى تقبلاً لها. لكن تحركّات أوليفانت واتصالاته مع الدول الاستعمارية ودعوتها لفتح قنصلياتها ومشاركتها في إدارة منطقة الحكم الذاتي كشف بصورة واضحة عن خطة تهدف لإقامة دولة فعليّة داخل حدود الدولة العثمانية، وهو ما أدى إلى تحوّل موقف السلطان نحو معارضتها، رغم بقاء التأييد لها من قبل "خير الدين باشا"، الوزير الأعلى، غير أنّ الآمال تبخّرت تماماً بعد إقالة حكومة خير الدين.

أوليفانت.. صاحب الخطة الاستيطانية الشهيرة "أرض جلعاد"

محاولات على الأرض

بعد تصاعد أعمال العنف والمجازر ضد اليهود في روسيا، إثر اتهامهم بالوقوف وراء حادثة اغتيال القيصر ألكساندر الثاني عام 1881، بدأ العمل اليهودي المنظّم بالتصاعد، وبدأت تنشأ جمعيات تؤمن بضرورة هجرة اليهود وبناء وطن جديد لهم، وقد اتحدّت هذه الجمعيات عام 1884 تحت مُسمّى منظمة "أحبّاء صهيون"، والتي كانت أحد أعمدة الحركة الصهيونية عند تأسيسها بعد ذلك بثلاثة عشر عاماً.

كان الضابط البريطاني تشارلز وارن هو أوّل من دعا إلى استيطان اليهود لشرقيّ الأردن

بدأت دعوات الهجرة والاستيطان تتحوّل إلى مشاريع فعلية على أرض الواقع، وجاءت الهجرة الأولى المنظّمة إلى فلسطين عام 1882، والتي تأسست على إثرها مستوطنة "ريشون لتسيون" بالقرب من يافا، على يد مجموعة من المهاجرين اليهود من مدينة "خاركيف" (في أوكرانيا اليوم).

وكانت أبرز المحاولات لاستيطان شرقي الأردن، في هذه المرحلة، هي خطة البارون روتشيلد عام 1888 لاستيطان منطقة حوران، وقبل إعلانها، قام روتشيلد بزيارة شرقي الأردن عام 1887، واطّلع على أحوالها ودرس إمكانيات الاستيطان اليهودي فيها. وبعد فحص المنطقة، قرّر توسيع نشاطه الاستيطاني وعدم حصره بفلسطين، ليشمل مناطق شرقي الأردن. وقامت الخطة على أساس توطين اليهود المهاجرين من روسيا والجنود المسّرَحين منها في مناطق شرقي الأردن، حيث اختار أنْ يكونوا من المجندين ليتمكنوا من مقاومة غارات البدو. إلا أنه استنكف لاحقاً عن تقديم الدعم المالي المطلوب، مع شعوره بوجود توجّه عام لدى قادة الصهاينة لاستيطان شرقي الأردن.

اقرأ أيضاً: قصة اليهود العرب.. كيف سقطوا في قبضة الصهيونية؟

أخذت موجات الهجرة بالتدفق على نحو متزايد في تسعينيات القرن التاسع عشر، وكان من بين المهاجرين من اختار التوجه نحو وادي "نهر الزرقاء" لاستيطانه، وهو الذي يرد ذكره في التوراة باسم "نهر يبوق" (Yabok)، فقاموا بتأسيس مستوطنتيْن زراعيتين هناك، كما تأسستْ مستوطنة زراعية يهودية باسم "كفار أهودا" بالقرب من السلط (بجانب قرية كفر هودا). إلّا أنّ أهالي جرش هاجموا مستوطنتي نهر الزرقاء وقاموا باستئصالهما، وتبع ذلك مغادرة أهالي مستوطنة "كفار أهودا" خوفاً من مصير مشابه، ما أدى إلى وأد المشروع في مهده، وبحلول عام 1898 كانت شرق الأردن خالية تماماً من أيّ استيطان يهودي.

البارون إدموند دي روتشيلد أهم داعمي الاستيطان اليهودي في مراحله المبكّرة

تأسيس إمارة شرقي الأردن.. نهاية الآمال

بعد قيام الحرب العالمية الأولى ونهاية الحكم العثماني في بلاد الشام، أصدر وزير الخارجية البريطاني، السير آرثر بلفور، تصريحه الشهير "وعد بلفور"، الذي وعد فيه اليهود بإنشاء وطن قومي لهم في فلسطين، ولكن "فلسطين" لم تكن لها حدود معروفة آنذاك. وبعد إقرار الانتداب البريطاني على فلسطين في عصبة الأمم المتحدة عام 1920، أصبحت حدود فلسطين مرتبطة بمناطق حكم حكومة الانتداب، وهنا بادرت الحركة الوطنية في شرقي الأردن إلى التحرّك على جميع الصُعُد من أجل إخراج شرقي الأردن من المناطق المشمولة بوعد بلفور، وهو ما أكده المجتمعون في مؤتمريْ السلط وأم قيس عام 1920، والذي تحقق بعد تأسيس إمارة شرق الأردن بإشراف بريطاني عام 1921.

شعار منظمة "الإرجون".. يظهر تمسكها بشمول وعد بلفور مناطق شرقي الأردن

مشاريع استيطانية من بوابة الاستثمار

بعد قيام الإمارة؛ حاولت الوكالة اليهودية اختراق شرقي الأردن من بوابة جديدة، وهي الاستثمار، وأبرز المشاريع جاءت، بدايةً، مع مشروع استئجار أراضي "غور الكبد"، حين حصلت الوكالة اليهودية عام 1933 على حق استئجار أراضي "غور الكبد" لمدّة ثلاثة وثلاثين عاماً، قابلة للتجديد مرتين، مقابل ألفي جنيه سنوياً، على أنْ تكون الوثيقة نافذة بعد إزالة "الصعوبات السياسة"، والتي كان يقصد بها المقاومة والرفض الأردني الشعبي، وتضمنت الاتفاقية مشروعاً لزراعة الأراضي بالمحاصيل وتشغيل السكان. قوبلت الاتفاقية بتصدٍ واسع من قبل الصحافة السورية والفلسطينية، ومن قبل الحركة الوطنية الأردنية، حيث حذّروا منها باعتبارها مقدمة للتوغل الصهيوني في شرقي الأردن، وكانت النتيجة؛ أنْ أعلن الأمير عبدالله عُدوله عن الاتفاقية، وعلل ذلك بأنه قد تبيّن له أنّ الفائدة من وراء ذلك تعود على الصهيونية لا على الإمارة.

باءت محاولات استيطان شرقي الأردن بالفشل وحصلت المملكة الأردنية الهاشمية على استقلالها عام 1946 دون وجود أي مستوطنة على أراضيها

ثم جاءت خطة الاستيطان اليهودي في غور الصافي، جنوب شرق البحر الميت، عام 1934، والتي تزامنت مع الجهود التي بُذلت للحصول على امتياز إنتاج البوتاس هناك؛ حيث اعتقدت الوكالة اليهودية بأنّ هذا الاستيطان سيصبح إلى جانب الاستيطان في الباقورة (المرافق لمشروع محطة الكهرباء هناك) قاعدة متقدمة لدخول اليهود إلى شرقي الأردن. ورغم إشراف "ديفيد بن غوريون"، رئيس الوكالة اليهودية آنذاك، على الخطة بنفسه، إلّا أنّ الإدارة البريطانية رفضت جميع المحاولات ضمن هذه الخطة، التي استمرت لسنوات، قبل أنْ تنتهي بالإخفاق والفشل.

عام 1936 طرح "بنحاس روتنبرغ" خطته للاستيطان الصهيوني والعربي على جانبيْ وادي نهر الزرقاء، في محاولة لاستعادة مشروع نهاية القرن التاسع عشر، واقترحت الخطة أنْ يستوطن العرب على الضفة الجنوبية للوادي، واليهود على الضفة الشمالية. وكان روتنبرغ يتطلع بذلك لربط الاستيطان اليهودي شمال نهر الزرقاء مع الاستيطان اليهودي في غور بيسان والباقورة.

محطة توليد تابعة لشركة الكهرباء الفلسطينية في الباقورة (فترة العشرينيات)

واقترحت خطة روتنبرغ أنْ يتمّ إنشاء شركة خاصّة للمشروع، تقوم بمنح حكومة شرقي الأردن مليون جنيه استرليني، على أنْ يتم تخصيصها لتوطين العرب في الضفة الجنوبية للنهر. وكانت الخطة تهدف للتقريب بين اليهود والعرب، فروتنبرغ كان أحد أبرز من دعوا إلى التقريب بين العرب واليهود، وقد لاقت الخطة اهتماماً من قبل الأوساط السياسية الصهيونية والبريطانية. قام روتنبرغ بطرح خطته على الأمير عبد الله، إلّا أنّ تسارع الأحداث وانطلاق الثورة الفلسطينية في نيسان (أبريل) من عام 1936، أدى إلى تحفّظه على المشروع وتأجيل دراسته إلى ما بعد انتهائها، لينتهي المشروع بذلك.

باءت جميع محاولات استيطان شرقي الأردن بالفشل، وبذلك حصلت المملكة الأردنية الهاشمية على استقلالها عام 1946 دون وجود أي مستوطنة على أراضيها، إلا أنّ الرؤى والمخططات الصهيونية لم تنتهِ بذلك، فعادت لتظهر بأسماء وعناوين جديدة، أبرزها ما يسمّى بـ"الوطن البديل".

الصفحة الرئيسية